سورة النساء | حـ 767 | 120 - 121| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 767 | 120 - 121| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • يتحدث القرآن في سورة النساء عن وعود الشيطان الكاذبة لأتباعه ومصيرهم جميعاً إلى جهنم دون محيص.
  • يرى أهل السنة والجماعة من الأشاعرة أن النار والجنة مخلوقتان وموجودتان الآن، مستدلين بحديث الإسراء والمعراج ورؤية النبي ﷺ لهما.
  • هناك خلاف بين المسلمين حول وجود النار والجنة حالياً، لكن هذه المسألة لا ينبغي أن تكون حاجزاً بين الخلق والخالق.
  • جماهير أهل السنة والجماعة على أن النار والجنة خالدتان أبداً.
  • قصة شخص كان ملحداً رأى أولاً أن القرآن عنيف، ثم جاءه خاطر حول التوازن في جسم الإنسان وأن القرآن متوازن بين الترغيب والترهيب.
  • أدرك هذا الشخص التوازن في القرآن بين الرحمة والشدة، فأسلم وحسن إسلامه حتى صار من الفقهاء.
  • القرآن كتاب متكافئ مع الكون، لكنه من عالم الأمر والكون من عالم الخلق.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

وعد الشيطان لأتباعه بالغرور ومصيرهم في جهنم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى -وهو يتحدث عن الشيطان وأتباعه- في قوله تعالى:

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]

فيقول [الله سبحانه وتعالى] واصفًا لهؤلاء جميعًا: للشيطان ولمن وعدهم فصدقوا وعده، ولمن منّاهم فاتبعوا أمنيته، وإن اكتشفوا في الحياة الدنيا قبل الوفاة أو اكتشفوا يوم القيامة غرور ما وعد به الشيطان ومنّاه:

﴿أُولَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: 121]

عقيدة أهل السنة في وجود النار والجنة الآن وأدلتهم على ذلك

يبقى إذا الشيطان وأتباعه في النار، والنار خلقها الله سبحانه وتعالى وجعلها تظهر في الآخرة. وأهل السنة والجماعة على أن النار مخلوقة الآن.

ونحن نتكلم الآن: هل هي [النار] موجودة الآن بعون الله تعالى وأمره وخلقه، أم ستوجد يوم القيامة؟! خلاف بين مفكري المسلمين، لكن أهل السنة والجماعة من الأشاعرة يرون بأدلة كثيرة مستفيضة أن الجنة وأن النار موجودتان الآن ونحن نتكلم الآن.

ومن الأدلة التي استدلوا بها حديث الإسراء والمعراج: وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عُرج به إلى السماء رأى النار ورأى أهوالها ورأى من فيها، ثم جاءنا يحذر من ذلك. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا رأى الجنة وظهر له منها ما أخبرنا عنه أو عن بعضه صلى الله عليه وسلم.

الخلاف في وجود الجنة والنار الآن وموقف أهل السنة الراجح

والأدلة كثيرة في هذا، لكن ليس هناك اتفاق بين كل المسلمين على أن النار والجنة مخلوقتان الآن؛ هناك محل خلاف.

يعني لو كان شخص متعب في عقله وغير قادر على أن يستوعب أن النار والجنة غير موجودتين [الآن]، نقول له: والله هذا مذهب أهل السنة، هذا الراجح، هذا الأكثر دليلًا. لكن يعني ما دامت أرهقت عقلك هكذا، وستسلم أم أنك مسلم ولكن بشرط ألا تكون الجنة والنار موجودتين الآن؟ حسنًا فلتكونا غير موجودتين الآن.

ولكن في الحقيقة هما موجودتان، أي بيني وبينك، أي أن هذه من المسائل التي لا نقف عندها كثيرًا، ولكن إذا كنا سنحقق بطريقة علمية، لا، هي موجودة؛ النار موجودة والجنة موجودة.

هل النار ستفنى أم تبقى خالدة وموقف جماهير أهل السنة

كذلك النار: هل ستفنى أم النار لن تفنى؟ جماهير أهل السنة والجماعة وجماهير المسلمين على أن النار خالدة فيها خالدة أبدًا، وأن الجنة خالدة أبدًا.

فجأة واحد قال: والله أنا لست أريد أن أسلم. لماذا؟ كفى الله الشر! قال: والله أنتم تقولون أن النار التي سيدخلها لن يخرج أبدًا وستخلد فيها. فقال له أحدهم: لكن في رأيي أن النار ستفنى. فقال له: هذا الرأي جميل. فقال له: إذن، لماذا لا تسلم وتأخذ بهذا الرأي؟

إذن الدين واسع أوسع منا، أما حكاية أنها تفنى أم لا تفنى فسنرى يوم القيامة ما سيحدث.

الرد على من أزعجه خلود النار بأن الله رحيم وعقيدة أهل السنة في بقاء الجنة والنار

يوم القيامة سنرى هل ستفنى أم لا تفنى. نحن نعتقد كذلك في عقولنا أنها لن تفنى وأننا خالدون فيها أبدًا.

الذي أزعجته هذه النقطة كثيرًا يقول لك: إن ربنا رحيم فكيف ستبقى [النار] على هذا الحال دائمًا؟ نعم، يوم القيامة ستشاهد أن ربنا رحيم فعلًا، وأن ربنا سبحانه وتعالى يحبنا، إن ربنا سبحانه وتعالى بدأ رسالته:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

فالجواب هكذا: ما هو من بدايته شيء جميل، يعني أنا أحبك.

فإذن القضية [التي ينبغي التركيز عليها]: لا نريد ما يختلف فيه بين المسلمين أن يقع حجابًا بين الخلق والخالق؛ فالأمر الذي هو مختلف فيه اتركوه، والأمر المتفق عليه لنتمسك به. أحيانًا الإنسان لا يعرف الخلاف يصمم على ما يعرف هذه القضية.

لكن عقيدتنا أن الجنة باقية وأن النار باقية وأنهما موجودتان الآن ومن الآن وهكذا.

معنى المأوى والمحيص في الآية وانعدام المفر يوم القيامة

﴿أُولَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ﴾ [النساء: 121]

مصيرهم، أي نهايتهم، سائرون في طريق نهايته -المأوى الذي سيسكنون فيه- جهنم.

﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: 121]

طريق اتجاه واحد ليس فيه مفر. لا بد -لا بد من مفر- لا بد يعني: لا مفر، لا بد: لا محيص.

إذا لا يستطيع أحدهم يوم القيامة أن تكون له إرادة مستقلة عن إرادة الله سبحانه وتعالى.

﴿أُولَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: 121]

ولا يجدون طريقًا آخر يسيرون فيه، وهذا فيه قهر شديد للإنسان أن يُرغم على شيء هو يكرهه، ما يراه من جهنم ويرى اشتعالها وحرارتها وبلاياها.

الحكمة من الوعيد بالنار ودفع الناس إلى التوبة والإيمان

لكن ستذهب، ستذهب [إلى جهنم]؛ فلماذا هذا الوعيد يدفع الناس؟ يدفعهم إلى أن يرجعوا بسرعة هنا [إلى الإيمان والطاعة]؛ لأن معك الاختيار وتستطيع، وقد هداك الله النجدين أن تؤمن وترجع.

كان أحد الأشخاص ممن التقينا به كان ملحدًا، ثم إنه جلس يدرس الأديان، فلما جاء إلى الإسلام قرأ القرآن بلغته -أي معاني القرآن قرأها-. وبعد ذلك قال: إن هذا القرآن يبدو أنه عنيف جدًّا، عنيف؛ يتحدث عن النار وعن العذاب والمهين والأليم والعزيز وما إلى ذلك، وعن أن الذين يأتون لقتالنا نقاتلهم.

مقارنة الملحد بين الإسلام وأديان أخرى واعتراضه على ما رآه عنفًا

بخلاف أديان أخرى تقول لنا: اتركوا الأمر لله، يستعمر بلدك فاتركها له، والذي يأتي ليضربك على خدك امضِ حتى لا يضربك مرة أخرى واتركها هكذا مستورة.

لكن هذا [القرآن] لا، ففي هذا شيء أنا لست راضيًا عنه. [ثم] يُذكر له أنه نام فجاءه في المنام وهو نائم خاطر يتعلق بما اكتشفه أهل الطب القديم من التوازن في جسم الإنسان، أي أن جسم الإنسان متوازن في السالب والموجب.

وإذا كان في توازن فإنه يسير في صحته، وإن لم يكن في توازن فإن هناك مرضًا؛ إما بالزيادة وإما بالنقصان. علم الطب يعيد التوازن الخاص بالجسم.

اكتشاف التوازن بين الترغيب والترهيب في القرآن وإسلام الملحد

خطر في باله هذا المعنى، فقال: لعل الله جعل في القرآن ما يدل على شدة، قصده التوازن؛ فذهب قائمًا يقرأ القرآن مرة أخرى.

فأول ما فتح ماذا وجد؟!

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

ما هذا؟ يقول لي: بسم الله الرحمن الرحيم! وجلس يقرأ بهذه الفكرة: فكرة الكون المتوازن والكتاب المتوازن الذي يقع فيه الأمر بين الترغيب والترهيب، كما يقع الأمر في الكون بين الإيجاب والسلب.

فأسلم وحسن إسلامه وتمكن فيه جدًّا حتى صار من فقهائه. فالحمد لله رب العالمين.

القرآن كتاب مكافئ للكون من عالم الوحي والأمر

فتدبروا القرآن على أنه هو الكتاب المكافئ لهذا الكون، إلا أنه من عالم الوحي من عالم الأمر، وهذا الكون من عالم الخلق من عالم الوجود كما أراده الله سبحانه وتعالى.

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.