سورة النساء | حـ 757 | 113 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يتحدث النص عن آية من سورة النساء: "ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم"، وهي تقرر حقيقة كونية مشاهدة وإيمانية يخبر بها الله.
- •فضل الله حقيقة لا ينكرها إلا جاحد، فالله يستجيب الدعاء ويستر عباده ويحبهم جميعاً.
- •العرب الذين حاربوا النبي ﷺ بالسلاح لم يحاولوا إضلاله بالحجة والحوار، مع أنهم كانوا يقتتلون لأتفه الأسباب كما حدث في حرب داحس والغبراء.
- •ذهابهم لمحاربة النبي في بدر وأحد والخندق دون جدوى يدل على تأييد رباني ومعونة إلهية للنبي.
- •يشير النص إلى مراتب القصد خمسة: الهاجس (صورة تمر في الذهن)، والخاطر، وحديث النفس، والهم، والعزم (النية المؤكدة).
- •كل هذه المراتب مرفوعة ما عدا الأخيرة التي يحاسب عليها الإنسان.
تقرير حقيقة كونية وإيمانية من سورة النساء عن فضل الله
مع كتاب الله، وفي سورة النساء نلتمس منها الهدى. يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة كونية إيمانية؛ كونية لأننا نشاهدها ونعيشها ولا ينكرها إلا جاحد، وإيمانية لأنها حقيقة يخبر بها الله سبحانه وتعالى عن نفسه، فيقول:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء: 113]
أول ما تقرأ "ولولا فضل الله عليكم" وعليك كذلك، فستعرف أنها حقيقة كونية وحقيقة إيمانية. ربنا سبحانه وتعالى له فضل على العالمين وينبهك إليه، فأنت تراه، هكذا الأمر؛ أنت تراه فيجب أن تكون تراه، لا ينكره إلا جاحد.
إنكار البديهيات كإنكار النهار لا يحتاج إلى دليل
وهناك أناس كذلك، نحن في النهار يقول لك: نحن في النهار، [فيأتي أحدهم ويقول:] نحن لسنا في النهار! أقم الدليل على أننا في النهار! هو نحن في النهار! وبعد ذلك فالشاعر قال ماذا؟
ولا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.
الله! ماذا نفعل في كلام المجانين هذا؟ النهار ها هو! قال: لا. فينكر الحس [المحسوس الظاهر].
فضل الله في استجابة الدعاء والستر على العباد
ربنا يستجيب دعاءنا، لا يوجد واحد منكم إلا والله استجاب دعاءه. يقول لك: لا أعرف هذه الحكاية! كيف لا تعرفها؟
الله يسترها [علينا]، ما من أحد منا إلا وقد ستره الله. نحن سنضحك على الله؟! والله سبحانه وتعالى سترنا جميعًا، ويحبنا جميعًا، واستجاب لنا جميعًا.
فلولا فضل الله — لم نكمل بعد — هي فقط العبارة هكذا: "ولولا فضل الله"، هذا يبقى دائمًا حقيقتين: حقيقة إيمانية وحقيقة كونية مشاهدة.
حماية الله للنبي من تدبير أعدائه وعجزهم عن إضلاله
﴿عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: 113]، همّت فقط ولكنها لم تهمّ حقًا، فلم يفكر أحد في أن يُضلّ النبي ﷺ.
فلماذا لم يدبّروا له تدبيرًا؟ لماذا لم يجلسوا معه جلسة ويقوموا معه بمناقشة ويفتحوا معه حوارًا وبعدها يفعلوا معه شيئًا ما؟ لا، لم يفعلوا!
الله! وهذا يسير هكذا؛ ما من أحد يقول له أين تذهب، مع أنهم يحاربونه بالسلاح! فأين الحجة بالحجة؟ أم أين كذا؟ لا يوجد شيء! غريب جدًا!
العرب أصحاب داحس والغبراء وكيف أخضعهم النبي بتأييد الله
العرب هؤلاء من هم؟ كان يوجد فرسان وهذان الفرسان كان اسمهما داحس والغبراء، وداحس والغبراء هذان تركوا قبيلة عبس وقبيلة ذبيان يقتتلان حتى كادوا أن يُفني بعضهم بعضًا.
كل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل فرسين! فلماذا لا تتركون الفرسين وتتجنبون هذا القتل العجيب والدماء؟ لا، بل هذه مسألة كرامة!
حتى جاء رجل [وهو النبي ﷺ] ليس من زعمائهم، فجعلهم يدخلون في دين الله أفواجًا. هؤلاء يذهبون ليحاربوه في مكان بدر، في [قرب] المدينة، هكذا أُحد في المدينة، الخندق في المدينة، ذاهبون ليضربوه ولا توجد فائدة!
التأييد الرباني والمعجزة في إسكات أعداء النبي عن محاجّته
ما هذا؟ ما الذي حدث؟ هذا تأييد! الذي حدث هذا معونة ربانية! الذي حدث هذا معجزة! أتراها أم لا تراها؟
هم أصحاب داحس والغبراء، عندما كان أحد يخرج فيهم بهذا الشكل ويحاربهم كانوا يصمتون. فما الذي جعلهم يصمتون؟ الله سبحانه وتعالى!
يقول [الله تعالى]:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء: 113]
لا يعلمون.
مراتب القصد الخمس من الهاجس إلى العزم وبيان معنى الهمّ
فما هذا الهمّ؟ قال لك إن الإنسان لديه خمس درجات في التفكير بداخله:
أول شيء الهاجس، وهذا الهاجس معناه ماذا؟ معناه أن صورة مرت في ذهني هكذا؛ هاجس، المصحف جاء أمامي ومرّ هكذا.
وفيه خاطر، وما الخاطر؟ الخاطر قال لك: الخاطر أن المصحف يقف هكذا، ما هذا؟ لا، فيه مصحف هنا، فما الأمر؟ خاطر خطر في بالي المصحف.
وفيه حديث النفس؛ الله يعني يريدني أن أقرأ المصحف، طيب أنا سأقرؤه الآن، لا ليس الآن، في آخر النهار أو أول النهار، أحدّث نفسي.
وفيه همّ؛ أنا أريد أن أقرأه فيصبح أكثر قليلًا هكذا.
وفيه نية؛ أنا نويت أن أقرأ، النية عزم مؤكد.
خلاصة مراتب القصد الخمس ورفع المؤاخذة عن أربع منها
إذن فتصبح الدرجات كم؟ خمسة، والهمّ رقم أربعة، الذي هو يريد ولكن لا يعزم.
مراتب القصد خمس:
- هاجس
- فخاطر
- فحديث النفس، فاستمع
- يليه همّ
- فعزم
كلها رُفعت [المؤاخذة عنها] سوى الأخير [وهو العزم]؛ ففيه الأخذ قد وقع.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
