سورة النساء | حـ 769 | 122 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 769 | 122 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • يؤكد الله تعالى في سورة النساء أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة، بل لابد أن يقترن بالعمل الصالح.
  • الإسلام لم يكتف من المؤمنين بالتصديق القلبي فقط، بل لابد من العمل بالأركان، فالإيمان قول واعتقاد وعمل.
  • العمل الصالح شرط أساسي يدفع المسلم بعد إيمانه إلى طريق الجنة، وهو مؤشر لسلامة الإيمان.
  • لم يذكر الله الإيمان في القرآن كموجب لدخول الجنة إلا وذكر معه العمل الصالح.
  • قوله تعالى "سندخلهم" يشير إلى أن الجزاء قد يؤخر، وأن الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء.
  • دخول آدم الجنة كان دخول تشريف لا تكليف، ومخالفته لم تكن معصية شرعية بل مخالفة أخرجته من الجنة لعمارة الأرض.
  • الجنة درجات متفاوتة، منها جنة عدن والفردوس الأعلى وجنة المأوى، وبين كل درجة وأخرى مسيرة خمسمائة سنة.
  • أقل شخص في الجنة له مقدار عشرة أمثال الأرض.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

وعد الله للمؤمنين العاملين الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، يقول:

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]

الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة بل لا بد من العمل الصالح معه

وفي هذه الآية يقرر الله سبحانه وتعالى علينا أن الإيمان وحده لا يُدخل الجنة في ذاته، وإنما لا بد أن ينضم إليه العمل الصالح. وهو أمر مقرر في الشريعة الإسلامية وفي كتاب الله من أوله إلى آخره، وفي سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

أن الإسلام لم يكتفِ من المؤمنين بالكلام ولا بتصديق الجنان، وإنما لا بد من العمل بالأركان؛ فالإيمان قول واعتقاد وعمل.

العمل الصالح شرط يدفع المسلم إلى طريق الجنة بعد الإيمان

ومعنى هذا أن العمل وإن كان هو فوق الإيمان، وإن كان هو غير الإيمان، إلا أنه شرط من الشروط التي تدفع المسلم بعد إيمانه بالله وتصديقه، تدفعه إلى طريق الجنة.

إذا كان هذا مقررًا، وأن أناسًا قد غرّهم بالله الغرور الشيطاني يقولون: نحن نحسن الظن بالله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. والعمل إنما هو مؤشر لسلامة الإيمان؛ لأن الإيمان يقتضي من العبد أن يقول:

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

توقف العمل الصالح دليل على خلل في الإيمان كتوقف عقرب الساعة

فإذا لم يقل ذلك [أي: سمعنا وأطعنا] وقال: سمعنا وعصينا، أو قال: سمعنا ولم نعمل، فإن في إيمانه خللًا وفي إيمانه بذلك شكًّا.

ولذلك فإذا رأيت الساعة وقد توقف عقربها، فإنك تستدل بذلك على خراب قلبها. وكذلك نستدل بخراب الأعمال على خراب الإيمان.

القرآن لم يذكر الإيمان موجبًا لدخول الجنة إلا مقرونًا بالعمل الصالح

وهنا يؤكد الله سبحانه وتعالى كما أكد ذلك مرات كثيرة، بل وفي كل القرآن، بل إنه لم يذكر الإيمان كموجب لدخول الجنة إلا وذكر معه العمل الصالح:

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾ [النساء: 122]

وكلمة «سندخلهم» كلمة تجعل الجزاء قد يُؤخَّر، وقد لا يُؤخَّر إلى يوم الدين. وأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذه الدار [الدنيا] دار جزاء، بل جعلها دار ابتلاء وجعلها اختبارًا وجسرًا يتوصل به الإنسان إلى آخرته.

فإذا أحسن في الدنيا أحسن الله إليه في الآخرة، وإذا أساء في الدنيا فإنه بين رحمة الله وعقابه؛ إن شاء رحمه وإن شاء عذبه.

الفرق بين دخول آدم الجنة تشريفًا ودخول المؤمنين جزاءً على التكليف

يعني [أن الله] جعل إدخال الجنة مسندًا إلى المستقبل: «سندخلهم»، وهذا الدخول هو دخول جزاء لا دخول اطلاع.

ولذلك فإن آدم وحواء قد أدخلهما الله الجنة، لكنه ليس دخول جزاء على تكليف التزماه، بل هو دخول تشريف لا تكليف. ولم يكن آدم في الجنة مكلفًا، بل كان كشأن الصبي الصغير في حياتنا الدنيا؛ فأنت قد تأمره بشيء أو تنهاه عن شيء، لكنه لم يدخل في دائرة التكليف الشرعي الذي يترتب عليه الجزاء الأخروي أو الثواب الأخروي والعقاب الأخروي.

عصيان آدم في الجنة كان مخالفة تشريف لا معصية شرعية لأن الأنبياء معصومون

ولذلك فإن آدم لما عصى الله سبحانه وتعالى وأكل هو وزوجته من الشجرة في الجنة، فإنه لم يقع في معصية شرعية، بل إنه قد وقع في مخالفة استوجبت إخراجه من الجنة لعمارة الأرض.

ولذلك لا يصح أن نقول إن آدم قد وقع في معصية في نبوته مثلًا؛ فإن الأنبياء في حالة عصمة من الخطأ الشرعي والمعصية الشرعية. وإن كان يُطلق على ذلك في اللغة أنه عصيان لأن فيه مخالفة.

فآدم كان نبيًّا معصومًا من المعصية، إلا أن ما وقع فيه من عصيان كان عصيانًا يُخرجه عن التشريف، لا عصيانًا بعد دخوله في التكليف. فتنبه في الفرق بين ذلك حتى تستقيم العقيدة كلها.

الجنة جنات متعددة ومراتب مختلفة من عدن إلى الفردوس الأعلى

«سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار»، إذن فالله سبحانه وتعالى قد وعدنا بجنات قد تشملها جنة واحدة، لكنها جنات مختلفة:

  • فهناك جنة عدن.
  • وهناك الفردوس الأعلى.
  • وهناك جنة المأوى.
  • وهناك جنات متعددة ومختلفة.

والله سبحانه وتعالى جعل الجنة مراتب؛ وجعل فيها أعلى، وجعل فيها أوسط، وجعل فيها أدنى.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال ولو كان محقًّا» رواه أبو داود

وربض الجنة هو أوسطها أو هو ربوة عالية فيها. فنهى [النبي ﷺ] عن الجدال، وجعل مكان من ترك الجدال ولو كان محقًّا لوجه الله هو ربض الجنة أي أوسطها أو أعلاها.

أقل أهل الجنة منزلة له عشرة أمثال ملك أهل الأرض والجنة درجات

فالجنة درجات؛ أقل شخص فيها له مقدار عشرة أمثال الأرض. أقل واحد فيها، الذي هو داخل بالملحق -يعني داخل على الحركرك- له عشرة أمثال ملك أهل الأرض.

فبالله عليك، عندما يكون لك عشرة أمثال ملك أهل الأرض ماذا ستفعل فيها؟ هذه لا تفعل فيها كثيرًا، ولكن هذا أقل ما فيها.

وهي درجات وغرف، وهي بعضها فوق بعض، وبين الدرجة والأخرى مسيرة خمسمائة سنة.

وعد الله حق ثابت لا يتخلف ولا أصدق من الله قيلًا

ووعد الله حق ثابت لا يتخلف.

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]

لا أحد [أصدق من الله]. فإن الله سبحانه وتعالى قد منّ علينا بهذا الطريق الواضح؛ تكليفًا في الدنيا وتشريفًا في الآخرة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.