سورة النساء | حـ 722 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

سورة النساء | حـ 722 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى: "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا" [النساء: ٨٤]، ودائما كل أمر في القرآن بالقتال مُقَيَّد بأنه في سبيل الله، ومن أراد أن يختزل القتال في سبيل الله في كلمة القتال فقط، فقد أخطأ وإفتأت على الإسلام، أى كأنما ألقى أخطائه على
الإسلام، فإن الله سبحانه وتعالى لما أمرنا بالقتال شرَّطَ ذلك بأن يكون في سبيل الله، لا في سبيل الشيطان، ولا سبيل الإنسان، ولا في سبيل المصلحة، ولا في سبيل كذا وكذا من الأغراض، ولذلك فهو قتال نظيف أقَرَّهُ الناس أجمعون إلى يوم الدين؛ تجد كل الدول عندها جيش، فإذا كان القتال ضد الإنسانية وأمر سيء، فلماذا يقيمون هذه الجيوش كلها؟!، قال ولكن الواقع هكذا، فأنا إذا لم يكن لدىَّ جيش فسيُسَيطرُ عليَّ كل أحد، فلا بد أن يكون لدي جيش، فأمريكا لديها
جيش، وإنجلترا لديها جيش، والصين لديها جيش، وكل خلق الله لديهم جيوش، حتى الدول التي بعد الحرب العالمية الثانية ما حُرِمَت من الجيوش أيضا لديها جيش؛ اليابان لديها جيش، وألمانيا لديها جيش، لكن جيش تحت السيطرة والمعلومية، أى لا تزيد عن حد معين، وكل البلاد لديها جيوش، فلماذا لا ننفق هذه الأشياء كلها في الخير وفي المستشفيات وفي المدارس بدلا من الجيوش؟، قال: لا، فإن هناك قتال، ولكن القتال لا بد أن يكون عادلا، وذاك "العادل" هو ما نسميه {فى الآسلام} "في سبيل الله". فالقتال اتفق عليه العقلاء، فلا يأتي أحد ليخدعك ويقول لك إن هذا القتال محرم ولا يجوز، كلا فقد اتفق عليه
العقلاء، ولكن القتال الذي في سبيل الله هل هو لصد العدوان، أم لممارسة العدوان؟، إنه لصد العدوان: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" [البقرة: ١٩٠] إذن فهو قتال في سبيل الله ولكنه قتال ردع، أم قتال انتقام وتشهى؟، إنه قتال ردع، "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ" [الأنفال: ٦٠]. فإن ارتعبوا ماذا يحدث؟ لا يحدث قتال، فعندما يخافون يقولون لك لا تضربوهم لأن هؤلاء أقوياء سيأتون ليضربونا ويهزمونا، انتهى الأمر، نقوم لنتفاوض ونتصالح: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [الأنفال: ٦١]. إذن فالاختزال
المقيت الذي يُحدِثُه الآخر في فهم القرآن، والذي يُحدِثهُ أيضا بعض المسلمين المنتسبين إلى القبلة، فاختزلوا الجهاد في سبيل الله إلى القتال، واختزلوا القتال إلى القتل؛ وهذا خطأ، فإن هذا الاختزال اختزالا ممنوع. "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، فإذا كان قتالك في سبيل الله فلا يهمك شيء: "لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ" [النساء: ٨٤]. فإذا قلت أن هؤلاء لا يريدون أن يخرجوا معي معي {للقتال} فدعهم وشأنهم، فماذا عساك أن تفعل؟، ليس لك شأن بهم. "وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ"، ادع المؤمنين إلى القتال
في سبيل الله لصد العدوان ورد الطغيان. "عَسَى اللَّهُ"، قالوا عسى للترجي، لكنها إذا ما نُسِبَت إلى الله فهي للتحقيق: "عَسَى اللَّهُ" أى أنها قد تحققت بالفعل ونُفِذَت. يعني اطمئن تماما فإن الأمر قد نَفِذَ وأصبح أمراً حتمياً واقعاً. "عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا" [النساء: ٨٤]: إذن فقد أصبح أمراً يقينياً بأن بأس الذين كفروا سَيًرَد. هذا كله هذا كله يحدث عندما يحدث قتال في سبيل الله، وماذا عن القتال في سبيل الهوى؟، فلن يحدث أن يكُّف الله أيدى الذين كفروا {فى حالة القتال للهوى}. إذن وماذا عن القتال في سبيل المصلحة؟ والقتال في
سبيل الاستعمار؟ والقتال في سبيل الظلم؟، فلا ينفع، "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا" [النساء: ٨٤]: سَيَكفِهم عن ماذا؟؛ قال: "عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا": يَرُدَّ بأسهم عن من إذن؟؛ عن المؤمنين؟ هل قال سيكُف بأس الذن كفروا عن المؤمنين؟ لم يقل، لم يقل، قد كان من الممكن أن يقول {تعالى}: "عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا" عن المؤمنين، هذا جيد ومقبول، لكنه لم يقل ذلك، فلما لم يقل هكذا فهو كما لو أنه قد قال؟، لا، فإن قِلَّة القيود تُكثِر من الموجود، فهو
لم يقل "عن المؤمنين"؛ إذن فإن كَفَ بأس الذين كفروا مطلقة فى الكون، أي أنه سيبطل بأس الذين كفروا، ليس فقط في عدوانهم علينا، بل حتى في عدوانهم على الآخرين، ولماذا؟، لأنهم حينئذ أي حينما نمتثلُ لذلك، فإنهم سيكونون خائفين من المسلمين، وسيقولون لماذا تضرب جارك؟، ما دام خائفا، لماذا تعتدي هنا وهناك؟، وهم الذين يسمونهم الآن في الأدبيات الحديثة "شرطة العالم"، يقول لك يا أمريكا تكون شرطة العالم أم ماذا؟، شرطة العالم تعني أنها تتدخل في كل شيء:
لماذا تتقاتلون؟، اصمت أيها الولد أنت وهو! إن هذه وظيفة المسلمين، هذه وظيفة المسلمين: "عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا"، يكف بأسهم عن من؟، لم يقل عن من، بل إنه يبطل بأسهم هكذا. "وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا"‏، إنه {سبحانه} يتدخل حينئذ عندما يرتبط الإنسان بهذا {أى بالقتال فى سبيل الله}، فإنه تعالى يقوم بالتدخل لكف البأس لأنه هو "وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا" سبحانه وتعالى. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.