سورة النساء | حـ 765 | 120 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يحذر القرآن من وعود الشيطان الزائفة في قوله تعالى: "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا".
- •ثمة فرق شاسع بين الكلام المزخرف والعمل الصادق، فهناك من شياطين الإنس والجن من يتكلمون بكلام ظاهره طيب وحقيقته فاسدة.
- •نهى الله المؤمنين عن القول دون الفعل: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون".
- •من صفات المنافقين والشياطين أن يزينوا الكلام ويجعلونه أساساً، مع أن الله جعل العمل هو الأساس.
- •بين النبي ﷺ أن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور والأجسام.
- •يوضح المثل "الإوز حنان بلا طعام" أن الكلام المجرد من العمل لا يشبع الجائع.
- •كما أن الطفل الرضيع لا يكفيه الاحتضان أو تقديم طعام لا يناسبه، فكذلك الناس تحتاج ما يناسب فطرتها.
- •يستقيم حال الناس بالدين الحق المقترن بالعمل الصالح لا بالكلام المزخرف.
وعد الشيطان للإنسان غرور والفرق بين القول والعمل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن الشيطان وفي علاقة هذا الرمز للشر -وهو حقيقة- مع الناس ومع الإنسان:
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]
إذن هناك فرق بين اللفظ والصوت والكلام وبين العمل؛ فهناك من شياطين الإنس والجن من يتكلمون ولا يعملون، وكلامهم مزخرف؛ إذا سمعتهم فإنك تسمع كلامًا في ظاهره أنه طيب، وفي حقيقته أنه من قِبَله العذاب، أو أنه لا يساوي عند الله جناح بعوضة، أو أنه يُفسد ولا يُصلح، يُدمّر ولا يُعمّر، وهكذا كلام فقط.
ذم القول بلا عمل وأسلوب الشيطان في تزيين الباطل للإنسان
لكن وهذا الذي يسمونه إخواننا الشوام "طق حنك"، أي فمٌ يقول فقط والعمل غير موجود.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]
والشيطان يرتكب تلك الكبيرة؛ فيأتي ويُسوّل للإنسان كلامًا مذوّقًا يقتنع بظاهره، لكنه لا حقيقة له. وهذا الذي لا حقيقة له هو المسمى بالغرور؛ غرّك أي خدعك، مكر عليك، يعني بالعامية يضحك عليك.
وضحك عليك بموجب ماذا؟ كلام يُكلّمك، وسواس خنّاس؛ فيعرض القضية بطريقة ويدخل من مدخلٍ إذا ما تأملته وجدته أنه مدخل مذوّق جميل، ولكن إذا ما تدبّرت وتفكّرت وأدركت المآلات والنتائج عرفت أن هذا المدخل مدخلٌ مُهلك.
صفة المنافقين في تزيين الكلام وبغض الله لتغليب القول على العمل
﴿وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4]
نعم، هناك لحنٌ حسنٌ جدًا في كلامهم. هذه صفة من صفات من؟ صفات المنافقين.
﴿وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4]
كلامٌ تام، ولكن الحقيقة ما هي إلا غير ذلك.
إذن فمن صفات المنافقين، ومن صفات الشياطين، ومن الصفات التي يبغضها الله سبحانه وتعالى ويجعلها كبيرة من الكبائر، هي أن تُذوّق الكلام وتعيش فيه. فقد أصبح الكلام هو الأساس، في حين أن الله سبحانه وتعالى جعل العمل هو الأساس.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبيّن هذه الحقيقة:
«إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أجسادِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم» رواه مسلم
إذن فما هو الذي تفعلونه حقًا من أجل عمارة هذا الكون؟
حقيقة أن العمل هو الأساس عند الله وليس الكلام المزخرف وحده
هذه الحقائق البسيطة الواضحة اختلطت على كثير من الناس عبر العصور. وأكّد الله سبحانه وتعالى في كتابه أن الأمر إنما هو متعلق أساسًا بالعمل، ثم يأتي القول ليُصدّق العمل. أما إذا اعتمد على القول فقط دون العمل فهو هباءٌ منثور عند الله سبحانه وتعالى.
يقول الجماعة الحكماء لك مثلًا: "مثل الإوز، حنان بلا طعام".
يعني ماذا؟ ما هو مثل الإوز؟ يعني ماذا الإوز وحنان وبلا طعام؟ الولد إذا بكى فلا يكفي أن تحتضنه هكذا في حضنك؛ لأنه يحتاج إلى طعام، والطعام يأتي من إرضاع أمه له، تُعطيه.
مثل الطفل الرضيع الذي لا يحتاج إلا الرضاعة لا الكباب ولا التفاح
طيب، أنت ماذا ستفعل؟ ما عندك شيء تعطيها [الأم] لوحدها، فتذهب تُحضر له كيلوغرامًا من الكباب.
يأخذه أم لا يأخذه؟ أيضًا يبكي! تقول: سبحان الله، ألم أدفع لك وأحضرت لك أغلى شيء موجود وأحلى شيء من أحسن واحد حتى في البلد كبابجي؟ أيضًا الولد يبكي!
وبعد ذلك تذهب تُحضر له تفاحة هكذا حلوة هكذا حمراء، تفاح لبناني الذي له رائحة، هذا من الزمان الماضي أيضًا. الولد لن يأكل أيضًا، يبكي.
لماذا؟ هذا ليس هو، ليس هو، هذا الذي طلبه ليس هو. هذا العمل [تقديم الكباب والتفاح] هذا تزويق في الكلام.
الطفل الرضيع لا يأكل إلا الرضاعة وكذلك الناس لا تحتاج إلا الدين
هل رأيت طفلًا رضيعًا عمره ثلاثة أو أربعة أشهر يأكل كبابًا وكفتة؟ هل رأيت طفلًا رضيعًا عمره ثلاثة أو أربعة أشهر نقطّع له التفاحة؟ فكيف يأكلها إذا كان هو أصلًا لا يملك أسنانًا؟ فماذا سيأكل وكيف سيبلع وماذا سيتذوق؟ إنه يريد الرضاعة.
فهذا هو الكلام الذي يُقال عن أن الإنسان أحيانًا يكون في تزويق وليس هناك عمل. ومن هذا التذويق [التزيين بالكلام]، هذا الكلام يقول لي:
حسنًا فماذا نفعل؟ إذن أرضعوا أبناءكم [أعطوا الناس ما يحتاجونه حقًا]؛ فالناس محتاجة إلى الدين، فيُعطوهم برنامجًا آخر غير الدين، فالناس تبكي أيضًا، مستمرة في ماذا؟ في البكاء، مستمرة في البكاء.
هذه حاجة سهلة جدًا: أعطوهم الدين وقلوبهم تنشرح. فلا يريدون أن يُعطوهم الدين، وأحيانًا يأتون بالكباب [ببدائل لا تُغني]، فيكون هذا ماذا؟ من عمل الشياطين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
