سورة النساء | حـ 710 | 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 710 | 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفسير الآية الكريمة من سورة النساء يؤكد أن قتال المسلمين يكون في سبيل الله فقط، وليس لأغراض دنيوية كالاستعمار أو المصالح.
  • أساس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين هو الدعوة والتبليغ، وليس الحرب أو السلام في حد ذاتهما.
  • إذا سُمح للمسلمين بإيصال الدعوة بالوسائل المختلفة فلا داعي للقتال.
  • القتال فُرض على المسلمين وهو مكروه لهم، وليس برغبتهم أو لإخراج عنف كامن.
  • القتال وسيلة لدفع العدوان والطغيان وإزالة الحواجز التي تمنع وصول الدعوة للناس.
  • بعض المؤمنين تملكهم الخوف من الناس عند فرض القتال عليهم، حتى صارت خشيتهم للناس كخشيتهم لله أو أشد.
  • اعترض بعضهم على فرض القتال متسائلين لماذا لم يؤخر إلى أجل قريب.
  • أخبر الله أن متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى.
  • التوكل على الله وجعل الدنيا في اليد دون القلب هو الأساس.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية القتال من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله، وفي سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 77]

قتال المسلمين يكون عن قضية عادلة لا عن مصلحة أو شهوة

هذه آية تدل أيضًا، وتكرر وتؤكد وتُرَسِّخ أن قتال المسلمين يكون عن قضية؛ لا عن مصلحة، لا عن شهوة، لا عن إرادة استعمار أرض، ولا احتلال خلق، ولا غير ذلك من الأغراض، إنما يكون في سبيل الله.

وهناك قضية تشغل بالهم هي قضية العدل والإنصاف، هي قضية العبادة والدعوة. فأساس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين ليس الحرب ولا السلام، إنما أساس العلاقة هو الدعوة والتبليغ.

أساس علاقة المسلمين بغيرهم هو الدعوة والتبليغ لا الحرب

أساس العلاقة [بين المسلمين وغيرهم] ومرةً تكون الدعوة تستلزم الحرب، ومرةً تستلزم السلام. والسلام والحرب هما حالات، إنما أساس علاقة المسلم مع غير المسلم في العالم هي الدعوة.

فإذا سُمِحَ لنا بطبع الكتاب، وإنشاء الإذاعة، وإيصال الرسالة بكل وسيلة، انتهى الأمر. فمن سنحارب إذن؟ فإنَّ العلاقة التي بيننا وبين الخلق هي الدعوة.

المسلم لا يريد قتالًا بل يريد إيصال الدعوة وتبليغ الرسالة

إذن فقد يقول لي أحدهم: حسنًا، ادعُ، أنت حر، قل ما تريد. موافق، هو هكذا؛ لأنني لا أريد قتل الناس، ولا أريد إراقة الدماء، ولا أريد السيطرة والهيمنة، ولا أريد التعالي على الخلق، إنما أريد أن أوصل هذه الدعوة:

قال رسول الله ﷺ: «بَلِّغوا عني ولو آية»

فَبَلَّغتُ عنه، إذن فماذا عساي أن أفعل بعد ذلك!

إزالة الطاغوت الحائل دون وصول الدعوة عند امتلاك القوة

إنما لمّا أرى الناس يحتاجون إلى أن يسمعوا الدعوة فلا يستطيع أحدهم أن يفعل ذلك لوجود حاجز وحائل وطاغوت هنا، ومعي القوة، أُزيل هذا الطاغوت.

أما في حالة أن ليس معي القوة، إذن فالأمر لله، ولا أذهب لعمل عملية انتحار، لا!

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]

التكليف بحسب الطاقة بين التبليغ والقتال المفروض

إذن فليس هناك شيء أكثر مما كُلِّفتُ به، أي في طاقتي. وقد تكون هذه الطاقة هي التبليغ وإيصال الكلام، وقد تكون هذه الطاقة في بعض الحالات هي الصدام الذي فُرِضَ عليَّ:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]

إذن، فإنَّ القتال عندما كُتِبَ عليَّ أي أنه ليس برغبتي ولا بإرادتي، ولا أنا متشوف له، ولا عندي عنف في نفسي أريد أن أخرجه في القتال، أبدًا. ولكن القتال وسيلة من وسائل الصدّ: أي رفع العدوان وصد الطغيان.

أمر الله بالصلاة والزكاة عند عدم القتال وكف الأيدي

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 77]

أي: لا قتال. فماذا إذن؟ فماذا يأمرني به الله سبحانه وتعالى في هذه الآية في هذه الحالة [عند افتقاد القوة]؟:

﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [النساء: 77]

أي أن نعبد الله [بالصلاة والزكاة حين لا يكون هناك قتال].

موقف الذين رفضوا القتال بعد أن كُتب عليهم واكتفوا بالعبادة

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [النساء: 77]

تُرى ماذا فعلوا؟ قالوا: نحن قد فعلنا ما أمرتنا به، فكففنا أيدينا، وأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، فلا تطلب منا شيئًا أكثر من ذلك.

قال [ربنا سبحانه وتعالى]: لا، بل سأطلب منكم أن تُبَلِّغوا؛ بما أنكم قد آمنتم فعليكم أن تُبَلِّغوا.

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [النساء: 77]

بحسب الظرف الخاص بهم.

خشية الناس كخشية الله وأثرها في التردد والحيرة

﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ﴾ [النساء: 77]

آه، انظر هنا فهي إذن ليست مسألة أنهم ضعفاء غير قادرين [على القتال]، لا، بل إنها مسألة أنهم يخشون الناس، والله أحق أن يُخشى:

﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ [آل عمران: 173]

أي: لا تخف أحدًا. هذه قضية كونية خلقها الله هكذا.

﴿كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾: كخشية الله، ماذا يقترن بها؟ التردد، التردد: ماذا أفعل إذن؟ هل أسير وراء الله وأوامره؟ أم وراء مداهنة الناس ومجاملتهم؟ فهناك تردد وحيرة.

الفرق بين خشية الناس كخشية الله وأشد خشية في الحسم والتردد

﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]: وهذه ماذا تعني هنا؟ فإن قوله ﴿كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ جعلهما متساويتين [خشية الناس وخشية الله]، وقوله ﴿أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي تكون خشية الناس أشد من خشية الله.

ففي حين أن ﴿كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ تلازمها ترددًا وحيرة، فإن ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أشد خشية، إذن أنه ليس مترددًا، بل قراره يقينًا أنه لن يواجه الناس، ولن يقاومهم، هكذا بدون تفكير؛ لأنه يخشى الناس أشد من خشية الله، انتهى.

فهناك قرار ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾. الآخر [صاحب كخشية الله] يقول لك: يعني لنتدبر، أعطنا فرصة للتفكير، لنرى ما هي الحكاية، هو متردد حائر. في حين أن هذا [صاحب أشد خشية] في هذه الحالة ليس حائرًا ولا مترددًا، بل إنه مقرر بالفعل: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾.

اعتراض المؤمنين على فرض القتال وطلبهم تأجيله إلى أجل قريب

إذن فما بينهم وبين ربنا؟ ما هم قد آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ﴾ [النساء: 77]

يعني أنهم يعاتبون ربنا ويعترضون [متسائلين]: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ؟ لقد كان الأمر جميلًا هادئًا مريحًا، وكنا نقيم الصلاة والزكاة وكفى، وكان كل فرد جالسًا في بيته [بدون الحاجة إلى قتال].

﴿لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 77]

أي يعني كان يمكن تأجيل القتال هذا لما بعد ذلك، عند أولادنا وأحفادنا.

متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى والتوكل على الله

﴿قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 77]

قليل، انظر إلى الحقيقة: أن متاع الدنيا قليل، وأنت لا تضمن عمرك.

﴿وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 77]

أي لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولذلك فإنَّ التوكل على الله، وجعل الدنيا في اليد دون القلب هو الأساس.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.