سورة النساء | حـ 752 | 107 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 752 | 107 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

7 دقائق
  • يحذر الله تعالى من مجادلة الذين يختانون أنفسهم، وهم من أخلّوا بالأمانة في علاقتهم مع الله وأنفسهم والناس والكون.
  • الخيانة من شوارع النفاق، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها، فذكر أربع صفات للمنافق: إذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر.
  • عبّر الله عن الخائن بلفظ "خوانًا أثيمًا" بصيغة المبالغة، ما يدل على تكرار الخيانة حتى أصبحت صفة ملازمة له، وليس خيانة عارضة يتبعها توبة.
  • تتشرب الخيانة في قلب الخائن كما يتشرب النشاف الحبر أو الإسفنج الماء، حتى يصعب فصلها عنه.
  • "أثيم" أيضًا صيغة مبالغة تدل على من يستهين بالإثم ويستمر فيه.
  • وصل هؤلاء إلى مرحلة اللاعودة، فمحاولة هدايتهم ستبوء بالفشل، ويستحقون أخذ الله لهم في الدنيا وحسابه في الآخرة.
  • هؤلاء يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وجعلوا المصلحة هي المقياس.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

النهي عن المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه وللأمة من بعده:

﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107]

أي لا تدافع عن أولئك الذين لم يحترموا الأمانة في كل شيء؛ في العلاقة بينهم وبين الله، في العلاقة بينهم وبين أنفسهم، في العلاقة بينهم وبين الناس، في العلاقة بينهم وبين الكون. فمن أخلّ بالأمانة كانت هذه الخيانة، وكانت الخيانة من شُعَب النفاق.

تحذير النبي ﷺ من الخيانة وبيان صفات المنافق الأربع

ولذلك حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الخيانة، وأنها بئست البطانة، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا: إذا خاصم فجر، وإذا ائتُمِن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر»

هذه الأربعة هي من صفات المنافقين، لكنه ليس منافقًا عقائديًّا، لكنه كأنه منافق عمليّ؛ لأن هذه من صفات أولئك المنافقين الخونة الذين أمرنا الله سبحانه وتعالى ألّا نجادل عنهم، وزادهم نفاقًا إلى نفاقهم.

﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107]

قاعدة قرآنية في بغض الله للخوّان الأثيم ومعنى صيغة المبالغة

ثم يضع [الله سبحانه وتعالى] تلك القاعدة التي يبيّن الله فيها ما يحب وما يكره:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107]

وانظر إلى هذه اللفظة وتلك: خوّانًا أثيمًا. فـ«خوّان» صيغة مبالغة، يعني تتكرر منه الخيانة حتى أصبحت صفة ملازمة له. لم يخُن مرة أو مرتين على سبيل الخطأ، على سبيل المعصية ثم التوبة والخطيئة لكنه يتوب، لا! هو يكرر الخيانة مرة بعد مرة بعد مرة.

الكذب يهدي إلى الفجور وصيغ المبالغة في الخيانة والإثم

قال رسول الله ﷺ: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا»

فـ«كذّاب» صيغة مبالغة على وزن «فعّال»، و«خوّان» على وزن «فعّال» أيضًا صيغة مبالغة. أما الذي كذب مرة وتاب، الذي كذب مرة على سبيل الخطأ، الذي كذب مرة على سبيل المثال أنه حصل له خجل أو خزي فوقع في الكذب وقد تاب من قريب؛ كان بها.

لكن هذا لا! هذا يتعمّد الكذب ويتعمّد الخيانة ويقصد ذلك ويكررها حتى يتشرّب الخيانة في قلبه.

تشبيه تشرّب القلب للخيانة بالإسفنج والورق النشّاف

قلبه يشرب الخيانة كالورق النشّاف حين يشرب الحبر، كالإسفنج حين يشرب الماء تمامًا؛ تخلّل الماء في كل قِطَع من الإسفنج، وتخلّل الحبر في كل قِطَع من النشّاف. أصبح من المتعسّر العسير أن تفصل هذا من ذاك.

خوّان، و«الأثيم» على وزن «فعيل» أيضًا صيغة مبالغة. إذن هو يطلب الإثم، يستهين بالإثم، يمكن أصلًا ليس في عقله أن هناك حسابًا، ولا أن هناك عقابًا، ولا أن هناك ربًّا سوف يحاسب أبدًا. كانت المسألة كلها في هامش ذهنه، وسائرٌ في غيّه.

أثيم هذه أشدّ من «آثم»؛ فـ«آثم» هذا اسم فاعل [يدل على أنه] غلط وعمل الإثم، لكن «أثيم» يبقى على وزن «فعيل» وهذه تُسمّى صيغة مبالغة.

دلالات الآية على بغض الله للخوّان الأثيم ووجوب الابتعاد عنه

ولذلك فإنه [الله سبحانه وتعالى] يضع تلك القاعدة:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107]

هذا النوع من البشر تدل الآية على أنه موجود، وتدل الآية على أن الله يكره هذا ولا يحبه، وتدل الآية على أنه ينبغي لنا أن نبتعد عنه.

وتدل الآية:

﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107]

أنه قد وصل إلى مرحلة اللاعودة، أي لا فائدة. ولذلك فإن محاولة هدايتهم ومحاولة نصحهم ستبوء بالفشل.

الخوّان الأثيم في دائرة الهلاك وعدم جدوى مجادلته

فإن الله سبحانه وتعالى لمّا أدخله في دائرة الخوّان الأثيم أدخله في دائرة الهالك الذي لا يعود. فأرِح نفسك ولا تشغل بالك بهم، سِرْ في طريقك؛ فإن الله سبحانه وتعالى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر في الدنيا، ويحاسبهم عنده يوم القيامة.

لأنه لو حاولت مجادلته لكان جدلًا كاذبًا خوّانًا أثيمًا؛ يقول غير الحق وهو يستحلّ هذا، ولا يرى في هذا أيّ حرج ولا أيّ غضاضة تؤرّقه من أنه يقول شيئًا غير الحق.

﴿وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107]

وصف الخونة الآثمين بالاستخفاء من الناس دون الله والختام بالدعاء

ويصف الله سبحانه وتعالى أولئك الخونة الآثمين بأنهم:

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 108]

لأنهم قد جعلوا المصلحة هي المقياس [لا رضا الله تعالى].

إلى لقاء آخر أستودعكم الله. اللهم يا ربنا قِنا شرّ الخوّانين الآثمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.