سورة النساء | حـ 754 | 109 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يوجه الله المؤمنين في سورة النساء إلى العدل والإنصاف مع احترام المشاعر الإنسانية الفطرية.
- •خلق الله فينا حب الأهل والوطن والأصدقاء، لكنه يريدنا أن ننظم هذا الحب ونرتب الأولويات.
- •لا ينكر الله حبنا لأهلنا، لكن يجب ألا نحبهم أكثر من ربنا، ويدربنا على العدل عند معالجة القضايا.
- •يجب أن نحب أبناءنا وندافع عنهم دون ظلم الآخرين، فنقبل الحق ونبطل الباطل.
- •قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان أبوه منافقاً وهو مسلم صالح تجسد هذا المبدأ.
- •طلب الابن من النبي أن يكون هو من ينفذ الحكم في أبيه إن صدر حكم بإعدامه خشية أن يقتل مؤمناً إذا رأى من قتل أباه.
- •أرسل النبي شملته ليكفن فيها عبد الله بن أبي رغم عداوته ونفاقه، تجسيداً للرحمة.
- •ينبغي التمييز بين المحبة الفطرية وإنكار الخطأ، والجمع بين العدل والرحمة.
مقدمة تفسير آية المجادلة عن المخطئين من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يوجه كلامه للمؤمنين:
﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 109]
هنا يشير الله سبحانه وتعالى إلى شيء قد خلقه فينا، وهو أننا نحب أوطاننا ونحب أهلنا ونحب جيراننا وأصدقاءنا، ومن عاشرناهم ومن بيننا وبينهم عِشرة وعيش ومِلح، ويُقال مِلح بالكسر هكذا وليس مَلح.
تلطف الله مع المؤمنين في تنظيم حب الأهل والقوم
ولذلك عندما نراهم يفعلون المنكرات نحاول أن ندعو لهم وأن نجادل عنهم وأن نعتذر لهم. والله سبحانه وتعالى يتلطف معنا؛ لأنه هو الذي خلق فينا حب أهلنا وقومنا، وهو لا ينكر علينا ذلك الحب.
لكنه يريد أن ننظمه، أن نرتبه، أن نجعل هناك ترتيبًا للأولويات. نحب أهلنا ولكن ليس أكثر من ربنا. فإذن هو يدربنا على أمر وهو العدل والإنصاف.
التدريب على العدل والإنصاف وعدم التطرف في معالجة القضايا
عندما تعالج قضية لا تكن متطرفًا؛ فتقبلها بما فيها من باطل، أو تنكرها بما فيها من حق. لا، حقِّق الحقَّ وأبطل الباطل؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلق الدنيا على هذه الهيئة، خلقها وهي متداخلة.
ابني يجب أن أحبه، ولكن إذا ارتكب جريمة يجب أن أدافع عنه، ولكن ألا يُظلم الناس. وأحبه ولكن ليس على حساب الآخرين، وأعطي لكل ذي حق حقه.
إذا ارتكب جريمة فليهلك في المصيبة. لا، هذا ابني هذا جزء مني! طيب، إذا كان هو ابني فهل يعني أنه لم يرتكب جريمة؟ لكنه ارتكب. لا نفعل هكذا.
التدريب على الإنصاف في ضوء آية النهي عن ترك العدل بسبب البغض
فالله سبحانه وتعالى يدربنا على الإنصاف:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
وهذا يبني العقل والفكر السليم القوي الذي يأبى الظلم ويأبى الباطل، ولكنه في الوقت نفسه يحترم المشاعر.
قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وإنصافه مع أبيه المنافق
فلما كان هناك شأن من شأن المنافقين، كان فيهم واحد اسمه عبد الله بن أُبيّ بن سلول، أسلم ولكن إسلامه لم يكن الأفضل؛ يعني أسلم في الظاهر وفي الباطن يدبر المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول أسلم أيضًا وحسُن إسلامه. فيبقى هنا ما في القصة أنه:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
الأب منافق والابن مسلم.
موقف عبد الله بن عبد الله بن سلول من احتمال قتل أبيه المنافق
سمع [عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول] أن الصحابة ذهبوا واشتكوا من عبد الله بن أُبيّ بن سلول أبوه لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، افرض أن صدر حكم ضد هذا الرجل بالإعدام، وبعد ذلك جاء أحد لينفذ فيه الحكم فأعدمه وقتله.
فلما يصدر الحكم بالإعدام ويُعدم، آتي أنا فلا أستطيع أن أصبر، فأذهب لأقتل المؤمن الذي قتل المنافق، فأدخل أنا النار.
طلب عبد الله بن سلول أن يكون هو من ينفذ حكم القتل في أبيه
كان [عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول قد جاء إلى النبي] صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ماذا يعني؟ أنا تصورت هكذا أنك ستقتل عبد الله بن أُبيّ بن سلول أبي، فإذا أردت أن تقتله فلا يقتله سواي.
إذا كان في حكم وربنا أذن أن هذا يُقتل وصدر الحكم عليه، لا أحد يقتله إلا أنا؛ فإنني أخاف أن يقتله مؤمن فأراه وقد قتل أبي فأقتله فأدخل النار.
الإنصاف في التربية النبوية واحترام النظام مع الحفاظ على المشاعر
انظر إلى الإنصاف، انظر إلى التربية! العقل وصل إلى أي مدى؛ يعني يحترم النظام العام، يحترم الأحكام الشرعية، ويحترم الدين، ولكنه أيضًا يحب أباه المنافق.
نعم يا أخي، فماذا أفعل؟ أنت منتبه، والعصبية التي لديه مع أبيه وحمايته، وبعد ذلك ترتيب الأولويات موجود أيضًا. فإذا كان الأمر كذلك فدعني أقتله أنا بيدي حتى لا يقتله أحد. فقال له [رسول الله ﷺ]: لا أبدًا، ولن نقتله ولا شيء.
وفاة عبد الله بن أبي بن سلول وتكفينه في شملة رسول الله رحمةً للعالمين
عبد الله بن أُبيّ بن سلول مات وهو يموت، يشعر من داخله أن هذا [الإسلام حق وأن] سيدنا رسول الله أيضًا لا فائدة [من مقاومته]. قال: يا إخواننا، اسألوا محمدًا يرسل إليّ عباءته لكي أتكفن فيها.
فأرسل إليه رسول الله شملته حتى يُكفَّن فيها، وهو يعلم أنه عدوه والذي صنع له الفتن كلها. ودُفن عبد الله بن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين في شملة رسول الله الرحيم.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
التمييز بين حب الأهل وإنكار الخطأ ودعوة المتطرفين لفهم مراد الله
﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 109]
ودافعتم وذهب [النبي ﷺ] صامتًا ولم يقل إن ما تفعله خطأ، ولكنه يربيك على أن ترتب الأولويات.
﴿فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: 109]
لا يوجد أحد سوى الله. فلماذا أجادل عنهم في الدنيا؟ إذن لماذا يجب أن أميز بين انطباعاتي وما بين الخطأ الذي يقعون فيه، فأنكر الخطأ وأبقى على الرحمة والود والحب الذي للإنسان مع عشيرته مع قومه.
ليت المتطرفين يقرؤوا ويفهمون مراد الله من كلامهم. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
