سورة النساء | حـ 756 | 111 - 112 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 756 | 111 - 112 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يؤكد النص على مبدأ المسؤولية الفردية في الإسلام من خلال قوله تعالى: "ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه".
  • تقرير المسؤولية الفردية هو أساس العدالة في جميع النظم القانونية العادلة حيث لا تزر وازرة وزر أخرى.
  • هناك مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، كمسؤولية الأب عن ابنه والقائد عن جنوده عندما يقصر في التوجيه أو يخطئ في الأمر.
  • من يرتكب إثماً ثم يتهم به بريئاً يرتكب جريمتين: التخلي عن المسؤولية والبهتان، فيتحمل إثمين.
  • المفلس حقيقةً ليس من فقد ماله، بل من يأتي يوم القيامة بحسنات ثم تؤخذ منه بسبب اعتدائه على الآخرين.
  • الشفافية وتحمل المسؤولية وعدم اتهام الأبرياء من صفات القوة التي يحبها الله.
  • المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة هنا تعني الشهامة والوضوح والصدق وتحمل المسؤولية.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة وتلاوة آيات سورة النساء في المسؤولية الفردية عن الإثم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 111]

﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيٓـًٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 112]

عقيدة المسؤولية الفردية التي تميز بها المسلمون عن غيرهم

حسنًا، إذن هنا ربنا سبحانه وتعالى يقرر عقيدة تميّز بها المسلمون، وهي عقيدة واضحة تميّز بها المسلمون، وإن كانت في كتب السابقين، لكن المسلمين هم الذين ركّزوا عليها كثيرًا.

ما هي هذه العقيدة؟ إنها:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

كل واحد معلّق من عرقوبه، يقولون هكذا: لا تزر وازرة وزر أخرى. أبي أذنب، طيب وأنا ما شأني؟ ما هو لا تزر وازرة وزر أخرى. طيب ابني أذنب، وأنا ما شأني؟ لا تزر وازرة وزر أخرى.

المسؤولية الفردية أساس العدالة في جميع النظم القانونية

فتقرير المسؤولية الفردية، المسؤولية الفردية هذه هي أساس العدالة في العالم كله. كل النظم القانونية العادلة، القاضي عندما يأتي ليحكم بين الناس في أي مكان في الأرض، أهمّ ما يكتشفه [هو تحديد] المسؤولية الفردية.

المسؤولية الفردية في غاية الأهمية.

مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه وعلاقتها بالمسؤولية الفردية

المسؤولية الفردية هذه نوع منها مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه. مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، يعني أنا فتحت محلي ووظّفت فيه شخصًا وقلت له اعمل كذا وكذا، فهو يعمل الذي عمله، هذا نتج منه ضرر، نعم فأنا مسؤول.

هذه [المسؤولية] ليس لها علاقة بما نتحدث فيه [من نفي تحمّل وزر الغير]؛ أنا مسؤول لأنني أنا الذي أمرته، أنا مسؤول أيضًا مسؤولية فردية.

مسؤولية الراعي عن الرعية في التربية والإنكار على المنكر

لكن مسؤولية الراعي عن الرعية:

قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»

عندما لا أربّي ابني، وابني يخرج هكذا ويُفسد في الأرض ويضرب ابن الجيران، إن الضرب هو [ابني] الذي يكون مسؤولًا عنه، لكن أنا أيضًا مسؤول من ناحية أخرى، من جهة أخرى: أنني لم أربّه، أنني لم أُنكر عليه المنكر، أنني لم أضرب على يده وأوقفه عند حدّه.

فهذه مسؤولية تُسمّى مسؤولية المتبوع. أنا كأب متبوع، ابني يتبعني. أنا كصاحب محل متبوع. أنا كقائد في الجيش متبوع عن أعمال تابعه.

التابع يفعل شيئًا بسبب تقصير المتبوع في التنبيه أو الأمر الخاطئ

التابع الخاص بك فعل شيئًا كنت أنت سببًا فيه؛ لأنك أنت لم تنبّهه، أو أمرت بأمر خاطئ، أو كذا أو كذا إلى آخره.

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111]

كسب إثمًا فسيكسبه هو، والذين حوله [لا يتحمّلون شيئًا من إثمه].

شرح أسلوب الحصر في إنما ومعنى يكسبه على نفسه فقط

«إنما» هذه سمّوها ماذا؟ أسلوب للحصر، يعني «فقط». أسلوب حصر يعني ماذا؟ «فقط» التي نقولها هكذا. يقول لك: هؤلاء فقط، يعني هؤلاء فقط. يقول لك: ما هؤلاء فقط؟ هذه يقوم بها ماذا؟ «إنما».

﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111]

بمعنى لنفسه فقط. معنى الكلام: لنفسه، يكسبه على نفسه فقط فحسب. يعني «إنما» جئنا [بمعنى] فقط من أين؟ من «إنما».

﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111]

فقط.

معنى عليمًا حكيمًا في سياق المسؤولية الفردية وعدم تكليف النفس فوق وسعها

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 111]

عليم بمن المسؤول، وحكيم أنه لا يكلّف نفسًا إلا ما آتاها، ولا يكلّف نفسًا إلا وسعها، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

من يكسب خطيئة ثم يرمي بها بريئًا يجمع بين خستين وظلمين

وأما من يكسب خطيئة أو إثمًا ولا يتحمّل المسؤولية، بل ينقلها ظلمًا وعدوانًا إلى آخر، ويتّهم بها آخر، فقد خالف هذه القاعدة [قاعدة المسؤولية الفردية].

﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيٓـًٔا﴾ [النساء: 112]

فيجمع هنا بين خستين: الخسّة الأولى أن الإثم بدلًا من أن يتحمّله هو أمام الناس وأمام القانون وأمام جماعة الخلق، ألقى به على آخر. وهذا الآخر أيضًا وهو الثاني بريء.

فيكون هناك ظلم من جهتين: التخلّي عن المسؤولية، والاتهام الباطل للغير كذبًا.

من يرتكب إثمًا ويرمي به بريئًا يتحمل مصيبتين وجزاءين

يعني يصبح أمرين، مصيبتين وليس مصيبة واحدة.

﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 112]

فقد احتمل مصيبتين أيضًا، ما هو قد أدّى مصيبتين فيحتمل مصيبتين. الذي يعمل إثمًا يتحمل ماذا؟ إثمًا. الذي يعمل مصيبة وخطأ وخطيئة يتحمل إثمًا.

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111]

فقط وانتهى الأمر. أما الذي يرمي به بريئًا احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا.

البهتان هو الجريمة الأولى والإثم المبين هو الجريمة الثانية وجزاؤهما

بهتانًا هذه هي الجريمة الأولى، وإثمًا مبينًا هذه هي الجريمة الثانية. فيكون إذن هنا مصيبتان وليس مصيبة واحدة.

ولذلك فإنه سيُجازى بجزاءين: سيتحمّل فوق ظهره إثم البهتان وإثم المعصية، جزاء البهتان وجزاء المعصية.

﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 112]

لماذا؟ لأنه ارتكب جريمتين. أما الأول فارتكب جريمة واكتفى بها، فليأخذ جزاء ما يأخذه المجرم لهذه الجريمة.

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۞ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 111-112]

حديث النبي عن الظلم وحديث المفلس يوم القيامة الذي يفقد حسناته

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»

ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «أتعرفون من المفلس؟»

قالوا: الذي ليس معه درهم ولا دينار يا رسول الله، ليس في جيبه أموال. قال ﷺ:

«المفلس من أتى يوم القيامة وقد سبّ هذا وأخذ مال هذا واعتدى على هذا، فيأخذ هذا من حسناته ويأخذ هذا من حسناته، حتى لا يبقى في ميزانه شيء من حسناته، يبقى مفلسًا»

أليس كذلك؟

ميزان الحسنات والسيئات وكيف يصبح المرء مفلسًا يوم القيامة

فخذ [المرحلة] الثانية إذن: فيضع هذا من سيئاته عليه. بعد أن انتهى [ما عنده من حسنات]، إن نحن فيه ميزان حسنات وسيئات، والحسنات ثقلت هكذا، ظلّ يأخذ منها يأخذ منها يأخذ منها، فأصبحت فارغة الكفّة.

فيبقى ما عندي إلا كفّة الميزان الأخرى فيها عشرة كيلوغرامات [من السيئات]، وُضع عليها عشرة كيلوغرامات أخرى، فأصبح فيها عشرون. هذا هو المفلس، هذا خطير جدًّا، هذا إفلاس نعوذ بالله منه.

الدرس المستفاد من الآيات: تحمّل المسؤولية والشهامة والصدق والشفافية

فماذا تفعل في هذا؟ ألّا تتعدّى، لا تعتدي، لا تطغى، لا تخرج [عن حدود الله]. أنت ارتكبت إثمًا، تبنا إلى الله، استغفر الله. لكن كون أنك ترمي به بريئًا، [فعليك أن] تحمل مسؤوليتك.

فماذا يعلّمنا هنا إذن؟ يعلّمنا الشهامة، يعلّمنا الشفافية، يعلّمنا الوضوح، يعلّمنا الصدق.

وهذه صفات كيف تبدو؟ صفات جميلة أم قبيحة؟ هذه صفات قوة وليست صفات ضعف، صفات جميلة حسنة، نعم ولكنها صفات قوة.

المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف الجبان

وهذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»

الجبان الذي يمكن ألّا تكون لديه شفافية، وليس لديه مصداقية، وليس لديه وضوح، وليس لديه كذا [من صفات القوة]، فيخجل ويرمي [بإثمه على غيره]، هذا يحمل إثمًا ويصبح مفلسًا، وهكذا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.