سورة النساء | حـ 723 | 85 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يقول الله تعالى: "من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها".
- •الشفاعة الحسنة تعني قضاء مصالح المسلمين وحوائجهم دون ظلم أحد.
- •كان الصحابة يلبسون الثياب الفاخرة ليتعرض لهم الناس فيقضوا حوائجهم، وليس للتفاخر.
- •من قواعد الشفاعة: "ما على المحسنين من سبيل"، فإذا سعى المرء في قضاء حاجة ولم تُقضَ فلا لوم عليه.
- •بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته".
- •ثواب السعي في قضاء حوائج الناس يعادل اعتكاف أربعين (يوماً أو سنة) حسب النية والإخلاص.
- •روى ابن عباس أنه قطع اعتكافه لقضاء حاجة أخٍ له طمعاً في هذا الثواب العظيم.
- •استخدم لفظ "نصيب" للشفاعة الحسنة و"كفل" للشفاعة السيئة للتفريق بينهما رغم تقارب المعنى.
- •الله مقيت على كل شيء، يعلم النوايا والإخلاص ويقدر الأعمال وفقها.
مقدمة وتلاوة آية الشفاعة الحسنة والسيئة من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا﴾ [النساء: 85]
أمرنا ربنا وعلّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
«التبسم في وجه أخيك صدقة»
شيء جميل هكذا.
الكلام الحسن للناس مقدّم على العبادات في القرآن الكريم
ويقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]
أي أن الكلام الحسن يأتي قبل الصلاة [في ترتيب الآية]، وقال تعالى:
﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]
ومن يشفع شفاعة حسنة يعني أنني يجب أن أشفع شفاعة حسنة، وهي قضاء مصالح المسلمين.
الصحابة كانوا يلبسون الثياب الفاخرة لقضاء حوائج المسلمين لا للتفاخر
قديمًا كان الصحابة وهم يرتدون الثياب تهيّؤوا للخروج إلى الصلاة، قومٌ يتهيّؤون بنية قضاء مصالح المسلمين، ويلبسون الثوب الفاخر من أجل أن يتعرّض لهم الناس لقضاء مصالحهم، وليس حتى ليتفاخروا به وسط الناس.
لا، هذا [اللباس الفاخر] لكي يجد الناس عندما يرونه هكذا أن له هيبة وأن له مكانة، ربما يعرف سيدنا عثمان أو سيدنا عمر أو الخليفة فيقضي حاجتي. فليلبس الثياب الحسنة الفاخرة من أجل أن يتعرّض له الناس فيقضي مصالحهم، وليس من أجل أن يتضجّر من سؤالهم ويضيق: خنقتموني!
لا، هذا من أجل أن يتعرّض لهم ويتعرّضوا له فيقضي لهم مصالحهم.
قاعدة ما على المحسنين من سبيل في الشفاعة الحسنة
طيب، وما هذا يعني؟ ماذا لمّا أُعطّل روحي وأُحرج نفسي، مرة يقول لي أحدهم لا، أو مرة يقول لي أحدهم نعم، مرة أنجح مرة أفشل؟
قال الله تعالى وضع لنا قواعد لهذا [الأمر]:
القاعدة الأولى:
﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91]
يعني لا دخل لك [بالنتيجة]؛ أنت أوصيت وصيّة حسنة وشفاعة حسنة لقضاء حوائج الناس، قُضيت الحمد لله، ما قُضيت فلا يلومك أحد. لا تذهب فتقول له: إن الله لم يقضِ، فماذا سيفعل لك؟ هو أن ربنا أراد الله ألّا تكون وتُقضى انتهى، كما هي كذلك فليتركها لله.
التأدب بقاعدة ما على المحسنين من سبيل سواء قُضيت الحاجة أم لا
حسنًا، إذن القاعدة دائمًا التي نتذكّرها تأدّبًا، سواء أكنت أنا الذي يقضي المصالح أم سواء أكنت أنا الذي لا يقضي المصلحة، قُضيت أم لم أقضِ:
﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91]
والقاعدة الثانية:
«من صار في حاجة أخيه كان له عدل اعتكاف أربعين»
ربما أربعين يومًا، وربما أربعين أسبوعًا، ربما أربعون شهرًا، وربما أربعون سنة، وربما أربعون قرنًا.
عظم ثواب السعي في حاجة المسلم يعادل اعتكاف أربعين سنة
أي أنني عندما أعتكف يومًا واحدًا يكون لي ثواب كبير، فكم يكون الثواب كبيرًا! فما بالك بأربعين يومًا فهذا شيء آخر، فما بالك بأربعين سنة! والله إن أربعين سنة شيء فوق الوصف.
تخيّل أنك إذا كنت تسعى في مصلحة أخيك لتقضيها له، أن لك عند الله أربعين سنة اعتكاف! ما هذا الفضل العظيم!
قصة ابن عباس الذي ترك اعتكافه لقضاء حاجة أخيه المسلم
ولذلك سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما كان معتكفًا، وبعد ذلك جاءه رجل قال له: إن لديّ حاجة، وهو [ابن عباس] يؤدّي اعتكافه خمسة أو ستة أيام، فجاءه وقد بقي له اليوم يبيت، غدًا يخرج من الاعتكاف.
فقال له [ابن عباس]: تعال قم. فقال له: تعال معنا. فقال [الرجل]: ما هذا؟ أنت ستخرج غدًا! فقال له [ابن عباس]:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [وذكر الحديث في فضل السعي في حاجة المسلم].
هذا [ابن عباس] يعرف كيف يتعامل مع ربنا؛ أنا أمامي هذه الأيام، أنا إن أفسدت هذه الأيام الخمسة أو سينقص أجري اليوم وغدًا، ما دمت قد خرجت من الاعتكاف، فما أجر هذا السعي؟ أربعون سنة اعتكاف! نعم، فيكون أنني آخذ هذا الجزء.
متى تكون الشفاعة حسنة ومتى تكون سيئة وضوابط ذلك
أنت منتبه، إذن هذا يضع لك قاعدة وبه ما يشجّعك أو يدفعك إلى فعل الخير.
ولذلك إذا فعلت هذا وشفعت شفاعة حسنة، ومتى تكون الشفاعة حسنة؟ عندما تكون على وجهها، أي في قضاء حوائج الناس، لا تشتمل على ظلم؛ أي لا تذهب لتتشفّع لأحدٍ ضدّ آخر يكون أحقّ بها منه، وتأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف وتقول هذه شفاعة حسنة! لا، هذه شفاعة سيئة.
فالذي يعمل الشفاعة الحسنة يكون له نصيب منها بالثواب الذي حدّده رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بأربعين.
سبب إبهام مدة الأربعين في ثواب الشفاعة واختلافها بحسب النية والإخلاص
فلماذا فتحها هكذا أربعين؟ ما كان أراحنا وقال لنا أربعون كذا! قيل لك لأنها أصلها في الحقيقة تختلف من شخص لآخر؛ ففي شخص تُحسب له أربعون سنة، وآخر أربعون يومًا، وثالث ربما أربعون ساعة.
لماذا كذلك؟ قيل: حسب النية، حسب الإخلاص، حسب الحالة التي هو فيها، حسب فهمه للشريعة، حسب تعامله مع الله، حسب مدى الحاجة هذه، والله فيها حسب كمية همّه وإخلاصه لها أن تُقضى.
ما واحد يمكن أن يتشفّع هكذا وماضٍ لا يبالي، وواحد آخر عظيم الهمّ [في قضاء حاجة أخيه].
الفرق بين النصيب والكفل في الشفاعة السيئة ومعنى اسم الله المقيت
طيب، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها. ما لم يقل نصيب، لماذا؟ ما هو النصيب هو الكفل، والكفل هو النصيب! قال: لكي لا يتساوى مع الشفاعة الحسنة؛ يكون هذا صنف وهذا صنف آخر، بالرغم من أن الكلمة في اللغة هي نفسها.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا﴾ [النساء: 85]
فإذا كان ربنا سبحانه وتعالى مطّلعًا على كل شيء ويعلم كل شيء، فما هو كل شيء؟ هو الإخلاص، نية الشخص، العمل الذي أدّاه: هل هو حسن أم سيء؟ ماذا يقصد به؟
الله المقيت يعلم النوايا ويحاسب على القصد لا على الظاهر فقط
أحيانًا تأتي لتفعل الشرّ فيقلبه الله خيرًا، ولكن سيُحسب لك شرًّا لأن نيّتك كانت الشرّ. هو [الله] يجعله خيرًا لمن؟ للذي حفرت له حفرة فوقعت أنت فيها.
كل هذا من الذي يعرفه؟ المقيت سبحانه وتعالى، الذي يعرف كل شيء.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
