سورة النساء | حـ 712 | 79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 712 | 79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يعلمنا الله في سورة النساء حقائق النفس البشرية وكيفية التعامل معها، مربطاً ذلك بالعقيدة من خلال قوله "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك".
  • نسبة الخير إلى الله وعدم نسبة الشر إليه من باب الأدب، مع الإقرار بأنه خالق الخير والشر.
  • في الحج كان ابن مسعود يلبي بقوله "والخير كله بيديك والشر ليس إليك".
  • يجب التمييز بين الإرادة الكونية للخالق والإرادة الشرعية التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
  • اعتبار الأسباب أمر مطلوب لكن الاعتماد عليها ممنوع، فالاعتماد على الأسباب شرك وتركها جهل.
  • خُص النبي محمد بعموم رسالته للناس كافة، حيث قال تعالى "وأرسلناك للناس رسولا"، متجاوزة الزمان والمكان والأشخاص.
  • القرآن الكريم معجزة الرسالة الباقية، والشهادة الإلهية أعظم دليل على صدق الرسالة.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة في سورة النساء وتعليم الله حقائق النفس البشرية وقواعد التعامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يعلمنا حقائق النفس البشرية وقواعد الاجتماع البشري، وكيفية التعامل مع النفس، مع الأكوان، مع الرحمن سبحانه وتعالى.

ويربط كل ذلك بالعقيدة فيقول:

﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]

أدب نسبة الخير إلى الله وعدم نسبة الشر إليه سبحانه وتعالى

إذا يتقرر من ذلك [من الآية الكريمة] أننا لا ننسب إلى الله سبحانه وتعالى الشر على سبيل الأدب، وإنما ننسب إليه الخير.

وفي تلبية الحج نقول:

«لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، والرغباء إليك، لبيك اللهم لبيك»

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يختار هذه التلبية ويلبي بها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وفيها إقرار بهذا الأدب [أدب عدم نسبة الشر إلى الله].

الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية في خلق الخير والشر

ومعروف أن الله هو الذي خلق الخير والشر، ولكن مع أنه هو الخالق للخير والشر، إلا أننا ننسب إليه الخير ولا ننسب إليه الشر أدبًا وليس خلقًا.

﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 78]

الخير والشر من عند الله، والهداية والإضلال من عند الله، والإيمان وخلق الإيمان وخلق الكفر من عند الله. وهذه يسمونها بالإرادة الكونية.

ولكن هناك أيضًا إرادة شرعية أمرنا فيها بالمعروف ونهانا عن المنكر؛ فأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج، ونهانا عن الزنا والخنا والربا والفواحش والكذب وشرب الخمر وشهادة الزور. فنهانا وأمرنا سبحانه وتعالى، وهذه إرادة شرعية.

اعتبار الأسباب في جلب المصائب ودور الإنسان في ظلم نفسه

ويؤخذ من هذه الآية [آية سورة النساء] أيضًا، بالإضافة إلى العقيدة وبالإضافة إلى الأدب، يؤخذ منها اعتبار الأسباب.

فالإنسان هو الذي وبأعماله وبسبب عصيانه وبسبب تصرفاته الخاطئة المخطئة، هو الذي يظلم نفسه ويجلب المصائب عليها.

فإن الله لما رسم لنا الطريق وشرح لنا الأمر، إنما أراد لنا سعادة الدارين؛ فعند المخالفة تأتي المصائب. وإن كانت المصائب من خلق الله، إلا أنها بمباشرة أسباب قد نُهينا عنها؛ فإذا الأسباب معتبرة.

﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]

أنت السبب.

الله خالق الأسباب والمسببات مع وجوب الأخذ بالأسباب وعدم الاعتماد عليها

طيب، من الذي خلق السبب؟ الله. ومن الذي قدّر لي السبب؟ الله. ومن الذي قدّر ما بين السبب والمصيبة؟ الله خلقًا.

لكن لا بد علينا مع هذه العقيدة ألّا نلغي الأسباب، وألّا يجلس أحدنا في بيته ينتظر أن تمطر عليه السماء ذهبًا أو فضة، بل لا بد من الأخذ بالأسباب. وليس أن يجلس المريض دون دواء طالبًا من الله الشفاء، بل لا بد أن يأخذ بالأسباب، وبعد أن يتناول الدواء يقول: يا رب اشفني.

ويؤخذ من هذا أيضًا أن الاعتماد على الأسباب ممنوع؛ إذن اعتبار الأسباب مطلوب والاعتماد عليها ممنوع. حتى قالوا: إن الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل، وليس من سنن النبيين.

دلالة قوله تعالى وأرسلناك للناس رسولا على العقائد الثلاث

﴿وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 79]

وأرسلناك للناس رسولًا وكفى بالله شهيدًا. هذه الآية تجمع العقائد الثلاث: لا إله إلا الله؛ لأنه يتكلم من عزته وجبروته وعظمته سبحانه وتعالى، فيعبّر بتعبير القوة والجمع: "وأرسلناك"، ويعبّر بتعبير التحقيق بصيغة الماضي: "وأرسلناك".

ولكنه ينسب الإرسال إلى الرسول ويضيفه إليه، لا "وأرسلنا رسولًا"، بل "وأرسلناك أنت". يبقى تكلّم عن الماضي [وهو الله سبحانه وتعالى] والحاضر [وهو] رسول الله.

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. تقول لي: من الذي خلقك؟ أقول له: الله. وأنت ماضٍ الآن، كيف [تعرف الطريق]؟ أقول له: اتبع رسول الله.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]

هاهو، وأرسلناك إلى الناس.

عموم رسالة النبي محمد للناس كافة وتجاوزها الزمان والمكان

وهنا تأتي المسألة الثالثة التي تميّز بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن النبي [في الأمم السابقة] كان يُرسل إلى قومه خاصة، و [أما نبينا محمد ﷺ فقد قال]:

«وأُرسلتُ إلى الناس كافة»

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

وأرسلناك للناس، ليس للعرب، ليس لأهل مكة. إذن فهذه شريعة قد تجاوزت الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

الدليل على صدق الرسالة بالمعجزات والقرآن الكريم والإيمان باليوم الآخر

"رسولًا وكفى بالله شهيدًا"، أي تجاوزت كل الأدلة. ما الدليل على أن الرسول رسول؟ المعجزات التي جرت، معجزة الرسول [صلى الله عليه وسلم]، والمعجزة الباقية هي معجزة الرسالة: القرآن الكريم.

وهذا يقتضي الأمر الثالث وهو الإيمان باليوم الآخر.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.