سورة النساء | حـ 768 | 122 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يصف الله في سورة النساء منهجه للمؤمنين ويبين مصيرهم: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا".
- •الناس طائفتان: طائفة تتبع الشيطان مأواها جهنم، وطائفة تتبع الرحمن مصيرها الجنة.
- •المؤمنون قاوموا أربعة أعداء: النفس والهوى والدنيا والشيطان.
- •الفرق بين وسوسة الشيطان والنفس أن الشيطان يلقي الوسوسة مرة ثم ينصرف، أما النفس فتأمر بالسوء باستمرار.
- •النفس أشد خطراً من الشيطان، فهي ملازمة للإنسان وتأمره بالسوء مراراً.
- •ينبغي الانتباه للوقف الصحيح عند قراءة القرآن؛ فالوقف الخاطئ يغير المعنى، كالوقف عند "تجري" في الآية المذكورة.
- •معنى "تجري من تحتها الأنهار" يشير إلى علو الجنة، فهي على مكان مرتفع.
- •الأنهار في الجنة متعددة: من لبن وخمر وعسل مصفى وماء.
- •وعد الله حق، ولا أحد أصدق منه قيلاً.
مقدمة تلاوة آية الوعد بالجنة للمؤمنين من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يصف حال المؤمنين ويؤكد عليهم منهجه [منهج رب العالمين] ابتداءً وانتهاءً:
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]
لا أحد أصدق من الله قيلًا.
المقابلة بين فئة المؤمنين وفئة أصحاب جهنم في سورة النساء
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [النساء: 122] هي في مقابل هذه الفئة التي تكلم عنها [الله سبحانه وتعالى] في الآية السابقة:
﴿أُولَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: 121]
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [النساء: 122]
إذن هناك طائفتان: طائفة اتبعت الشيطان وطائفة اتبعت الرحمن؛ حزب الشيطان وحزب الرحمن.
أعداء المؤمن الأربعة التي يجب مقاومتها: النفس والدنيا والشيطان والهوى
الذين اتبعوا الرحمن قاوموا أربعة أشياء:
- قاوموا هواهم.
- وقاوموا شهوتهم.
- وقاوموا الدنيا.
- وقاوموا الشيطان.
إذن فالنفس والدنيا والشيطان والهوى، هذه هي أعداؤك الأربعة.
الفرق بين وسوسة الشيطان وحديث النفس وكيفية التمييز بينهما
والفرق بين الدعوة التي يدعو إليها الشيطان والدعوة التي تدعو إليها النفس، أن الشيطان يدعوك مرة واحدة؛ لأنه خنّاس يُلقي في بالك شيئًا ويأخذ نفسه وينصرف.
فلو رأيت نفسك تحدثك بالمعصية ثم بعد ذلك انصرف عنك هذا الخاطر، فهذا من الشيطان ألقاه ثم لما لم تستجب له أخذ نفسه وانصرف.
إما أنك كنت تتوضأ، وإما أنك كنت تردد الأذان وراء المؤذن، وإما أنك كنت تصلي على النبي ﷺ، وإما أنك سبحان الله كنت قمت فصليت ركعتين، وإما أنك انشغلت بأمور عمارة الدنيا فنسيت المعصية.
وبعد ذلك وجدتها لم ترجع مرة أخرى، [فتقول]: والله لقد كنت أفكر أن أفعل المصيبة الفلانية، لكن الآن فلست أريد [ذلك]. نعم؛ لأن هذا من الشيطان.
خطورة النفس الأمارة بالسوء وأنها أشد على الإنسان من الشيطان
أما الذي هو من النفس فهو يعود عليك مرة أخرى؛ لأن نفسك بين جنبيك، ستذهب منها إلى أين؟ ففي كل حين:
﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]
أمّارة على وزن فعّالة وهذا يعني صيغة مبالغة، يعني تأمر المرة تلو المرة والمرة بعد المرة. فإذن النفس تأمر وتستمر في الأمر بالسوء.
لكن الشيطان مسكين يوسوس مرة واحدة ويهرب، فتبقى نفسك أشد عليك من الشيطان. وهذا من رحمة ربنا:
﴿إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]
وإنما أنت من تراقب نفسك.
بيان الوقف القبيح في القرآن وأثره في تغيير المعنى عند قوله تجري
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [النساء: 122]
كان مشايخنا ونحن نقرأ عليهم القرآن يخبرك عن وقف يُسمى الوقف القبيح الذي يُغيّر المعنى. فتجد مثلًا أحدهم يقول لك: «سندخلهم جنات تجري»، لا! فالجنات لا تجري.
إنك لو وقفت عند «تجري» فإن الجنات تجري، والجنات لا تجري، إنما تجري من تحتها الأنهار؛ الأنهار هي التي تجري.
فاعلم أنه عندما تقف هذا الوقف، ماذا يسمونه؟ إنه الوقف القبيح، يعني وقف غير طيب. وكانوا قديمًا يضعون علامة في المصحف هكذا: «طب» أي وقف طيب، فهذه اختصار لماذا؟ «طيب» تجدها في المصاحف العثمانية القديمة.
ولكن الذي يُضاد الطيب ما هو؟ القبيح. «سندخلهم جنات تجري»، فهل الجنات تجري؟ القصور التي في الجنة وما إلى ذلك، الجنة مستقرة.
حكم الوقف الذي يغير المعنى وجواز الوقف عند انقطاع النفس
ولذلك لا يُستحسن أبدًا أن تقف عند شيء يُغيّر المعنى، بل يجب أن تصل إلى ما بعده.
قالوا: إلا إذا كان [الوقف] بسبب انقطاع النفَس، فنفسك انتهى ولم تعد قادرًا، فماذا نفعل؟ لا بأس، وتأتي بها مرة أخرى. أي: «والذين آمنوا والذين عملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري» - انتهى، انتهى نفسي - لا يوجد [مشكلة].
إذن «تجري» [ثم تُعيد فتقول]: «سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار»، حتى يكون «تجري» مُسندًا إلى الأنهار وليس مُسندًا إلى الجنة.
فن الوقف والابتداء في القرآن ومصدره من اجتهاد العلماء والمفسرين
وهكذا أبدأ في فن البدء والوقف والابتداء: متى تبدأ ومتى تقف؟ يجب أن تراعي المعنى.
فالوقف والابتداء ليس موروثًا عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من رأي القارئين من أهل الله وأهل القرآن والمفسرين؛ هم الذين قالوا لنا: تقف هنا أفضل. ومن هنا جاءت قضية الوقف والابتداء.
دلالة قوله تعالى تجري من تحتها الأنهار على علو الجنة وجمال موقعها
«سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار»، حسنًا فهذه فيها جزءان:
الجزء الأول: أن الجنة عالية؛ لأن هذه «تحت»، إذن أنت على تلة مرتفعة وترى ماذا؟ الأنهار تجري من تحتها. إذن الجنة هذه على شيء عالٍ.
هكذا هو عندما تأتي لتتأمل في الكون، تجد أحسن الأماكن السكنية ما كانت على تلة عالية؛ الهواء إذن والشمس، وأنها تكون نقية، وأنه يكون كذلك فيها فُسَح أمامك.
ومن تحتها الأنهار جميعًا، لم يقل نهر واحد؛ لأنها أربعة أنهار: لبن وخمر وعسل مصفى ومياه.
وعد الله حق وأثر الإيمان بصدق الله في سلوك المؤمن وختام الحلقة
وعد الله حقًّا فلا تتردد فيه؛ لأن هذا [الوعد] هو الذي سيتحكم في سلوكك ويجعلك تؤمن بالله حق الإيمان.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]
لا يوجد أحد، لا أحد. والله سبحانه وتعالى أمر بالصدق ونهى عن الكذب.
وفي حلقة أخرى نتحدث عن الصدق والكذب باعتباره صفة من الصفات التي أسندها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه.
فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
