سورة النساء | حـ 718 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يوجّه الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم لكيفية التعامل مع المنافقين، وهذا التوجيه موجّه للأمة أيضاً.
- •الخطاب الإلهي للرسول هو خطاب لأمته باعتباره القدوة والأسوة الحسنة.
- •أول نصيحة هي الإعراض عن المنافقين وعدم الانشغال بالرد عليهم.
- •عند مقارنة كلام البشر مع كلام الله تظهر الفروق الكبيرة، كما في مقولة الإمام الشافعي "لو كل كلب نبح رميته بحجر لأصبح الحجر مثقال دينار".
- •الفرق بين قول البشر "القتل أردع للقتل" وقول الله "ولكم في القصاص حياة" يوضح جمال الكلام الإلهي ودقته.
- •بعد الإعراض عن المنافقين، يأتي التوكل على الله وهو الجانب الإيجابي للتعامل معهم.
- •معنى التوكل: العمل مع الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب دون الاعتماد عليها.
- •المنهج الإلهي يهدف لصلاح الكون وتعميره لا تدميره وإفساده.
نصيحة الله لنبيه في التعامل مع المنافقين موجهة للأمة جمعاء
يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينصح نبيه سيد الخلق المصطفى صلى الله عليه وسلم، كيف يتعامل مع المنافقين وهم موجودون في كل زمان ومكان. ولما وجّه الكلام إليه صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا الحسنة، وهو حجتنا عند ربنا، وهو الباب الوحيد الذي نصل منه إلى الله، وهو ركن الشهادة التي عليها الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدًا رسول الله.
كانت هذه النصيحة موجهة إلى الأمة من بعده وهكذا أبدًا؛ فكل خطاب من الله موجه إلى الرسول إنما هو موجه إلينا، باعتبار أنه هو الأسوة الحسنة والمثال الأعظم الصالح، والإنسان الكامل الذي ارتضاه ربه ليكون رحمة وأسوة وخيرًا ومرشدًا وهدى للعالمين.
قاعدة الإعراض عن المنافقين وعدم الاشتغال بالردود عليهم
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 81]
يبقى أول شيء أن تُعرض عنهم، وهذه قاعدة مهمة للغاية: إياك أن تشتغل بالردود.
لو كل كلب نبح رميته بحجر لأصبح الحجر مثقاله بدينار. أين هذا البيت؟ تجده في شرح العيني على البخاري في البداية تمامًا. لو كل كلب — ومنسوب للإمام الشافعي — لو كل عوى ألقمته حجرًا لأصبح الصخر مثقالًا بدينار.
يقول لك: والله أنا لم أشتمك أمس، فلماذا لم ترد عليّ؟ حسنًا، فأنا عندما أمسك الطوبة وأضرب بها كل كلب ينبح، حسنًا فهذا الطوب والحجارة والحصى سيرتفع سعره. أنا سأترك الكلب يعوي؛ دع القافلة تسير والكلاب تعوي، فالقافلة سائرة فالكلاب تنبح، مشيت انتهى، سكتت.
الحكمة في الإعراض دون شتم الناس والرد على كل متكلم
والله هذا كان يلعب، إذن نعم كلب ويلعب وليس هناك شيء. الرحمة جميلة، أنت هكذا لم تشتم الناس.
أنا لم أشتم الناس، هؤلاء الناس جميعهم طيبون. أليس أنت تقول كل كلب عوى، فما هو الذي شتمك؟ هذا أنت قلت عليه كلب! ها هو أبدًا، هذا هو طيب ابن طيب وليس أي شيء، ما فيه شتيمة ولا شيء.
هذه هي القضية: أنني أكلّم نفسي وأقول يا نفسي لا تردّي على كل من يتكلم، لا تستحق [الرد]؛ لأن ربنا قال ماذا؟ قال:
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 81]
الفرق بين أدب القرآن في الإعراض وكلام البشر في الانتقام
طيب ما الفرق بين كلام الشافعي وبين كلام ربنا؟ لا فرق كبير، [لكن] الشافعي انتقم لنفسه أيضًا. ما هو الشافعي وهو يقول نفس العبارة، ما هو؟ انتبه! وربنا يقول ماذا؟
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 81]
انظر إلى الأدب، انظر إلى الحلاوة، انظر إلى الجمال: فأعرض عنهم. شتمهم؟ لم يشتمهم! يستطيعون أن يمسكوا ويقولوا والله إنك شتمتنا ويرفعوا رؤوسهم هكذا وكأنهم أبرياء؟ أبدًا.
ولكن الإمام الشافعي بشر، هذا هو الفرق بين كلام البشر وكلام ربنا. أريد منكم أن تتأملوا هكذا وتقارنوا.
المقارنة بين بلاغة القرآن في القصاص وكلام البشر عن القتل
عندما يقول لكم [الله تعالى]:
﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ [البقرة: 179]
قارنوها بقول البشر: "القتل أردع للقتل". ما هذا؟ القتل أردع للقتل! هذا فيه عنف، فيه القتل مرتين. القتل قد لا يكون رادعًا للقتل، وهذا نراه في الثأر التي كانت عندنا قديمًا في هذا الصعيد؛ هذا القتل يدعو إلى القتل.
ولكن ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، نعم صحيح؛ يكون هناك قاضٍ وحكم وهدوء، وهذه الدية رُفضت فيكون كذلك. ونرى هذا عمل أنه أصبح هذا أمر جميل، هكذا هو. ومن الذي قُتل؟ نفس القاتل.
ولكن الآن قتلوا من عندنا شيخ القبيلة، قوموا اقتلوا من عندهم شيخ القبيلة وليس القاتل! والله حسنًا، وبعد ذلك يصبح [ثأرًا لا ينتهي].
مقارنة بلاغة القرآن بشعر امرئ القيس في الإيجاز والمعنى
إذا قارنت كلام الله بكلام البشر تتضح لك أمور عجيبة جدًا. امرؤ القيس يقول: "قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل"، قال: وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والدار في شطر بيت، ما هذا شيء عظيم جدًا!
وفي شطر البيت الثاني قال ماذا؟ لم يقل شيئًا، قال: "بسقط اللوى بين الدخول فحومل"، يعني أنا أسير في الطريق إلى الدقي إلى العجوزة وإلى شبرا الخيمة. أهلًا وسهلًا، ما هذا؟ يعني ما هذه الأماكن؟ كل هذه أماكن: بسقط اللوى بين الدخول فحومل، لم يقل شيئًا.
ولكن ربنا وهو يقول:
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]
أسّس للعقل المستنير إلى يوم الدين، وما يوجد كلمة ولا حرف ولا حركة زيادة أو نقص.
المقصود من المقارنة تعظيم كلام الله لا الإساءة للعلماء
فانظر الإمام الشافعي هو يقول ماذا؟ لو كل كلب نبح... الله طيب، ما أنت شتمت كذلك! ها، يُؤخذ عليه [هذا اللفظ]. لكن هذا ما يقوله، لست أنا الذي سآخذه عن الإمام الشافعي، الإمام الشافعي فوق رأسنا.
لكن هو منسوب للإمام الشافعي، ليس القصد هكذا. القصد المقارنة بين كلام البشر وكلام الله. لكن في كلام الله قال ماذا؟
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 81]
اعتزّوا بكتابكم، أحبّوه، تأمّلوه، عيشوا معه. هذا المقصود من الكلام.
التوكل على الله هو الإيجاب بعد الإعراض عن المنافقين
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [النساء: 81]
أعرضتَ عنهم، هذا سلب [جانب الترك]: اتركهم، لا ترد عليهم، لا تعمل معهم. حسنًا، فأين الإيجاب إذن؟ ارجع مرة أخرى إلى المنهج الإلهي.
ماذا يريد الله من الكون؟ يريد صلاحه لا طلاحه، يريد تعميره لا تدميره، يريد حصاده لا فساده. هكذا يكون، إذن نرجع نتوكل على الله.
والتوكل على الله ما معناه؟ العمل مع الاعتماد على الله، والأخذ بالأسباب دون الاعتماد عليها.
حسنًا:
﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81]
فلننتهِ هنا. إذن أنت متوكل على ركن ركين؛ فربنا يوفقك ويهديك ويشرح صدرك ويوفقك، وهو المطلوب. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
