سورة النساء | حـ 744 | 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 744 | 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • أوضح الله في سورة النساء مسؤولية الإنسان عن أفعاله، فمن أُعطي القدرة يُسأل عن تقصيره ومعصيته.
  • الهجرة مشروعة لمن ضُيق عليه في وطنه ولم يأمن على نفسه وماله وعرضه.
  • هاجر الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى ونوح طلباً للأمان أو حفاظاً على الإيمان.
  • انتهت الهجرة المخصوصة التي ميزت المهاجرين والأنصار بفتح مكة، إذ قال النبي: "لا هجرة بعد الفتح وإنما جهاد ونية".
  • وسّع النبي مفهوم الهجرة بقوله: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
  • يمكن أن تكون الهجرة بمسافة شبر حقيقي للابتعاد عن الأذية والضرر والمعصية.
  • تتنوع الهجرة فقد تكون للأمن أو الإيمان أو العلم أو الرزق أو بر الوالدين أو الجهاد.
  • الله لا يقبل التعذر بالاستضعاف مع وجود القدرة على الهجرة في أرضه الواسعة.
  • فهم القرآن يحتاج إلى تدبر وتداعي الأفكار والالتزام بدلالات لغة العرب.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مسؤولية الإنسان عن أفعاله وارتباط السلطة بالمسؤولية في القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يبين لنا الله سبحانه وتعالى مسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأن الله سبحانه وتعالى قد جعل السلطة والمسؤولية وجهين لعملة واحدة؛ فما دام قد أعطاك القدرة على الفعل، فإنك ستُسأل إذا ما قصّرت، وإذا ما تركت، وإذا ما عصيت، بناءً على هذه القدرة.

آية توفي الملائكة للظالمين أنفسهم ومحاسبتهم على ترك الهجرة

فيقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97]

والنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ليضرب لنا مثالًا إلى يوم الدين لهجرة الأمان؛ أن من ضُيِّق عليه في وطنه أمنًا فلم يأمن على نفسه أو ماله أو عرضه، فله أن ينتقل إلى بلاد أخرى يكون فيها الأمن والأمان.

هجرة الأنبياء كنموذج لهجرة الإيمان عبر التاريخ

ضرب [الله] لنا مثالًا بهجرة الإيمان التي فعلها جميع الأنبياء، فهاجروا بالمؤمنين من أماكنهم. فرأينا إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم تسليمًا كثيرًا وهو يقول:

﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]

فهاجر، فآمن له لوط وقال:

﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ﴾ [العنكبوت: 26]

هاجر إبراهيم وترك قومه هجرة إيمان، وقد تكون أيضًا هجرة أمان؛ لأنهم ألقوه في النار. وهاجر موسى ببني إسرائيل، وهاجر عيسى إلى مصر صغيرًا، وهاجر نوح بسفينته فرارًا من الغرق. هجرة الأنبياء موجودة بتفاصيلها في القرآن.

التفريق بين الهجرة المخصوصة وهجرة المعصية الباقية إلى يوم الدين

إذن فهذا [الهجرة في سبيل الله] مما يرضي الله، أن تهاجر في سبيل الله أمنًا أو إيمانًا. لكن الهجرة المخصوصة التي قُسِم الصحابة بشأنها إلى المهاجرين والأنصار انتهت بالفتح، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة:

قال رسول الله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، وإنما جهاد ونية»

لكنه مع هذا فتح لنا باب الهجرة ووسّع معناها جدًا، حتى قال صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»

يعني بعد ما أُغلقت الهجرة المصطفوية لانتهاء زمنها، فتح لنا الهجرة الإيمانية لبقائها إلى يوم الدين. والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.

معنى الهجرة شبرًا من الأرض وتطبيقها العملي في الحياة اليومية

وفي حديث:

قال رسول الله ﷺ: «ولو أن تهاجر شبرًا من الأرض»

أي تهاجر شبرًا من الأرض. يعني كيف؟ فكان بعض مشايخنا قديمًا هكذا، كان يوجد وما زال ازدحام في المواصلات واختلاط الرجال بالنساء وتأذٍّ من هذا، فكان يقول: ها هو ظهر الحديث، ها هو ذا، لو تحركت فقط تحافظ على حرمة المرأة أختك في الله، لا تضايقها، تبتعد فقط شبرًا هكذا، يعني رجل بجانب رجل، فقد هاجرت في سبيل الله.

والله لقد تبين أن الشبر فعلًا شبر حقيقي. نحن كنا نظن قديمًا أن الشبر مجازي، يعني أي شيء، يعني القليل والكثير، شبر يكون قليلًا. لا، هذا شبر حقيقي؛ تهاجر في سبيل الله يعني بعيدًا عن الأذية والضرر والإضرار والمعصية وقلة الأدب وقلة الحياء وقلة الديانة. هاجِرْ.

الهجرة من مكان المعصية والغيبة ولو بالانتقال مترًا واحدًا

ويحدث أن يتحول أحدهم من مكتبه إلى الغرفة التي بجانبه، الحجرة التي بجانبه، يتحرك فيها هكذا، ينتقل يعني من هنا إلى هناك، ونيته في ذلك ألا يسمع الغيبة ولا النميمة ولا البهتان ولا الذي يحدث طوال النهار، فيصبح مهاجرًا مترًا من الأرض.

وهكذا، إذن فهذا شعور ما زال باقيًا في صدر المؤمن؛ أن يهاجر في سبيل الله ولو شبرًا من الأرض.

محاسبة المستسلمين على ترك الهجرة رغم امتلاكهم القدرة والعقل

أما كنتم تستطيعون أن تهاجروا؟ استسلمتم، لماذا هكذا تحت عنوان الاستضعاف؟ والله خلق لكم القدرة، والله خلق لكم العقل، والله خلق لكم الأرض الواسعة تهاجروا فيها؛ فإن أرض الله واسعة.

هذا ما كان من قولهم [أي قول الملائكة]:

﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]

المعاني المتعددة للهجرة من طلب العلم إلى بر الوالدين وطلب الرزق

إذن فهمنا معنى الهجرة:

  1. قد تكون للأمن.
  2. وقد تكون للإيمان.
  3. وقد تكون بُعدًا عن المعصية.
  4. وقد تكون طلبًا للعلم.
  5. وقد تكون برًّا بالوالدين.
  6. وقد تكون في سبيل الله طلبًا للجهاد بكل أنواعه.
  7. وقد تكون طلبًا للرزق.
  8. وقد تكون واسعة، معانٍ واسعة، ولو هاجر شبرًا من الأرض.

نقد من يعتمد على زوجته ويرفض العمل بحجة عدم وجود فرصة

وأجد أنا شخصًا يعتمد على زوجته في القيام بشؤون البيت وهو جالس هكذا يدخن وزوجته تعمل.

فلماذا لا تريد أن تتحرك؟ يقول لك: هل أنا وجدت عملًا؟ لا، أنت كاذب؛ لو حدث لك هذا بهذا الشكل المجنون هكذا، يجب أن أعمل، ستعمل، تعمل أي شيء، لكنك غير راضٍ.

ولذلك هذه مصيبة كبرى نقع فيها، وكلها دائرة كما نرى حول الاجتماع البشري، وترتد في كثير من الأحيان إلى أصول الاجتماع البشري في العلاقة بين الرجل والمرأة.

عظمة الآية في تأسيس معنى المسؤولية والحاجة إلى تدبر القرآن

إذن الصورة هذه [آية الهجرة في سورة النساء] صورة عظيمة جدًا؛ لأنها تؤسس لنا هذا المعنى من كل جوانبه، وبدقة وبتفصيل عميق.

ولكن يحتاج إلى تدبر وإلى تداعي الأفكار، وإلى الالتزام بدلالات لغة العرب، حتى يفتح الله سبحانه وتعالى علينا فهمًا في القرآن يُؤتاه الرجل منا، كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.