سورة النساء | حـ 717 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 717 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفسير قوله تعالى "ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول" يُظهر حقيقة المنافقين الذين يظهرون الطاعة للنبي ثم يخالفون في الخفاء.
  • كلمة "بيّت" تعني التدبير ليلاً، وهي كناية عن الخفاء والستر، فالليل يرمز للخفاء والسواد، ولا يشترط حصول الفعل بالليل فعلاً.
  • النفاق حقيقته إظهار خلاف ما يُبطن، ومن آثاره الخلف في الوعد وخيانة الأمانة والكذب والفجور في الخصومة.
  • هؤلاء المنافقون قاموا بمخالفتهم قاصدين عالمين مختارين، وهذه شروط نسبة الفعل للفاعل.
  • الفقهاء يقررون أن الفعل لا ينسب إلى الشخص إلا إذا أتاه قاصداً عالماً مختاراً.
  • لا يؤاخذ الإنسان على ما فعله بغير قصد أو علم أو اختيار، كمن سجد أمام صنم دون علم أو قصد.
  • الله شهيد على هؤلاء المنافقين ويعلم ما يبيتون من مخالفة وكيد للمؤمنين.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة وتلاوة آية من سورة النساء عن المنافقين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى﴾ [النساء: 81]

جزء ناقص، والله أعلم ما الذي فعلوه.

معنى كلمة بيّت ودلالة الليل على الخفاء والستر في القرآن

وأين تُستعمل هذه [الكلمة]؟ في الليل، وهذا الليل علامة على الستر والخفاء، والستر والخفاء ضد العلن والظهور.

فمن بيّت شيئًا بالليل فهو يفعله بعيدًا عن الظهور وعن الناس وعن العلانية. وهذا البُعد معناه أنه في الخفاء.

فلماذا يختفي هؤلاء [المنافقون]؟ لأنهم يعلمون أنهم من المخالفين؛ لأنهم يُظهرون شيئًا ويريدون ألا يُظهروا أنهم قد خالفوه.

حقيقة النفاق وأثره في إظهار خلاف ما يُبطن

وهذا هو حقيقة النفاق: أن تُظهر ما لا تُبطن.

وهذا هو أثر النفاق: الخُلف في الوعد، وخيانة الأمانة، والكذب في الحديث، والخصام في الفجور، أو الفَجْر في المخاصمة.

معنى بيّت في الآية ودلالتها على التدبير الخفي لا الليل الحقيقي

فإذا برزوا من عندك بيّت طائفة؛ بيّت ليس اتفقت، ليس قالت، ليس اجتمعت، لا، هذه بيّت يعني بليل.

ومعنى هذا أن كلمة بيّت هنا لا يلزم أن تكون على الحقيقة؛ ليس من الضروري أن تكون بالليل، أي يمكن أن تكون بالنهار، ولكن استُعمل بيّت فيها من أجل أن يُشعرك أن الأمر على الخفاء وفيه تدبير خبيث أسود، والليل فيه ظلمة وفيه سواد.

الفرق بين يدركون ويقصدون في سياق فعل المنافقين الخفي

غير الذي تقول، فإذا هم يدركون ماذا قال النبي عليه [الصلاة] وسلم ويقصدون، أي يدركون أي ما معناه العلم، أي يعلمون. وبيّتهم يبقى أي يقصدون.

وهذا البيات يكون في الخفاء. فمن الذي أرغمهم ودفعهم وأكرههم على ذلك؟ أم أنهم باختيارهم؟ لا، بل باختيارهم؛ هذا الفعل منسوب إليهم وبطريقتهم.

شروط نسبة الفعل إلى صاحبه عند الفقهاء: القصد والعلم والاختيار

إذن نستطيع أن نقول إنهم أتوا هذه المخالفة قاصدين عالمين مختارين. يمكن أن نقول هكذا، من أين؟ من التأمل والتدبر فيما بين أيدينا.

القصد والعلم والاختيار: القصد ضده عدم القصد؛ ليس قصدي. والعلم؛ أنا فهمت خطأ. وهذا وارد في المؤمنين أنه يفهم خطأ، أنه يقصد خطأ، أنه يحصل إكراه:

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]

يحدث هذا كذلك، ولكن هذا [المنافق فعل ذلك] قاصدًا.

فترى يقولون الفقهاء: إن الفعل لا يُنسب إلى الشخص إلا إذا أتاه قاصدًا عالمًا مختارًا.

أمثلة تطبيقية على انتفاء القصد والعلم في نسبة الفعل إلى صاحبه

فلنفترض أنني أتيت فعلًا من غير قصد فإنه لا يقع هذا الفعل ولا يُنسب إليّ ولا أُؤاخذ عليه، ومن غير علم كذلك، ومن غير اختيار كذلك. فلا بد في كل فعل حتى يُنسب إلى صاحبه أن يأتيه قاصدًا عالمًا مختارًا، فإن أتاه قاصدًا عالمًا مختارًا ثبت في حقه.

هذا شخص سجد بعد ما صلى، قالوا: أنت لست منتبهًا أم ماذا؟ قال لهم: ما الأمر؟ قال لهم: هذا صنم أمامك! هل يكون ساجدًا للصنم؟ أبدًا؛ هذا لا يعلم أن هناك صنمًا، هنا علم ولم يقصد أن يسجد للصنم.

حكم من صلى أمام تمثال دون قصد أو تحت الإكراه

جاءته الصلاة وهو في المطار، والمطار فيه تمثال أو شيء لا أعرف ما هو، فضاق عليه الأمر وصلى لله رب العالمين. نعم، غير قاصد.

واحد قال له: سأضربك بالرصاص وإلا تصلي في هذا المكان [الذي فيه صنم]، قال له: أصلي جدًا، نعم الله أكبر. فما فيها شيء؛ هذه مُكرَمة [أي حالة إكراه].

يقصد السجود للأصنام [هو الذي يُحاسب عليه]. فمتى نقول عن هذا الرجل أنه سجد للصنم؟ أن يسجد للصنم قاصدًا عالمًا مختارًا.

تطبيق شروط القصد والعلم والاختيار على جرائم الزنا والسرقة

متى يكون الزاني زانيًا؟ إذا أتى بالزنا قاصدًا عالمًا مختارًا. حسنًا، هذا ظن أنها زوجته التي كانت معه، نعم هذا يكون وطء شبهة، هذا لا يكون زنا، هذا ليس اسمه زنا؛ وطء شبهة طبيعية.

متى يكون السارق سارقًا؟ عندما يعلم بالاختيار والقصد أن هذا ليس ماله طبيعيًا. هذا ظن أنه ماله، أنه هذا الشيء ملكه. يحدث هذا؛ ونحن خارجون من المسجد قم أظن أن هذا الحذاء ملكي فأخذه معي، وبعد ذلك والله عندما جئت ألبسه وجدته أصغر درجة، فقلت والله هذا ممتلكاتي.

إذا أخذت هكذا فإن ذلك يُعتبر سرقة، [ولكنه] لم تعد سرقة؛ لأن هذا لم يأتِ بالأخذ قاصدًا عالمًا مختارًا.

قاعدة فقهية: لا يُنسب الفعل إلا بالقصد والاختيار وشهادة الله على المنافقين

وهكذا أبدًا لا يُنسب للشخص فعل إلا بالقصد والاختيار والإرادة، وينص على ذلك ابن حزم ويُفيض فيه، وكذلك غيره من الأئمة.

فهؤلاء الناس [المنافقون] فعلوا ما فعلوه عن غفلة؟ عن إكراه؟ عن جهل؟ أبدًا! بل طائفة منهم غير التي تقول، يعني هم يعرفون الحكاية، والله يعلم ما يُبيّتون. فقد توفرت فيهم الصفات الثلاث [القصد والعلم والاختيار]، والله شهيد عليهم.

فماذا وكيف نفعل مع هؤلاء وأمثالهم إلى يوم الدين؟ وذلك في حلقة قادمة. نلتقي بكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.