سورة النساء | حـ 762 | 115 - 116 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

سورة النساء | حـ 762 | 115 - 116 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى: "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" [النساء: ١١٥]، وهذا الوعيد الشديد يأتي للخروج عن إجماع المسلمين، ولذلك حافظ الإسلام على هويته عبر التاريخ. فالإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر
من العصور على أمر شرعي، وهذا الإجماع بهذا المفهوم هو الذي يمثل حقيقة الإسلام ولا يمكن أن نتهاون فيه، لأننا لا يمكن أن نختلف فيه. فقد اتفق عليه أهل السنة والشيعة والسلف والخلف وكل تيارات المسلمين في الشرق والغرب في الشمال والجنوب عبر العصور لم يختلفوا؛ فلم يختلف أحد من أن عدد الصلوات خمسة، وأن العشاء أربع ركعات، وأن القيام بعده الركوع بعده القيام بعده السجود بعده السجود وهكذا، لم يختلف أحد، إجماع، ولا يجوز في نطاق الإجماع أن نجتهد،
بل هذا هو الإسلام، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، هذا هو الإسلام، لا إكراه في الدين، لكن هذا هو الإسلام، واحد يقول له والله أنا لا يعجبني أمر الصلاة هذا، حسنا أنت حر، قال حسنا ما رأيك أن أسلم وأترك الصلاة، لكن لن أصلي أبدا، الفرق بين اثنين أحدهما يقول: أنا سأسلم لكنني لا أعرف كيف أصلي، أنا لا أستطيع، أنا مريض، أنا لا أعرف، محصور، هذا نعم يسلم، أو واحد قال أنا سأسلم لكن الخمر هذه أنا لن أقدر على تركها الآن، يقال له: لكن أنت تعرف أنها حرام، قال: أنا أعرف حرام عارف أنها حرام أي، أنه سيحاول أن يتركها، لكن لا يسلم وهو
يريد أن يجعل الخمر حلالا، وهذا لا يجوز. إذن، الإسلام مع الشرط الفاسد جائز. وهذا باب في الفقه اسمه هكذا، (الإسلام مع الشرط الفاسد)، يسلم بشرط أن تترك له حكاية الخمر، مع أنه مؤمن أنها حرام لا يوجد فيها كلام، لكن سيدرب نفسه، سيعالج نفسه منها ويسلم. وهناك فرق بين أن يقول لك: لا أنا أريد أن أسلم لكن بشرط أن تكون الخمر حلالا في دينكم، غيروه. لا، لن، نغيره، ولا نستطيع أن نغيره ولا نقدر على تغييره. إجماع. المصدر الرابع القياس،
النصوص محصورة، الكتاب به ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية برواية حمزة الزيات، في ستة آلاف لكي تحفظ، ستة آلاف آية، أحكام السنة موجودة في شيء حوالي ألفين حديث، عندما جاء ابن تيمية الجد وعمل المنتقى أو الأب عبد السلام أخرجوا خمسة آلاف حديث بالمكرر، إذن يعني الحديث محصور أيضا، فماذا يقول الدين أن في حكم لكل فعل بشري إلى يوم الدين قال بالقياس. فإذن، عندنا الكتاب والسنة والإجماع والقياس، كيف تقيس؟ إذن؟ الشيء غير المنصوص
عليه على الشيء المنصوص عليه مراعاة للشريعة ولمقاصدها ولمعناها ولغرضها لكي نبقى سائرين في رضا الله. حسنا، الذي يسير هكذا على الكتاب وعلى السنة لا يخرج عن الإجماع والأمر الجديد يأتي به من نمط الشريعة هكذا يجعلها تحت مظلة الشريعة بوسيلة القياس فيكون سائرا في طريق الله، مطيعا لله موحدا لله. ما المقصود بتوحيد الله؟ يعني جعل الله هو المصدر الوحيد له في العبادة وفي الطاعة، لا يطيع إلا ربه عن طريق كتابه، وسنة نبيه، وإجماع أمته، قياس،
"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [النحل: ٤٣]. فتأتي الآية التي بعدها وتقول: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ" [النساء: ١١٦]، فما علاقة هذا الكلام بما سبق؟ نعم، عندما لا تشاقق الرسول وتطيعه، وتلتزم بإجماع أمته، وتبقى ملتزما في طريق الله، فماذا تفعل؟ أي أنك عبدت الله وحده، أطعت الله وحده. ثم يقول: أما الذي لم يعمل فلا عبد ولا أطاع ولا وحدّ في العبادة ولا وَحَدّ في الطاعة، "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ" [النساء: ١١٦] هذه عملية شديدة جدا، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
فإذا كان إلى أي جهة وجهت وجهك؟ هل أنت في جهة طريق الله هكذا، أم، توجهت خارجه؟ لا، وجهي في طريق الله. فإذن، سيغفر لك أي شيء. تعبت، جلست، كسلت، نمت في الطريق، أيضا أنت ما زلت في الطريق، أما من أخذ نفسه وهجر الطريق وانحرف وسلك طريقا آخر، وبدلا من أن يذهب إلى الإسكندرية ذهب متجها إلى بني سويف في الناحية الأخرى، الصعيد، فهذا، لا يصلح. إذن، لا بد من الالتزام بالطريق؛ طريق التوحيد العبادة والطاعة، فمن لم يكن كذلك
فهو ليس كما يجب. إذا أنت التزمت فإن الله سبحانه وتعالى سوف يغفر لك ذنبك إذا أخطأت، فإن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، وبني الإنسان على الضعف والخطأ أصلا، ولذلك فمن الطبيعي أن يخطئ وأن ينسى وأن يقصر ولكن هناك مغفرة، "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ" [النساء: ١١٦]، فإذن، الشرك بالله يحجب القبول، "وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ" [النساء: ١١٦]، ويغفر ما دون ذلك، بهذه البساطة؟ كان الناس بدلا من أن يقولوا له: نشكرك يا ربنا أن غفرت لنا،
ليس كل الناس هكذا بل كانوا يستحلون المعصية ويغرقون فيها، فماذا قال ربنا؟ "لِمَن يَشَاءُ"، يعني أنت في خطر في المعصية، أنت في خطر، فربما لا تقبل توبتك إذا كنت تلعب، فلا تلعب، أستحلفك بالله، لا تلعب، ستضر نفسك هكذا لأنه ماذا؟ "لِمَن يَشَاءُ"، فعلق الأمر بالمشيئة، فما الذي يضمن إذن أن أكون من الذين "يَشَاءُ"؟ فيجب ألا أتعمد الخطأ، وقد يقع الخطأ مني عفوا، كرها، تقصيرا، يقع مني من غير تعمد، من غير إصرار، يقع مني هكذا من
ضعفي وليس من فجوري، يقع مني، نعم، ولكن وأنا أرجو رحمة اللّه، "وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا" [النساء: ١١٦]، انظروا كيف تاه إذن تماما، بدلا من أن يصل إلى مقصده في نهاية الطريق والله مقصود الجميع، يتوه. ضل ضلالا بعيدا وهذا الضلال البعيد ما معناه؟ معناه أنه هو نفسه أحيانا لا يعرف كيف يرجع، لا يعرف كيف يتوب، وهذا شاهدناه، يا بني، أنت تورد نفسك جهنم هكذا لا تخرج منها، فيقول: غير قادر، "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه"، أمر عجيب لا يعرف كيف يتوب هذا المشرك، فإذن،
المسألة جدية وليست هزلاً، والمسألة خطيرة وليست بسيطة، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.