سورة النساء | حـ 766 | 120 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 766 | 120 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • حذر الله تعالى في سورة النساء من الشيطان الرجيم وخطره على البشرية، فمع أنه خلق الإنسان وكرمه، سمح للشيطان بأن يكون فتنة للناس.
  • وصف الله الشيطان بأنه من الجن، يرى الناس ولا يرونه، وله ذرية، وقادر على إلقاء الوسوس في صدور الناس.
  • اتصف إبليس بالإباء والاستكبار والكفر، ومع ذلك أقام الله معه حواراً ليعلم عباده قبول الحوار حتى مع أشد الناس غباء.
  • الشيطان لا يدعو للكفر صراحة بل يستدرج الإنسان خطوة بخطوة.
  • يتبع الشيطان أسلوبين: الوعد والأمنية، فالوعد هو التعهد بتحقيق مصلحة، والأمنية هي إغراء دون وعد.
  • في الوعد المسؤولية الأولى على الشيطان الكاذب والثانية على الإنسان المصدق، أما في الأمنية فالمسؤولية الأولى على الإنسان المنخدع والثانية على الشيطان.
  • الشيطان لا يعد إلا غروراً وخداعاً، والإنسان هو المسؤول الأول عن انخداعه.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في سورة النساء ونظام الله للمجتمع البشري

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يضع الله سبحانه وتعالى لمجتمعنا البشري نظامًا بين أفراد من خلقه سبحانه وتعالى. والله قد خلق الخير والشر، وخلق الإنسان وكلّفه وكرّمه، لكنه أيضًا خلق الشيطان وسمح له بأن يكون فتنة للناس.

تحذير الله من الشيطان الرجيم في جميع كتبه المنزلة

وحذّرنا سبحانه وتعالى في جميع كتبه التي أنزلها على عباده المرسلين من هذا الشيطان الرجيم، أي المرجوم الذي طرده [الله] من رحمته ولعنه وغضب عليه. وحذّرنا وأكثر من تحذيره سبحانه وتعالى.

أصناف الناس في موقفهم من الشيطان بين الإنكار والعبادة والاتباع

وإذ بنا نرى الإنسان — بعض الناس — ينكر وجود الشيطان، وإذ بنا نرى آخرين تمادوا فاعترفوا بالشيطان وعبدوه. وآخرون أيضًا نراهم أنهم قد اتبعوا خطوات الشيطان وأطاعوه، وإن لم يعبدوه حقيقة وصراحة كما فعلت هذه الفئة القليلة.

لأن عبدة الشيطان عبر التاريخ كانت فئة قليلة وإلى يومنا هذا، لكنها تدل على شيء من الطيش، شيء من المتاهة التي يمكن أن يُستدرج إليها الإنسان.

وصف الله للشيطان في القرآن بأنه يرانا ولا نراه وله ذرية

كلام الله سبحانه وتعالى واضح، يحذّرنا من الشيطان ومن أن نتخذه وليًّا. ووصف لنا الشيطان وصفًا تامًّا في كتابه:

﴿إِنَّهُ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ * مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ * ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ * مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]

ووصف الله سبحانه وتعالى الشيطان:

﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]

ووصف لنا الله سبحانه وتعالى الشيطان بأنه يرانا ونحن لا نراه، وبأن له ذرية، وبأنه قادر على إلقاء الوسواس في قلوب وصدور الناس مع تعددهم؛ فهو واحد.

وصف الله لإبليس بأنه من الجن وصفاته الداخلية من الإباء والاستكبار

ووصف الله لنا الشيطان بأنه ينتمي إلى الجن، فقال سبحانه وتعالى:

﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِٓ﴾ [الكهف: 50]

كان من الجن، يعني أنه كان من الجن. ووصف الله سبحانه وتعالى نفس الشيطان من الداخل فقال:

﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

الإباء والاستكبار والكفر [هي صفات إبليس الداخلية التي وصفه الله بها].

حوار الله مع إبليس وما يتيحه للمؤمن من قبول الحوار مع الجميع

ووصفه [الله] بأنه مع ذلك كله فقد أقام الله سبحانه وتعالى بينه وبين إبليس حوارًا، وهذا يتيح للمؤمن أن يتحاور مع كل أحد. وسمعه الله سبحانه وتعالى بالرغم من أنه — وهو القادر وهو الملك ذو الجلال والإكرام — كان قادرًا على أن يخسف به الأرض أو أن يُفنيه من الوجود.

ولكن الله يعطي لعباده مثالًا حتى نتخلّق بأخلاقه ونقبل الحوار حتى مع أشد الناس غباءً ومع أجهلهم.

حجة إبليس الواهية في التفضيل بين النار والطين واتباع هوى النفس

في هذا الحوار كحوار إبليس [مع الله حين قال]:

﴿خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]

هكذا يقول وهو لا يعرف إن كانت النار أرقى من الطين أم أدنى، لكن هوى النفس [هو الذي دفعه إلى ذلك].

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]

﴿أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]

صفة إبليس في الاستدراج التدريجي وعدم المواجهة المباشرة

إذن فإبليس هذا يجب علينا أن نتتبع صفاته في القرآن الكريم. والآية التي معنا اليوم هي تعطينا صفة من صفات إبليس: أنه ليس صريحًا مباشرًا، يعني لا يأتي مباشرة هكذا ليقول لك اكفر، لا! بل يستدرجك شيئًا فشيئًا وخطوة فخطوة.

انظر حتى [قوله تعالى]: اتباع خطوات الشيطان، خطوة فخطوة وليس فجأة.

الفرق بين الوعد والأمنية في أسلوب الشيطان في الإغواء

فيقول [الله سبحانه وتعالى في وصف الشيطان]: يعدهم ويمنّيهم.

فما الفرق بين الوعد وبين الأمنية؟

يعدهم ويمنّيهم: الوعد بأن يعدهم بأن يحقق لهم شيئًا أو مكسبًا أو مصلحة. لكن الأمنية هي ما لم يَعِد فيها بشيء، وإنما خدع أعينكم بها فحسب.

أما الوعد فهو أقوى؛ لأنه يقول لك: سأفعل لك كذا، ماذا تريد؟ سأنفّذ لك مصالحك. لكن الأخرى [الأمنية] لم يقل سأنفّذ أو أي شيء، [بل] قال لك: على فكرة، لو سرت في هذا الطريق ربما ترى في نهايته شيئًا يجعل هذا الأمر يلمع في عينيك.

الأمنية سراب يخدع الإنسان فيترك طريق الله وراء بريق زائف

فسيادتك ببساطة تامة تترك الله وتترك طريقه وتذهب إلى هذا الشيء البرّاق على سبيل الأمنية، وفي النهاية يتبيّن أنه سراب.

فإذا كان هذا ظاهرًا وليس حقيقة، فالشيطان يقوم بعملية فيها إغراء: يعدهم ويمنّيهم، يصبح كذبًا وإغراءً.

توزيع المسؤولية بين الشيطان والإنسان في الوعد والأمنية

لنحفظ إذن: يعدهم ويمنّيهم، يصبح الشيطان كذّابًا، والشيطان يقوم بالإغراء؛ ما وعد بشيء وإنما هو إغراء، هكذا جالس طوال النهار يُغري بك.

﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]

فأما الإغراء فقال: لا، إن الوعد مسؤوليته الأولى على الشيطان الذي كذب، والمسؤولية الثانية عليك أنت الذي صدّقت. لكن الأمنية المسؤولية الخاصة بك الأولى، والمسؤولية الثانية الخاصة به هو.

مسؤوليتك أنت الأولى أنك انخدعت في البريق، ومسؤوليته هو الثانية أنه هو عمل البريق هذا.

خلاصة ترتيب المسؤولية في الوعد والأمنية والمسؤول الأول عن كل منهما

فيبقى إذا: يعدهم — هذه مسؤوليته [أي الشيطان] الأولى ومسؤوليتك الثانية. ويمنّيهم — فتبقى مسؤوليتك الأولى ومسؤوليته الثانية. ولذلك أخّرها [الله في الآية].

﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]

فماذا عن الأمنية؟ أنت المسؤول عنها؛ إذن ما دمت المسؤول الأول [عن الانخداع بالأمنية فعليك الحذر منها].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.