سورة النساء | حـ 729 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 729 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح الله في سورة النساء حكم قتل المؤمن خطأً: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
  • رغم أن القتل الخطأ يقع دون قصد أو إرادة، فرض الله كفارة تعظيماً لشأن المقتول وبيان فظاعة القتل.
  • تختلف كفارة القتل الخطأ عن باقي الكفارات، فهي ليست للردع عن الفعل بل لاستشعار فظاعة القتل.
  • تحرير الرقبة المؤمنة عبادة متعدية النفع، إذ تفيد العبد بتحريره من الرق.
  • تشوف الشرع للعتق جعله يخالف قواعده الأصلية من أجله.
  • الحرية فطرة بشرية يتطلع إليها كل إنسان، ولذلك جعلها الله جزءاً من كفارة القتل الخطأ.
  • صيغة "فتحرير رقبة" تدل على الأمر، أي حرروا رقبة.
  • اشترط أن تكون الرقبة مؤمنة لتوسيع قضية العتق بين المسلمين.
  • الدية كانت مائة من الإبل مقسمة إلى خمسة أصناف (مخمسة).
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية القتل الخطأ من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]

تعظيم الله لجُرم القتل حتى لو وقع خطأً بلا قصد ولا إرادة

إذا على الرغم من أن القتل وقع خطأً، والخطأ معناه انعدام القصد والإرادة، والخطأ معناه أنه قضاء وقدر محض، حادث جاء، إلا أن الله سبحانه وتعالى تعظيمًا لشأن المقتول وتعظيمًا لجُرم القتل في ذاته وفظاعته في نفسه، جعل بإزاء ذلك الحادث وهذا القضاء والقدر الذي لا حيلة لي فيه وهو على سبيل الخطأ، بل ولا يترتب عليه إثم؛ لأنه وقع وجرى على يدي ولم أقصده قصدًا ولم أفعله من عند نفسي، جَعْلُ كفارة عليه هي كفارة قتل الخطأ.

الفرق بين كفارة القتل الخطأ وبقية الكفارات في مقصدها

شيء ليس متسقًا مع بقية الأمور ولا مع حكم الكفارات؛ عندما أعصي وأفطر في رمضان تكون هناك كفارة، وعندما أرتكب إثمًا في يمين [أو] ظهار إذن هناك كفَّارة.

الكفارة ما مقصدها؟ عندما أحنث في يمين من الأيمان ففي كفَّارات، إذن ما هو مقصد الكفارة؟ مقصدها أن تكون رادعة عن الفعل.

كفارة القتل الخطأ ليست للردع بل لاستشعار فظاعة القتل

حسنًا، أنا أقول لك هذا: أصلًا ليس لدي نية ولا قصد ولا إرادة، وإنما جرى على يدي هكذا اتفاقًا، فماذا ستفعل الكفارة إذن؟

إذن ليس لأجل أن تردعني من الفعل؛ لأنني أصلًا لم أقصد هذا الفعل لكي تردعني أو لا تردعني، بل هو حادث وقع عليها [أي على يدي]، هو مجرد حادث، فماذا أفعل؟

قال: نعم، هذا لكي تستشعر [فظاعة القتل]، وليس لكي تمتنع عن الفعل؛ لأن الفعل حدث رغمًا عنك، هذا لكي تستشعر فظاعة القتل.

تحرير الرقبة عبادة متعدية نفعها يصل إلى إنسان مقيد الحرية

ستكون إنها أمر قاسٍ جدًا بالنسبة لك هكذا: ومن قتل مؤمنًا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة، يكون تحرير الرقبة أول شيء نقوم به.

تحرير الرقبة هذا فعل متعدٍ أم لازم؟ قال: لا، إنه فعل متعدٍ؛ لأن النفع فيه سيصل إلى إنسان قُيِّدت حريته من غير وجه حق، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.

تشوف الشرع إلى العتق ومخالفته القواعد من أجل تحقيقه

نظامٌ [الرق] موجودٌ وأرادَ الإسلامُ أن يُنهيَهُ، وتَشَوَّفَ الشرعُ إلى العِتق جدًا حتى خالفَ كلَّ القواعدِ من أجلِ العِتق.

وعندما يُخالفُ القواعدَ يقولُ الفقهاءُ ماذا؟ وذلك لتَشَوُّفِ الشرعِ للعِتق، الله! أنتَ هُنا كانَ يجبُ أن تسيرَ يمينًا، لكنَّكَ سِرتَ شمالًا، لماذا؟ قالَ: لأجلِ أنْ نُعتِقَهُ. أنتَ هُنا يجبُ أن تسيرَ شمالًا، قال: من أجل أن نعتقه، نحن نريد العتق فقط.

العتق أفضل من الصيام لأنه عبادة متعدية النفع إلى الغير

فيكون العتق هو أساس المسألة؛ لأن الشرع ينظر إلى العتق، فإذا كنت سأصوم أو أعتق رقبة، فإن عتق الرقبة أفضل من الصوم الذي سيتعبني ويؤثر على نفسيتي وما إلى ذلك.

نعم، قال له: نعم، لماذا؟ لأن الصيام عبادة قاصرة، أي قاصرة، ماذا يعني [قاصرة]؟ مقصور فائدتها عليّ أنا. وأنت ماذا استفدت حين صمتُ ولم أفعل شيئًا؟

أما العتق فهو عبادة وفائدة متعدية، أي أن غيري استفاد منها. مَن هو غيري؟ إنه العبد الذي تحرر وخرج من العبودية إلى الحرية.

الحرية فطرة في الإنسان والسجن يكشف قيمتها العظيمة

وهل كانت الحرية شيئًا جميلًا؟ نعم بالطبع، فهي مثل ما هو مثل السجن؟ اسأل أي سجين: أتحب أن تخرج؟ سيقول لك: نعم، بالطبع.

حسنًا، لماذا؟ ألست نائمًا، تأكل، تشرب، مستمتعًا، يعالجوك وتقرأ في المكتبة، وتتنزه في الساحة، وتفعل ما تريد؟ تلعب، لا فائدة! الحرية هي أجمل شيء.

شخص عليه شيك [بلا رصيد] سيُسجن، نقول: يا الله، حسنًا، وبعد ذلك؟ لا يبيع ما أمامه وما خلفه لكي يسدد الشيك الذي بلا رصيد حتى لا يُسجن؟ سبحان الله! يعني السجن الذي ستمكث فيه ستة أو سبعة أشهر وتصبر وتخرج كما أنت، لم يُسجل عليك ولا يوم واحد، ما هذا؟ إنها شيء فطري في الإنسان أنه متطلع للحرية.

دلالة الفاء على المصدر في صيغة الأمر بتحرير الرقبة المؤمنة

ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى في دية القتل الخطأ تحرير رقبة.

فتحرير رقبة - قال لك: الفاء إذا دخلت على المصدر يصبح هذا نوعًا من أنواع صيغ الأمر. ماذا يعني فتحرير رقبة؟ يعني حرِّر رقبة، تحرير هذا مصدر، وحرِّر هذا فعل أمر.

قيمة الفاء عندما تدخل على المصدر تكون في قوة فعل الأمر، فتحرير رقبة يعني حرروا رقبة، فضرب الرقاب يعني اضربوا الرقاب، وهكذا.

اشتراط كون الرقبة المحررة مؤمنة وتوسيع قضية العتق في الإسلام

فتحرير رقبة مؤمنة، وهذا يسمونه المقيد؛ رقبة ليست أي رقبة، فهناك عبد مسلم وعبد غير مسلم كافر.

من أين نختار إذن؟ قال: لا، اختاروا من المسلمين، هنا تختار من المسلمين. حسنًا، إذن فتحرير رقبة، لكن يجب أن تكون هذه [الرقبة] مؤمنة، إذن هذا [التقييد] يريد توسيع قضية العتق.

الدية في القتل الخطأ مائة جمل مخمسة على أسنان مختلفة

وإن كان من قوم بينكم فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله.

الدية هذه كانت مائة جمل، وكانت دية القتل مُخمّسة. ماذا تعني مُخمّسة؟ تعني عشرين من سن معين، وعشرين الثانية من سن آخر، وعشرين الثالثة من سن ثالث، وهكذا.

طيب، ولماذا هذا؟ لكي تكون مُتَرِّيثًا قليلًا، مائة جمل.

التمهيد للحلقة القادمة حول تفاصيل الدية عند فقهاء المسلمين

وماذا لو لم نجد المائة جمل أو أننا لا نعرف أين نأخذهم أو ما هي القصة؟ وهذا ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة عندما نتكلم بالتفصيل عن الدية عند فقهاء المسلمين.

فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.