سورة النساء | حـ 764 | 118 - 119 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الشيطان المريد هو من لعنه الله وطرده من رحمته، فأصبح محروقاً هالكاً، واسمه الأصلي إبليس وليس شيطاناً.
- •بعد لعنه وطرده تمرد على الله وتوعد بقوله: "لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله".
- •وعد الشيطان بإضلال الناس وتمنيتهم بالأماني الكاذبة وأمرهم بالتدمير وتغيير خلق الله.
- •على المسلم الاستعاذة بالله منه فيتضاءل ويذهب.
- •يتجلى صبر الله وجلاله في إمهال الشيطان رغم تمرده.
- •تشمل مظاهر تغيير خلق الله: تقطيع آذان الأنعام، والنمص والوشر والوصل، وتدمير البيئة والغابات والأنهار.
- •ينبغي تجنب القسوة وتعذيب المخلوقات وعدم الإفساد في الأرض.
- •الله سبحانه وتعالى لا يحب الفساد ولا المفسدين.
افتتاح الدرس وتفسير آية عبادة الشيطان المريد في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِٓ إِلَّآ إِنَـٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًا مَّرِيدًا * لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 117-118]
واللعن هو الطرد من الرحمة؛ فالله سبحانه وتعالى طرد هذا الشيطان من رحمته، ومن كان مطرودًا من رحمة الله فهو منبوذ، ينبغي علينا أن نبتعد عنه ولا نتخذه وليًّا ولا حميمًا ولا حبيبًا، ولا نتبعه ولا نتبع خطواته؛ لأنه منبوذ ومطرود في لعنة الله سبحانه وتعالى، لعنه الله.
تفسير كلمة شيطان ومعنى الاحتراق والهلاك من اللعنة الإلهية
لعنه الله. تُفسَّر كلمة شيطان على وجهين: إن الشيطان شاطَ واحترق، أو شطَنَ وهلك. ما دام فيها احتراق وهلاك، فيبقى هذا يعني ماذا؟ [يعني أنه مستحق] من اللعنة، لعنة الله، فأصبح محروقًا هالكًا.
وقال [إبليس متحديًا]:
﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 118]
ألم يقل: اعذرني فأكون قد أخطأت فارفع هذه اللعنة؟ لكن لا! وهذا تفسير مريدًا [أي المتمرد]، يعني هذه الآية واحدة راجعة إلى كلمة شيطان وواحدة راجعة إلى كلمة مريد: شيطانًا مريدًا.
الفرق بين اسم إبليس ووصف الشيطان وسبب تمرده على الله
شيطانًا مريدًا: شيطان لعنه الله ولذلك أصبح شيطانًا، هو اسمه إبليس، اسمه إبليس وليس اسمه شيطان.
ولكن لماذا هو شيطان؟ لأنه محترق هالك.
حسنًا، إذن شيطان لماذا؟ لأنه لعنه الله.
حسنًا، هو متمرد لماذا؟ تمرد في ماذا؟ بعد أن لعنه [الله] وطرده وغضب عليه، قام يقول له ماذا؟ يقول له:
﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 118]
بوقاحة يا أخي، بوقاحة عجيبة الشكل! ربنا يعيذنا منه ومن شره.
وقاحة إبليس في تحديه لله وتقريره ما ليس في يده من إضلال العباد
﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 118]
هذا كذلك، هذا ما هذا [إلا أنه] يعاند الله، يتبجح في حضرة الله، يخاطب الله بما لا يليق، ثم أنه يقرر ما ليس في يده: أنا سأتخذ نصيبًا مفروضًا من عباده! مفروضًا! ما هو [إلا أنه] وعد أنه يفعل ذلك.
تعال إذن:
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 119]
هذا جالس يتكلم هذا! نعم.
دلالة صبر الله على وقاحة إبليس وتعليم العباد التخلق بأخلاق الله
وهذا يدلك على ماذا إذن؟ على جلال الله، على أنه صبور، نعم، والله ما كان [إلا] أحرقه إذن، والله صبور.
فماذا نستفيد نحن منها؟ يعني دعنا من [ذلك]، فإذا كان ربنا جل جلاله، الله من فوق سبع سماوات، صاحب العرش العظيم، خالق السماوات والأرض، [وإبليس] لا يساوي ثلاثة فلوس، ولا يساوي ثلاثة فلوس، فإن إبليس يساوي ثلاثة فلوس؟ لا يساوي ثلاثة فلوس! في أي شيء؟ لا يساوي شيئًا.
يقول له هكذا، على فكرة، على فكرة هذا هو أول ما يقول، وبالمناسبة سيتخذ على الفور:
﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 118-119]
يا للعجب!
خطاب الله للعباد بالرحمة والبسملة ودعوتهم للتخلق بصفة الصبر
ولكنه [إبليس] قبل أن يقول هذا الكلام كله يُضلله [أي يُضل العباد]، ولكن الله جل جلاله عندما خاطبنا قال لنا ماذا؟
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
فذهب مطمئنًا هكذا. اعلم لو عرفت حقيقة جلال الله لما بقيت بعد ذلك، فأنت تذوب هكذا كالملح في الماء، وهذا أمر صعب جدًا.
ولكنه [الله سبحانه وتعالى] يعلمك لكي تتخلق بأخلاق الله؛ عندما يسب أحد شيئًا فهذا لا يعني أننا لا نريد أن ننسب الشيطان إليه [أي إلى الله]؛ لأنه يقول لك: عندما تسبه [الشيطان] يفرح ويقول لك: نعم أخطأ! عندما تستعيذ بالله نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يتضاءل ويذهب في ذلك، فنعوذ بالله منه.
التخلق بصفة الصبر الإلهي في التعامل مع تجاوزات الآخرين
أي [أن الشيطان] لا يفعل شيئًا، وجلال الله يعلمك أنت إذن؛ فإذا كان الشخص الذي أمامك قد تجاوز حدوده، أخوك أو ابن بلدك أو جارك أو أخوك المسلم في المسجد، فعليك أن تتعامل مع كل ذلك وتتقافز كالفولة في النار.
ليس لك أن تتخلق بأخلاق الله وتصبر عليه هكذا؟ [بل عليك أن تصبر].
تحذير من أماني الشيطان الكاذبة وأمره بالتدمير وتقطيع آذان الأنعام
فسيُبقينا ويُمنّينا [أي الشيطان]، يعطينا أمانيَّ، ولذلك احذر من هذه الأماني الكثيرة: أنا سأعمل وأعمل، حسنًا وبعد ذلك أين العمل الحقيقي؟
وسيأمرنا بالتدمير لا التعمير، وذهب [إبليس] ملخصًا إياها:
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ [النساء: 119]
سيفسدون في الأرض. تقطيع آذان الأنعام ما الأمر في ذلك؟ أنهم كانوا يفعلون ذلك من أجل الشرك؛ يشقون آذان الأنعام لكي يجعلوا هذه لأصنامهم وهذه لله وهذه لهم وهذه وهكذا.
أن فيها أذى للحيوان من غير حاجة، وأن فيها تشويهًا للخلقة من غير حاجة، فتبقى هذه الأشياء محرمة، وهذه الأشياء تحت عنوان:
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ [النساء: 119]
النهي عن إيذاء الحيوان وتشويه الخلقة والإفساد في الأرض والبيئة
أو هنا انظر إلى الكلمة: فلا تقطعوا آذان الأنعام، إنك تؤذي وتقطع أذن البقرة أو أذن الماشية ولا أذن شيء من هذا القبيل. هذا هو النص هكذا، ولكن ما وراءه ماذا؟
إنك تعذب؛ فيجب تجنب القسوة والتعذيب وما إلى ذلك. إنك تشوه؛ فيجب ألا تشوه خلق الله. لا تقطع الشجر بلا ضرورة، لا تدمر الورد بلا ضرورة، لا تفسد في الأرض، لا تستغل البيئة التي خلقها الله لك لتخدمك، لا تستهن بالأرض التي تزرعها؛ لأن هذه أرض الله.
تغيير خلق الله من النمص والوصل إلى الإفساد في البيئة والأرض
وليكن [ذلك معلومًا أن] فعل الشيطان كل ما يعطلك عنه [عن حفظ خلق الله]:
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 119]
تغيير خلق الله هذا أصبح شهوة الآن، وأصبح موضوع أن تغير خلق الله. تغيير خلق الله كلمة تبدأ بالإنسان؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النمص وعن الوصل وعن الوشر وعن تغيير خلق الله.
وتنتهي بتغيير خلق الله في أمته، في البيئة، في الأنهار والبحار وما إلى ذلك، في الغابات، في القتل والقتال. كل هذا دمار للعالم، والله سبحانه وتعالى لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
