سورة النساء | حـ 731 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 731 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

7 دقائق
  • يقرر الله سبحانه في سورة النساء على من قتل خطأً كفارة هي تحرير رقبة مؤمنة، مع دفع دية لأهل المقتول.
  • يمكن لأهل القتيل التنازل عن الدية بقوله تعالى "إلا أن يصدقوا"، وهذا يُعدّ صدقة منهم تجوز للغني بخلاف الزكاة.
  • يظهر في هذا التشريع شعور الأخوة والتعاطف، حيث يقف أهل القتيل مع القاتل الذي يعاني نفسياً من الحادث.
  • يبين القرآن أحكام القتل الخطأ في حالات مختلفة: إن كان المقتول مؤمناً من قوم أعداء، أو من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق.
  • إذا لم يجد القاتل رقبة ليحررها، ينتقل إلى الصيام شهرين متتابعين.
  • الفقدان نوعان: حسي وشرعي، فالحسي كعدم وجود رقبة في زماننا، والشرعي كوجود رقبة لكن بدون القدرة على تحريرها لعدم امتلاك المال.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

كفارة القتل الخطأ في سورة النساء من تحرير رقبة ودية مسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يقرر على من قتل خطأً أن تكون عليه كفارة، وأن تكون الكفارة ابتداءً أن تكون تحرير رقبة؛

قال [الله تعالى]: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]

إلا أنه أيضًا لا بد عليه من غرامة مالية يدفعها لأهل المقتول؛ حتى يواسي حالهم وحتى يقوم بشأنهم، ويقول:

﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِٓ﴾ [النساء: 92]

حكم تصدق أهل القتيل بالدية وتنازلهم عنها للقاتل خطأً

والناس تختلف في احتياجها إلى المال؛ فمنهم الغني ومنهم الفقير، منهم المحتاج ومنهم المستغني، فقال [الله تعالى]:

﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]

يعني ذهبت بالدية لأهل القتيل فقالوا له: لا، نحن نعلم أن ابننا يمر من مكان غير مناسب، وهو أيضًا يفعل ذلك رحمه الله، ونعلم أنك لا تقصد ذلك، ونحن الله أغنانا ونتركها هكذا. نعم، صدقة لوجه الله.

قلت لهم: هذا أنتم أخرجتموني من ورطة كبيرة! هذا أنا استدنت من تراب الأرض وابن عمي وابن خالتي وابن لا أعرف ماذا، والعائلة التي [هي] العصبة، ولكن ابن خالتي هذا إلا إذا كان أبوه عمي. فهؤلاء الناس قد استدانوا كل هذه الأموال.

الصدقة تطفئ الخطيئة وجواز الصدقة للغني بخلاف الزكاة

فكثرة خيره [تنازل أهل القتيل عن الدية] هذا يُحسب عند ربنا صدقة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.

يقول لك: هل هؤلاء ناس يستحقون الصدقة؟ قالوا: نعم، والصدقة تجوز للغني بخلاف الزكاة؛ فإنها لا تكون إلا للفقير. أما الصدقة فتجوز للغني، واستدلوا بهذه الآية:

﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]

ومن الممكن جدًا أن يكون القاتل خطأً غنيًا، ولكن تُعَدُّ صدقة عليه أن قد تنازلنا عن دية قتيلنا.

﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]

شعور الأخوة والتسامح بين المسلمين عند القتل الخطأ ونبذ الانتقام

وانظر إلى هذا الشعور؛ شعور أنه معترف بأنك أنت قتلت خطأً، شعور أنه يريد أن يقف معك، شعور الأخوة لم تتغير بالحادث. الله يكون في عونك، هذا أنت عليك كذلك تحرير رقبة أو سيكون صيام شهرين كما سنرى الآن، يعني واقف معك.

يعني ليس أنا أريد أن أذبحه، أنا أريد له هكذا؟ شعور الانتقام غير موجود، وإنما شعور فعل الخير هو الموجود؛ لأن هذا حادث عليّ وعليك ومصيبة عليّ قد تساوي مصيبته عليك أو قد تزيد.

هذا في أناس لا ينامون الليل بعد أن يفعلوا هذا الحادث، هذا في أناس يتعبون نفسيًا أنهم كانوا سببًا في هلاك إنسان. فهذه مصيبة عليّ وعليك، وهذا يُحدث الرقة في القلوب بين الناس ويُعظّم شأن القتل عندهم. أما محاولة الانتقام ومحاولة كذا، طيب وبعد ذلك ليس هكذا يكون المسلم.

﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]

حكم قتل المؤمن الذي يعيش في وسط قوم أعداء أو معاهدين

فإن كان [المقتول خطأً] من قوم عدو لكم وهو مؤمن، أيضًا هنا لا يزال [الله تعالى] يقرر أن المؤمن يمكن أن يعيش في وسط وطن آخر؛ لأن هذا دين منفتح، دين دعوة. فسيحدث أنه في قوم أعداء لنا وفي وسطهم مؤمن:

﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]

﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]

فهؤلاء سيبقون أعداءنا وهؤلاء سيبقون في معاهدات معنا؛ فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة للتطهير.

أصناف العلاقات الدولية في الإسلام بين مسلمين ومعاهدين وأعداء

وعندما تتأمل تجد أن العلاقات الدولية كلها تشمل:

  • أناسًا أصدقاءنا [مسلمين مثلنا]،
  • وأناسًا مسلمين مثلنا،
  • وأناسًا غير مسلمين وأصدقاءنا [أهل المعاهدات]،
  • وأناسًا غير مسلمين وبيننا وبينهم ميثاق،
  • [وأناسًا] ليسوا مسلمين ويريدون أن تنشق الأرض وتبتلعنا ويريدون أن يقتلونا.

لا، وهكذا سبحان الله الخلق كذلك [أصناف متعددة في العلاقات].

حكم من لم يجد الرقبة ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين

فمن لم يجد [رقبة]؟ فمن لم يجد ماذا؟ هو قالها هنا:

﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ [النساء: 92]

يبقى يرجع إلى ماذا؟ لأقرب مذكور [وهو تحرير الرقبة]:

﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92]

يبقى الذي لا يجد الرقبة يصوم شهرين متتابعين.

الفقدان الحسي والشرعي في باب المياه والتيمم وتطبيقه على الرقبة

الفقدان على نوعين: فقدان حسي وفقدان شرعي. يقولون هذا الكلام أين؟ في باب المياه هناك وأنت تتيمم، يقول لك: الفقدان على نوعين؛ فقدان حسي وفقدان شرعي.

فقد حسي يعني ماذا؟ يعني أنك لست واجدًا للمياه أصلًا. فقد شرعي: المياه أمامك لكن لست قادرًا على استعمالها؛ لأن شيئًا في الجلد قال لك الطبيب: احذر أن تستعمل الماء، لأن هذا الماء ليس لك وإنما هو موقوف للشرب؛ سواء أكان شرب الإنسان أم شرب الحيوان المحترم، لا يجوز أن تتيمم وهو أمامك، أو أنت غير قادر على الوصول إليه.

قصة طريفة عن الفقد الحسي والشرعي ومثال كوبري إمبابة

قال له: وما رجل به ظمأ وماء البحر أمامه ولكن ليس يرويه؟ أجب، تُدعى بعلامة. المياه أمامك وأنت لا تعرف أن تشرب!

فأجاب الرجل الظريف، قال له: ما كان يسير؟ الإجابة أنه كان يسير على كوبري إمبابة! يعني أنت في الأعلى ترى المياه تحت لكن لا تستطيع الوصول إليها.

وما رجل به ظمأ وماء البحر أمامه؟ أجب، ولكن لا يرويه. أجب، تُدعى بعلامة. قال: الإجابة السير على كوبري إمبابة!

تطبيق الفقد الحسي والشرعي على تحرير الرقبة في زماننا

طيب، فهذا هنا فقد حسي وفقد شرعي.

الرقبة لا أجدها: هذا هو فقد حسي، مثل أيامنا هذه لا توجد رقبة، انتهت الرقبة، الحمد لله رب العالمين، واتفقنا جميعنا على ذلك، والعالم لم يعد فيه رقيق ولا عبيد. هذا هو فقد حسي.

الفقد الشرعي: [الرقبة] موجودة ولكن ليس معي المال الخاص بها.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.