سورة النساء | حـ 738 | 95 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 738 | 95 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تبيّن الآية الكريمة "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم" أن المؤمنين يتفاوتون في منازلهم ودرجاتهم عند الله.
  • فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وهذه الدرجة عظيمة كما بين السماء والأرض.
  • أصحاب الأعذار كالمرضى والعميان والمعاقين لهم أجر المجاهدين إذا صدقت نياتهم، كما قال النبي ﷺ: "إن بالمدينة أقواماً ما صعدتم مرتفعاً ولا نزلتم وادياً إلا كانوا معكم".
  • الجهاد نوعان: جهاد أكبر وهو جهاد النفس، وجهاد أصغر وهو القتال، والقتال في سبيل الله يشتمل على الجهادين معاً.
  • عثمان بن عفان رضي الله عنه مثال للمجاهد بماله حين مول جيش العسرة، فقال النبي ﷺ: "ما ضر ابن عفان ما فعل بعد اليوم".
  • الجهاد قمة الأعمال، والمجاهدون في سبيل الله لهم أجر عظيم ومنزلة خاصة عند الله تعالى.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

تلاوة آية تفضيل المجاهدين على القاعدين من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95]

تقرير مبدأ التفاضل بين المؤمنين في الدرجات عند الله تعالى

في هذه الآية [آية تفضيل المجاهدين من سورة النساء] تقرر في عقل المسلم المؤمن التالي لكتاب الله أننا لسنا سواء، وأن الرسل كانوا عند ربهم درجات، وأن المؤمنين كذلك يكونون درجات، وأن الصالحين كذلك يكونون درجات.

وأن العلماء كذلك يكونون درجات، وأن المنفقين في سبيل الله كذلك يكونون درجات، وأن المجاهدين في سبيل الله كذلك [يكونون درجات].

منزلة المجاهد في سبيل الله مقارنة بمنزلة القاعد عن الجهاد

وهناك بمحض الإيمان قبول؛ فالله سبحانه وتعالى يقبل المؤمنين، إلا أن المؤمن الذي ارتضى لنفسه أن يجاهد في سبيل الله له عند الله منزلة خاصة.

والمؤمن الذي ارتضى أن يقعد من غير جهاد فإن له عند الله سبحانه وتعالى منزلة أخرى، لكنها أدنى من المنزلة التي للمجاهدين.

الجهاد في سبيل الله قمة الأعمال وحديث الجهاد الأصغر والأكبر

إذ إن الجهاد في سبيل الله هو قمة الأعمال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«أحب الأعمال إلى الله الجهاد في سبيل الله»

والنبي صلى الله عليه وسلم مرة رجع من غزوة فقال:

«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، ألا وهو جهاد النفس»

لكن للعلماء في تفسير هذا الحديث كلام، وهو أن الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس يظهر في القتال في سبيل الله.

العلاقة بين جهاد النفس وجهاد القتال في سبيل الله وأيهما أكبر

فالذي قاوم نفسه ودفعها دفعًا لكي يجاهد في سبيل الله حتى ذهب إلى أرض المعركة ليقاتل في سبيل الله، فهو مجاهد لنفسه. لكن جهاد النفس في غير القتال أكبر من جهاد القتال في ذاته؛ لأن جهاد النفس يأخذ من الإنسان سنين، وجهاد القتال يأخذ من الإنسان أيامًا أو شهورًا.

ولذلك فإن الأصل هو جهاد النفس، إنما جهاد النفس الذي يؤدي إلى الجهاد في سبيل الله بالقتال في سبيل الله، جهاد النفس التي تهون معه النفس فيبذلها الإنسان رخيصة سهلة في سبيل الله.

جهاد النفس تشتمل عليه [كل العبادات]، والقتال في سبيل الله يشتمل على الجهادين معًا: على جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر، وعلى الجهاد الأصغر وهو محض القتال.

معنى استثناء أولي الضرر من عدم المساواة بالمجاهدين في سبيل الله

﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى ٱلضَّرَرِ﴾ [النساء: 95]

أما أصحاب الضرر كالأعمى الكفيف الذي فقد عينيه، كالمعاق، فإن أجره يكون طبقًا لأجر من قام من الأمة بهذا الفرض [فرض الجهاد].

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يذهب إلى تبوك يقول:

«إن بالمدينة أقوامًا ما علوتم مرتفعًا ولا هبطتم واديًا إلا كان لهم من الأجر مثل ما لكم»

يعني هم يجلسون في المدينة، لماذا؟ لأنهم يجلسون في المدينة لضرر أصابهم؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يذهبوا مع المجاهدين، لا بخاطرهم ونيتهم وإرادتهم، بل لأنهم قد أقامهم الله في ضرب آخر من البلاء.

إذن النبي لعثمان بن عفان بالتخلف عن الغزوات لأداء واجب آخر

وهذا البلاء إنما هو لإدارة الشؤون؛ فإن المدينة تحتاج إلى من يقوم فيها من أجل إدارة شؤونها. ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أذن لعثمان بن عفان أن يُمرِّض زوجته رقية ثم زوجته أم كلثوم، وأذن له في ذلك حتى أنه تخلف عن الغزوات الكبرى، وذلك لأنه كان يقوم بواجب آخر.

فهنا غير أولي الضرر معناها أن الضرورة، سواء الإعاقة أو سواء القيام بواجبات الضرورة، هي التي أعاقتهم، وليست الكسل والعجز والجبن والبخل هو الذي أعاقهم. بل إنهم يريدون أن يذهبوا في سبيل الله، لكنهم هذه المرة حيل بينهم وبين ما يشتهون، إما حسًّا وإما شرعًا.

تمويل عثمان بن عفان لجيش العسرة وشهادة النبي له بالمغفرة

هؤلاء لا يستوون مع المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فهناك إذن جهاد في سبيل الله، هناك جهاد بالأموال، مثلما مَوَّل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه جيش العسرة، مَوَّله كله.

حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا الكرم الشديد من عثمان، وبعد هذا الإيمان الراسخ منه رضي الله تعالى عنه:

«ما ضرَّ ابنَ عفان ما فعل بعد اليوم»

هذه كلمة لو سمعها أحد لاستكان لها، ولرأى أنه من المستحسن أن لا، يعني لا بأس أن يرتكب ذنبًا أو يرتكب ذنبين.

شدة حياء عثمان بن عفان من الله واستحياء الملائكة منه

ولكن عثمان كان أشد حياءً بعد ذلك من الله سبحانه وتعالى، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى الملائكة وكُشف له الغيب يقول:

«ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»

إن عثمان بن عفان كانت تستحي منه الملائكة من شدة حيائه من الله سبحانه وتعالى. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحي كذلك ممن تستحي منه الملائكة.

وكان عثمان بن عفان أشد ورعًا بعدما سمع هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يضع نفسه في موضع يُغضب الله سبحانه وتعالى. وعاش عثمان بن عفان ومات وهو يقرأ المصحف الشريف شهيدًا إن شاء الله رب العالمين.

عثمان بن عفان مثال للمجاهدين بأموالهم ومعنى الدرجة بين السماء والأرض

وكان عثمان بن عفان مثالًا لهذه الحالة، أنهم جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.

﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95]

والدرجة هي ما بين السماء والأرض، درجة ليست درجة سُلَّم، ولكنها درجة عظيمة جدًّا ما بين السماء والأرض.

﴿وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [النساء: 95]

لأنه مؤمن.

﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ﴾ [النساء: 95]

بعد هذه الحسنى أجرًا عظيمًا يتفاوت في الجنة.

دعاء ختامي بالإلحاق بالنبيين والشهداء والصالحين

فاللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين، واغفر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا، وألحقنا بالنبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة وبيان عظم الدرجة عند الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يفضل المجاهدين على القاعدين درجة. والدرجة قد تكون ما بين السماء والأرض.

والدرجة لو عرفنا حقيقتها لما ترك أحد منا الجماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«وصلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذِّ»

يعني صلاة الرجل وحده أو المرأة وحدها.