سورة النساء | حـ 710 | 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله، وفي سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا" [النساء ٧٧] هذه آية تدل أيضاََ، وتكرر وتؤكد وتُرَسِّخ أن قتال المسلمين يكون عن قضية؛ لا عن مصلحة، لا
عن شهوة، لا عن إرادة استعمار أرض، ولا احتلال خلق، ولا غير ذلك من الأغراض، إنما يكون في سبيل الله. وهناك قضية تشغل بالهم هي قضية العدل، والإنصاف، هي قضية العبادة، والدعوة. فأساس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين ليس الحرب ولا السلام، إنما أساس العلاقة هو الدعوة والتبليغ أساس العلاقة. ومرةُ تكون الدعوة تستلزم الحرب، ومرةُ تستلزم السلام. والسلام والحرب هما حالات، إنما أساس علاقة المسلم مع غير المسلم في العالم هى الدعوة. فإذا سُمِحَ لنا بطبع الكتاب، وإنشاء الإذاعة، وإيصال
الرسالة بكل وسيلةٍ، انتهى الأمر، فمن سنحارب أذن؟. فإنَّ العلاقة التي بيننا وبين الخلق هي الدعوة. إذن فقد يقول لي أحدهم: حسنا ادع، أنت حر، قل ما تريد، موافق، هو هكذا، لأنني لا أريد قتل الناس، ولا أريد إراقة الدماء، ولا أريد السيطرة والهيمنة، ولا أريد التعالي على الخلق، إنما أريد أن أوصل هذه الدعوة: "بَلِّغوا عني ولو آية"، فَبَلَّغتُ عنه، إذن فماذا عساى أن أفعل بعد ذلك!. إنما لما أرى الناس يحتاجون إلى أن يسمعوا الدعوة فلا يستطيع أحدهم أن يفعل ذلك لوجود حاجز وحائل وطاغوت هنا، ومعى القوة،
أُزيل هذا الطاغوت. أما فى حالة أن ليس معى القوة، إذن فالأمر لله، ولا أذهب لعمل عملية انتحار، لا "لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ" [البقرة: ٢٨٦]؛ إذن فليس هناك شيء أكثر مما كُلِّفتُ به، أى في طاقتي. وقد تكون هذه الطاقة هي التبليغ، وإيصال الكلام، وقد تكون هذه الطاقة في بعض الحالات هي الصدام الذي فُرِضَ عليَّ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" [البقرة: ٢١٦]، إذن، فإنَّ القتال عندما كُتِبَ عليّ أى أنه ليس برغبتي ولا بإرادتي ولا أنا متشوف له ولا عندي
عنف في نفسي أريد أن أخرجه في القتال، أبداََ، ولكن القتال وسيلة من وسائل الصدّ: أى رفع العدوان وصد الطغيان. "أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ" [النساء: ٧٧] أى: لا قتال، فماذا إذن؟، فماذا فماذا يأمرنى به الله سبحانه وتعالى {فى الآية} فى هذه الحالة {عند افتقاد القوة}؟: "وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ" أى أن نعبد الله. "فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ" تُرى ماذا فعلوا: قالوا نحن قد فعلنا {ما أمرتنا به}، فكففنا أيدينا، وأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، فلا تطلب منا شيئا أكثر من ذلك، قال {ربنا سبحانه وتعالى} لا، بل سأطلب منكم أن تُبَلِّغوا؛ بما أنكم قد آمنتم فعليكم أن تبَلِّغوا.
"فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ" بحسب الظرف الخاص بهم، "إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ" آه أنظر هنا فهى إذن ليست مسألة أنهم ضعفاء غير قادرون {على القتال}، لا بل إنها {مسألة} أنهم يخشون الناس، والله أحق أن يخشاه: "ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا" [آل عمران: ١٧٣]: أى لا تخف أحدا، هذه قضية كونية خلقها الله هكذا، "كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ": كخشية الله ماذا يقترن بها؟: التردد، التردد: ماذا أفعل إذن؟، هل أسير وراء الله وأوامره؟، أم وراء مداهنة الناس ومجاملتهم؟، فهناك تردد وحيرة.
أو "أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً": وهذه ماذا تعنى هنا؟، ما فإن قوله "كخشية الله" جعلهما متساويتان {خشية الناس والله}، وقوله "أَشَدَّ خَشْيَةً" أى تكون خشية الناس أشد من خشية الله، فى حين أن "كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ" تلازمها ترددا وحيرة، فى حين أن "أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً" أشد خشية إذن أنه ليس متردداًً، بل قراره يقيناًً أنه لن يواجه الناس، ولن يقاومهم، هكذا بدون تفكير لأنه: يخشى الناس أشد من خشية الله انتهى فهناك قرار. "أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً": الآخر {كخشية الله} يقول لك يعني لنتدبر، {اعط لنا فرصة للنفكير}، لنرى ما هي الحكاية، هو متردد حائر، فى حين أن هذا فى هذه الحالة ليس حائرا، ولا متردداًً، بل إنه مقرر بالفعل : "أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً". إذن فما بينهم
وبين ربنا؟،
ما هم قد آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة "وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ": يعني أنهم يعاتبون ربنا ويعترضون {متسائلين}: "لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ"، لقد كان الأمر جميلا {هادئاًً، مريحاًً} وكنا نقيم الصلاة والزكاة وكفى، وكان كل فردِِ جالسً في بيته {بدون الحاجة إلى قتال}، "لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ": أى يعني كان يمكن {تأجيل} القتال هذا لما بعد ذلك، عند أولادنا وأحفادنا "قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ": قليل انظر إلى الحقيقة: أن متاع الدنيا قليل، وأنت لا تضمن عمرك، "وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا" أى لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولذلك فإنَّ التوكل على الله، وجعل الدنيا في اليد دون القلب هو الأساس.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.