سورة النساء | حـ 722 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 722 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • القتال في الإسلام مقيد بأن يكون في سبيل الله، ومن اختزله في كلمة القتال فقط فقد افترى على الإسلام.
  • القتال في سبيل الله قتال نظيف أقره العقلاء، وجميع دول العالم تقيم جيوشاً للحماية والردع.
  • القتال المشروع هو لصد العدوان وليس لممارسته، كما في قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا".
  • إعداد القوة يهدف لإرهاب الأعداء وردعهم عن القتال، وإذا جنحوا للسلم وجب الجنوح إليه.
  • بعض المسلمين اختزلوا الجهاد في القتال واختزلوا القتال في القتل، وهذا اختزال محظور.
  • قوله تعالى: "عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا" لم يقيد بكف بأسهم عن المسلمين فقط، بل إن الله سيكف بأسهم مطلقاً.
  • دور المسلمين كف العدوان في العالم كله، فالله أشد بأساً وأشد تنكيلاً من الكافرين.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تلاوة آية القتال في سبيل الله من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء: 84]

تقييد القتال في القرآن بأن يكون في سبيل الله لا في سبيل غيره

ودائمًا كل أمر في القرآن بالقتال مُقَيَّد بأنه في سبيل الله. ومن أراد أن يختزل القتال في سبيل الله في كلمة القتال فقط، فقد أخطأ وافتأت على الإسلام، أي كأنما ألقى أخطاءه على الإسلام.

فإن الله سبحانه وتعالى لمّا أمرنا بالقتال شرَّط ذلك بأن يكون في سبيل الله، لا في سبيل الشيطان، ولا سبيل الإنسان، ولا في سبيل المصلحة، ولا في سبيل كذا وكذا من الأغراض.

ولذلك فهو قتال نظيف أقَرَّه الناس أجمعون إلى يوم الدين.

لماذا تمتلك جميع دول العالم جيوشًا إذا كان القتال مذمومًا

تجد كل الدول عندها جيش. فإذا كان القتال ضد الإنسانية وأمرًا سيئًا، فلماذا يقيمون هذه الجيوش كلها؟! ولكن الواقع هكذا، فأنا إذا لم يكن لديَّ جيش فسيُسيطر عليَّ كل أحد.

فلا بد أن يكون لدي جيش؛ فأمريكا لديها جيش، وإنجلترا لديها جيش، والصين لديها جيش، وكل خلق الله لديهم جيوش. حتى الدول التي بعد الحرب العالمية الثانية ما حُرِمَت من الجيوش أيضًا لديها جيش؛ اليابان لديها جيش، وألمانيا لديها جيش، لكن جيش تحت السيطرة والمعلومية، أي لا تزيد عن حد معين، وكل البلاد لديها جيوش.

ضرورة القتال العادل وعدم جواز إلغاء الجيوش لصالح الإنفاق المدني

فلماذا لا ننفق هذه الأشياء كلها في الخير وفي المستشفيات وفي المدارس بدلًا من الجيوش؟ لا، فإن هناك قتالًا، ولكن القتال لا بد أن يكون عادلًا، وذاك العادل هو ما نسميه في [الإسلام] في سبيل الله.

فالقتال اتفق عليه العقلاء، فلا يأتي أحد ليخدعك ويقول لك إن هذا القتال محرم ولا يجوز. كلا، فقد اتفق عليه العقلاء.

ولكن القتال الذي في سبيل الله هل هو لصد العدوان أم لممارسة العدوان؟ إنه لصد العدوان:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

القتال في سبيل الله قتال ردع لا انتقام والإعداد لإرهاب العدو

إذن فهو قتال في سبيل الله ولكنه قتال ردع. أم قتال انتقام وتشهٍّ؟ إنه قتال ردع:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]

فإن ارتعبوا ماذا يحدث؟ لا يحدث قتال. فعندما يخافون يقولون لك: لا تضربوهم لأن هؤلاء أقوياء سيأتون ليضربونا ويهزمونا. انتهى الأمر، فنتفاوض ونتصالح:

﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61]

خطورة اختزال الجهاد في سبيل الله إلى مجرد القتال والقتل

إذن فالاختزال المقيت الذي يُحدِثه الآخر في فهم القرآن، والذي يُحدِثه أيضًا بعض المسلمين المنتسبين إلى القبلة، فاختزلوا الجهاد في سبيل الله إلى القتال، واختزلوا القتال إلى القتل؛ وهذا خطأ.

فإن هذا الاختزال اختزالٌ ممنوع:

﴿فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 84]

فإذا كان قتالك في سبيل الله فلا يهمك شيء:

﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: 84]

فإذا قلت إن هؤلاء لا يريدون أن يخرجوا معي [للقتال] فدعهم وشأنهم، فماذا عساك أن تفعل؟ ليس لك شأن بهم:

﴿وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 84]

ادعُ المؤمنين إلى القتال في سبيل الله لصد العدوان ورد الطغيان.

معنى عسى إذا نُسبت إلى الله تعالى فهي للتحقيق لا للترجي

﴿عَسَى ٱللَّهُ﴾ [النساء: 84]

قالوا: عسى للترجي، لكنها إذا ما نُسِبَت إلى الله فهي للتحقيق:

﴿عَسَى ٱللَّهُ﴾ [النساء: 84]

أي أنها قد تحققت بالفعل ونُفِّذَت، يعني اطمئن تمامًا فإن الأمر قد نَفِذَ وأصبح أمرًا حتميًّا واقعًا.

﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 84]

إذن فقد أصبح أمرًا يقينيًّا بأن بأس الذين كفروا سيُرَدّ. هذا كله يحدث عندما يحدث قتال في سبيل الله.

وماذا عن القتال في سبيل الهوى؟ فلن يحدث أن يكُفَّ الله أيدي الذين كفروا [في حالة القتال للهوى].

إذن وماذا عن القتال في سبيل المصلحة؟ والقتال في سبيل الاستعمار؟ والقتال في سبيل الظلم؟ فلا ينفع:

﴿فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 84]

دلالة إطلاق كف البأس في الآية وعدم تقييدها بالمؤمنين فقط

سيَكفِهم عن ماذا؟ قال:

﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 84]

يَرُدَّ بأسهم عن مَن إذن؟ عن المؤمنين؟ هل قال [تعالى] سيكُفّ بأس الذين كفروا عن المؤمنين؟ لم يقل، لم يقل.

قد كان من الممكن أن يقول [تعالى]: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عن المؤمنين، هذا جيد ومقبول، لكنه لم يقل ذلك.

فلمّا لم يقل هكذا فهو كما لو أنه قد قال؟ لا، فإن قِلَّة القيود تُكثِر من الموجود. فهو لم يقل عن المؤمنين؛ إذن فإن كَفَّ بأس الذين كفروا مطلقة في الكون.

إبطال بأس الكافرين يشمل عدوانهم على المسلمين وعلى غيرهم

أي أنه سيبطل بأس الذين كفروا، ليس فقط في عدوانهم علينا، بل حتى في عدوانهم على الآخرين.

ولماذا؟ لأنهم حينئذٍ، أي حينما نمتثل لذلك [القتال في سبيل الله]، فإنهم سيكونون خائفين من المسلمين، وسيقولون: لماذا تضرب جارك؟ ما دام خائفًا، لماذا تعتدي هنا وهناك؟

وهم الذين يسمونهم الآن في الأدبيات الحديثة شرطة العالم. يقول لك: يا أمريكا تكون شرطة العالم أم ماذا؟ شرطة العالم تعني أنها تتدخل في كل شيء: لماذا تتقاتلون؟ اصمت أيها الولد أنت وهو!

إن هذه وظيفة المسلمين، هذه وظيفة المسلمين:

﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 84]

الله أشد بأسًا وتنكيلًا وتدخله سبحانه عند القتال في سبيله

يكف بأسهم عن مَن؟ لم يقل عن مَن، بل إنه يبطل بأسهم هكذا:

﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء: 84]

إنه سبحانه يتدخل حينئذٍ عندما يرتبط الإنسان بهذا، أي بالقتال في سبيل الله، فإنه تعالى يقوم بالتدخل لكف البأس؛ لأنه هو:

﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء: 84]

سبحانه وتعالى. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.