سورة النساء | حـ 719 | 82 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم له مستويات متعددة للتعامل معه تبدأ بالقراءة، ثم التلاوة، ثم التلاوة حق تلاوته، وأعلاها التدبر.
- •للقراءة فضل عظيم إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ القرآن وهو ماهر به فهو مع الكرام السفرة" و"من قرأ حرفاً من القرآن فله عشر حسنات".
- •التدبر يتطلب الوقوف مع حروف القرآن بنوعيها: حروف مباني (28 حرفاً) وحروف معاني (حوالي 36 حرفاً في القرآن من أصل 90 في اللغة العربية).
- •حروف المعاني قد تكون حرفاً واحداً أو أكثر، وكل حرف له معان متعددة قد تصل إلى 15 معنى.
- •العلماء كابن هشام في كتابه "مغني اللبيب" خدموا القرآن بمنهج علمي دقيق وضبطوا معاني الحروف.
- •تدبر القرآن يولد المعاني الصحيحة ويكشف إعجازه ويرسخ الإيمان بكونه من عند الله.
- •الجهل بحروف المعاني والمباني يؤدي إلى شبهات وتشوهات في فهم القرآن.
مقدمة في مستويات التعامل مع القرآن الكريم من القراءة إلى التدبر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرشدنا إلى كيفية تلاوة القرآن الكريم والتعامل معه، وأن التعامل مع القرآن الكريم ليس على مستوى القراءة فقط.
فمستوى القراءة موجود يتعبد الإنسان به، وأعلى منه أن يكون هناك مستوى التلاوة، وأعلى من مستوى التلاوة حق تلاوته أن يكون هناك مستوى التدبر.
أحاديث نبوية في فضل قراءة القرآن ومستوى القراءة والختم في رمضان
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من قرأ القرآن وهو ماهر به فهو مع الكرام السفرة، ومن يقرأه وهو يتعتع فيه له أجران»
نعم، هذا مستوى القراءة هكذا. ويقول [صلى الله عليه وسلم]:
قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفًا من القرآن فله عشر حسنات، لا أقول الم حرف واحد، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف»
هذا مستوى القراءة. وإذا ختمنا القرآن في رمضان، فهذا مستوى قراءة أيضًا، قرأناه كله من أوله إلى آخره.
أفضلية القراءة بالنظر لاشتمالها على عبادات متعددة ومستوى التدبر
والقراءة تشتمل على النظر وتشتمل على سماع الصوت، ولذلك فهي أفضل؛ لأن فيها عبادات مختلفة: البصر واللسان والسمع، من السمع وحده. والسمع خير في الصلاة أو في خارج الصلاة.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]
نعم، هذا مستوى آخر. إذن فوق التلاوة القراءة، فالتلاوة حق تلاوته، فالتدبر. والتدبر أن تقف إذن مع كل حرف من حروفه.
الفرق بين حروف المباني وحروف المعاني في اللغة العربية والقرآن
والحروف نوعان: حروف مباني وحروف معاني. حروف المباني كم حرف؟ يقولون ثمانية وعشرون حرفًا. وحروف المعاني تسعون حرفًا في اللغة العربية.
منهم كم حرفًا في القرآن؟ حوالي ستة وثلاثون حرفًا [من حروف المعاني].
أمثلة على حروف المعاني في القرآن الكريم كالهمزة والواو والفاء
حروف المعاني: الهمزة — أنت، هذه همزة استفهام.
﴿قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 116]
هذه همزة ماذا؟ هذا حرف فقط، حرف ماذا؟ حرف معنى. ويمكن أن تكون حرفين، يمكن أن تكون حرفًا.
﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا﴾ [الشمس: 1]
الواو — آه، هذا حرف، فهذا حرف.
﴿أَفَلَا﴾ [النساء: 82]
هؤلاء ثلاثة: همزة وفاء ولا. أفلا، إذن هذه حروف ماذا؟ المعاني.
تصنيف حروف المعاني من حيث عدد حروفها ومعانيها المتعددة
قد تكون [حروف المعاني] حرفًا واحدًا، قد تكون حرفين مثل: لا، وفي، وعن، ومن. قد تكون ثلاثة مثل: على، وإلى. قد تكون أربعة مثل: لعلّ. قد تكون خمسة مثل: لكنّ. ولا تزيد عن خمسة.
فهذه الحروف كل حرف له معانٍ. كم معنى في اللغة العربية؟ ستة وخمسون معنى، ستة وخمسون معنى.
فهل كل حرف له ستة وخمسون معنى؟ قال: لا، يمكن أن يكون له معنيان، ثلاثة، تسعة، هكذا. لكن لا يزيد عن ذلك، يمكن أن يكون له خمسة عشر معنى على الأكثر من الستة والخمسين، لكن ليس كل حرف له ستة وخمسون معنى، لا.
جدول حروف المعاني عند ابن هشام في كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
ففي جدول إذن الحروف هكذا والمعاني هكذا، وكل حرف يقول لك [معانيه المختلفة].
فمن الذي وضع هذا الجدول؟ ابن هشام في [كتابه] مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. خدموا القرآن بمنهج علمي، ليس هلضمه له، وليس هطاله، وليس تخلفًا عقليًا، هذا شغل علماء وذهب.
فألّف كتابه مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وكانوا يسمونه سيبويه المصري. هشام بن هشام هذا مدفون هناك عند سور القاهرة القديم عند باب النصر.
تكريم العلماء الذين خدموا القرآن وضرورة كتابة سيرهم بالذهب
حسنًا، هؤلاء الناس أئمة، كان لا بد أن نكتب سيرهم بالذهب على آماق البصر. يقولون: بالإبر على آماق البصر. حسنًا.
أغراض الاستفهام في القرآن بين الحث والتبكيت وليس طلب المعرفة
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]
يبقى يسأل، إذن هذا السؤال ما هدفه؟ هدفه الحث وليس هدفه الاستفهام. فالسؤال يمكن أن يكون هدفه التبكيت، ويمكن أن يكون هدفه الحث، ويمكن أن يكون هدفه الاستفهام.
وهنا من الذي يسأل؟ رب العزة، فلا يحتاج إلى الاستفهام؛ فهو يعلم كل شيء. إذن ما غرضه؟ غرضه الحث.
كيفية تدبر القرآن بالوقوف عند حروف المباني والمعاني وتولد المعاني
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]
فكيف أتدبر القرآن أنا؟ تقف عند حروف المباني وعندك حروف المعاني وتعيش معها وترى مقتضاها.
فماذا سيحدث لك؟ سيحدث لك شيء غريب جدًا: تتولد المعاني في الاتجاه الصحيح.
وماذا أيضًا؟ إلا فهمًا يؤتاه الرجل منا في القرآن، تجد القرآن لا تنتهي عجائبه، وكلما قرأته يأتي لك معانٍ جديدة أنت نفسك وغيرك كذلك. ما هذا الإعجاز!
التدبر يرسخ حقيقة إيمانية بأن القرآن من عند الله لا اختلاف فيه
وما أيضًا يترتب عليه حقيقة إيمانية راسخة في القلوب، وهي أن هذا القرآن من عند الله، لا تستطيع أن تتخلص منها عندما تتدبره.
قال لهم أمرًا بسيطًا: تدبروا فقط.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
لن يستطيعوا أن يجدوا فيه اختلافًا.
الجهل بحروف المعاني يؤدي إلى شبهات كالخلط في معنى لا أقسم
أما الذي يمزح والذي يقول لك:
﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ [البلد: 1]
وهذا البلد الأمين، هذا أقسم ولم يقسم؟ آه، هذا جاهل!
﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75-76]
هو لا يعرف أن «لا أقسم» معناها قسم! هذا الجهل.
إذن بالجهل بحروف المعاني والمباني يؤدي إلى هذه التشوهات والشبهات التي يثيرها الجهلاء. والذي يدخل إلى القرآن طالبًا للهداية لا يجد [إلا] أنه من عند الله.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
