سورة النساء | حـ 726 | 91 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 726 | 91 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يذكر القرآن في سورة النساء أسساً للعلاقات الدولية والقانون الدولي الذي وضع محمد بن الحسن الشيباني أحكامه في كتابه "السير الكبير".
  • رغم مساهمات المسلمين في العلوم، تم إغفال جهودهم تاريخياً وإنكارها كما أنكر البعض الله سبحانه.
  • الآية القرآنية تتحدث عن فئة تعيش في دول غير إسلامية، يريدون أمن المسلمين وأمن قومهم في آن واحد.
  • هذه الفئة ليست على صنف واحد، فمنهم من يتردد عندما يُدعى لمحاربة المسلمين.
  • تنقسم هذه الفئة إلى قسمين: قسم يفضل محاربة المسلمين وينحاز لوطنه، وقسم يعتزل الصراع ولا يقاتل المسلمين.
  • من ينضم إلى جيش العدو ويقاتل المسلمين يجوز قتله حتى لو كان مسلماً.
  • كان بإمكان المسلم أن يعتذر عن المشاركة في جيش يحارب المسلمين، أو على الأقل أن يكف يده عن قتالهم.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة حول تنظيم القرآن للعلاقات الدولية في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُنظِّم شيئًا من العلاقات الدولية في الاجتماع البشري، وأساسًا من أسس القانون الدولي الذي لابد أن يتحكم في القوانين الداخلية؛ حتى تتسق الجماعة البشرية كلها في نسقٍ واحد.

محمد بن الحسن الشيباني أول من وضع أسس القانون الدولي

ومعلوم أن أول من وضع القانون الدولي هو محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الماتع الكبير [السِّيَر الكبير]، ذكر فيه أحكامًا كانت فيما بعد أساسًا لهذا القانون.

إلا أنه قد أُغفِل ذِكره على عادة الناس في إغفال جهود المسلمين عبر القرون في سائر العلوم. والمسلمون صابرون على ما أصابهم الله من إنكارٍ من الناس؛ فقد أنكروا الله سبحانه وتعالى وما قدروا الله حق قدره، فمن المعقول أن يُنكروا أيضًا المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، سيُغنينا الله من فضله ورسوله.

وصف حال المسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية ويريدون الأمان للطرفين

يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يضع لنا أسس تلك العلاقات:

﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: 91]

جماعة من الناس تعيش في دولٍ أخرى غير الدول الإسلامية، يريدون ألا يعتدوا علينا، ويريدون ألا يرفعوا ضدنا السلاح، ويريدون أن يأمنوكم. وفي الوقت نفسه لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يخرجوا على أوطانهم ولا أن يثوروا على أقوامهم.

فإن البلاد — هذه البلاد التي يعيشون فيها — أصلًا ليست بلادًا مسلمة، ولا تريد ولا تعرف عن الإسلام شيئًا. وهو [أي ذلك المسلم] وُلِد هناك فوجد نفسه وسط قومه، إلا أنه آمن بالله ورسوله ودخل الإسلام، أو كان أبوه مسلمًا فانتسب إلى الإسلام. ولما قرأ فيه وآمن به واقتنع بمبادئه وأحكامه، فإنه يريد أن يُؤمِّننا، ولكن أيضًا يريد أن يأمن قومه.

أصناف هؤلاء المسلمين وموقف القرآن من موالاتهم لأقوامهم

هذا الحال يجب علينا أن نتأمل فيه؛ أنه يريد أن يأمننا وأن يأمن قومه. هؤلاء أصناف، فيمكن أن نقول إنهم ليسوا على قلب رجلٍ واحد وليسوا على صنفٍ واحد، بل منهم هؤلاء ومنهم هؤلاء.

﴿كُلَّ مَا رُدُّوٓا إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: 91]

أي أنهم — هذه الفئة — لأنه [تعالى] كان يتحدث في الآية السابقة:

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ﴾ [النساء: 90]

أي في فئةٍ بيننا وبينهم ميثاق.

﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: 90]

لا يريدون لا أن يخرجوا من القومية والوطنية، ولا يريدون أيضًا أن يخرجوا من أمة الإسلام وأن يَكُرُّوا على المسلمين بالقتل.

الطائفة الثالثة وموقف القرآن من عدم إنكار موالاة أقوامهم

هناك طائفة ثالثة هذه التي نتحدث عنها. ونلاحظ هنا أن الله لم يَعِبْ عليهم أنهم يريدون أن يوائموا قومهم ولا أن يكونوا معهم، لم يَنْهَهُم عن ذلك.

﴿كُلَّ مَا رُدُّوٓا إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: 91]

يعني كلما عُرِض عليهم أمرٌ من الفتنة وإحداث الحرب ضد المسلمين، ترددوا وذهبوا وجاءوا وقالوا وعادوا وانقسموا قسمين:

  1. قسمٌ فضَّل أن يُقاتل المسلمين، وفضَّل وطنيته على انتمائه لأمة المسلمين.
  2. وقسمٌ فضَّل أن يعتزل وأن ينسحب، وأن الانسحاب أحد الحلول الناجعة في هذا الموقف.

حكم من لم يعتزل القتال ولم يُلقِ السلام وانضم لجيش العدو

فهو لا يريد أن يكون ضد وطنه وله هذا [الحق]، ولا يريد أن يكون ضد المسلمين وله هذا [الحق].

﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ [النساء: 91]

فسيبقى في طائفةٍ ستعتزل وطائفةٍ لا تعتزل. فلنبقَ في طائفة من لم يعتزل؛ فهو لم يعتزل.

﴿وَيُلْقُوٓا إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾ [النساء: 91]

ما اعتزل ولم يُقدِّم السلام على الحرب، بل انضم لجيش العدو المتوجه إلى بلاد المسلمين لقتالهم.

﴿وَيَكُفُّوٓا أَيْدِيَهُمْ﴾ [النساء: 91]

هذه درجات إذن؛ ويكفوا أيديهم.

﴿فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَـٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 91]

حكم المسلم الذي يأتي مع جيش العدو ولا يكف يده عن القتال

يبدو أنه ليس فيها صعوبة؛ إذا جاء [أحدهم] يعتدي عليَّ فسأقتله ولو كان مسلمًا، لأنه وإن جاء مع جيش وطنه، وإن لم أُنكر عليه وطنيته، إلا أنه كان يمكن أن يعتزل وأن يعتذر عن الحضور في هذا الجيش.

فإذا أُتِيَ به رغمًا عنه، فإنه يجب عليه أن يكفَّ يده. فإذا لم يكفَّ يده ولم يُلقِ السلام، فإنه حينئذٍ حلال القتل؛ لأن الأمر هنا أمر حياةٍ أو موت، أمر نصرٍ أو هزيمة، أمر عدوانٍ أو رفعٍ للعدوان، وليس فيه فِصال.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.