سورة النساء | حـ 770 | 123 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 770 | 123 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص في سورة النساء كيفية الاجتماع البشري ووضع قواعده تحت كلمة الله سبحانه وتعالى.
  • ينبه الله تعالى في قوله "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب" إلى مسألة إطلاقية المعيار في تحديد الحسن والقبيح والحق والباطل.
  • مصالح البشر نسبية ومتعارضة، فما يراه شخص نافعاً قد يراه آخر ضاراً، مما يستدعي الحاجة لمعيار مطلق.
  • المجتمع الذي يترك نفسه للنسبية المطلقة يصل إلى الفوضى والعبث وأكل أموال الناس بالباطل.
  • الله سبحانه وتعالى وضع المعيار المطلق عبر نظام قيمي أخلاقي ثابت عبر الزمان والمكان.
  • العدل من القيم المطلقة التي أمر الله بها، فقال: "من يعمل سوءاً يجز به" دون تفريق بين الناس.
  • أكد العلماء أن الحاكم الكافر العادل أولى عند الله من المسلم الظالم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة.
  • دعوة المظلوم مستجابة عند الله حتى لو كان كافراً.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة سورة النساء ورسم طريق الاجتماع البشري تحت كلمة الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يرسم لنا الله سبحانه وتعالى طريق الاجتماع البشري بالتفصيل، وكيف نضع القواعد الضابطة لهذا الاجتماع، وكيف يكون في طريق الله، وتحت كلمة الله سبحانه وتعالى، فقال:

﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 123]

إطلاقية المعيار ونسبية التحسين والتقبيح بين الناس

إذن، فهو [الله سبحانه وتعالى] يُنَبِّه على مسألة اجتماعية خطيرة، وهي إطلاقية المعيار؛ معيار التحسين والتقبيح: ما الشيء الحسن وما الشيء القبيح؟ معيار الحق والباطل: ما الحق وما الباطل؟ معيار الخير والشر: ما هو الخير وما هو الشر؟

فإن مصالح قوم عند قوم مفاسد، ومصالح قوم عند قوم مصائب، ومصائب قوم عند قوم فوائد، وهكذا.

فما وصف هذا العمل؟ فإنه نسبي، وما دام نسبيًا فإنه يحتاج إلى المعيار المطلق.

مثال على نسبية الأحكام بين النفع والضرر في أخذ المال

قد أقول لك إن هذا العمل قد آذاني، فتَرُدُّ عليَّ: ولكنه قد نفعني، فهل هو نافع أم ضار؟

تصور أن أحدهم قد أخذ مالًا من أحدهم بغير وجه حق، فالذي أخذ استفاد، والذي أُخِذَ منه قَلَّ ونقص. فيقول الذي استفاد: هذا شيء طيب، ويقول الذي أُخِذَت منه: هذا شيء خبيث.

إلا أن الآخذ في هذه الحالة سرق هذا، والمأخوذ منه مسروق منه. وفي صورة أخرى، أخذ هذا الشيء يكون حقًّا له؛ لأنه قد باع واشترى، وهذا أُخِذَ منه الشيء؛ لأنه قد حصل على السلعة.

الله سبحانه وتعالى هو الذي يقوّم الأفعال ويضع المعيار المطلق

فمَن الذي يقول إنَّ السرقة خير أو شر؟ ومَن الذي يقول إن البيع والشراء خير أو شر؟ إن الذي قَوَّمَ ذلك هو الله سبحانه وتعالى.

وعلى ذلك، فلا بد للمجتمع من معيار مطلق يحكم بين الناس بالعدل. والمجتمع الذي يترك نفسه للنسبية المطلقة فإنه يصل إلى حد الفوضى، ثم العبث، ثم أكل مال الناس بالباطل، وتَعَرُّض الأرواح للهلاك، والفساد في الأرض، ثم التدمير لا التعمير.

خطورة النسبية المطلقة وضياع الحق والباطل بدون معيار إلهي

إذا لم يكن هناك معيار مطلق، فإننا نصل إلى النسبية المُطْلَقة، وإذا وصلنا إلى النسبية المُطْلَقَة، فليس هناك حق وباطل، بل إن الكون كما تراه؛ فإذا رأيت هذا حقًّا فهو حق، أو هو باطل فهو باطل، وتَعُمُّ الفوضى.

فيقول ربنا سبحانه وتعالى، بعد أن سَلَبَ منا وضع المعيار، وجعله معيارًا مطلقًا عبر الزمان والمكان، يسير على رقابنا وعلى رقاب أجدادنا وعلى رقاب أحفادنا، بنظام قِيمِيٍّ خُلُقيٍّ، ينتسب إلى أحكام ثابتة عبر الزمان والمكان، مهما اختلفت الأشخاص والأحوال.

معنى ليس بأمانيكم وسلب حق وضع المعيار من البشر

فيقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 123]

بمعنى أنه قد سلب منا وسلب من الآخرين أن نضع المعيار [بأنفسنا]. وصارت هذه الكلمة على ألسنة المسلمين عبر التاريخ دالة على هذا المعنى: أن الحق أحق أن يُتَّبَع، وأنه ليس بأيدينا شيء، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن كلام الله هو على رقابنا وعلى رؤوسنا وعلى أعيننا، مهما كان مخالفًا لمصلحتنا، أو لهوانا وشهوتنا، أو لضيق أفقنا وأحوالنا الآنية.

حكم الله يطمئن القلوب لأنه خالٍ من الغرض والشهوة

ولذلك فإننا لا نشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا، فإن مراد الله من خَلْقِهِ، وإنَّ حُكْمَ الله سبحانه وتعالى أَطْمَنُ لقلوبنا؛ قلوبنا تطمئن لأنه ليس فيه غرض ولا غاية ولا شهوة ولا منفعة، بل إنه يحكم بالحق سبحانه وتعالى:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [المُلك: 14]

إذن فعلينا هنا أن نتأكد من هذا المعنى الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة، وأن نجعل مثل هذه الآيات مفهومة في سياقها وسباقها، وفي مُجمَل عقيدة المسلمين.

الآية تحرير للعقل من الهوى ومعنى من يعمل سوءًا يُجزَ به

﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 123]

هو تحرير للعقل البشري من الهوى، وتحرير للإنسان من الشهوة، وتحريره من الظلم، ومن التحيز الغبي الذي قد يودي به وبدينه وبدُنياه.

ما الحق؟ يقول تعالى:

﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]

أي مَن؟ سواء كان منكم أو من أهل الكتاب، سواء كان قد ادَّعى الإيمان، أو أنه لم يَدَّعِ الإيمان.

دلالة كلمة مَن على العموم في الآية وعدم التفريق بين الناس

«مَن» هذه كلمة في اللغة العربية ذكرنا مرات أنها للعموم:

﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]

من هذا؟ أي فرد هذا؟ هذا «مَن» يُقصَدُ بها أي فرد أو أي شخص من غير شرط؛ من يعمل سوءًا يُجزَى به، أي بسببه.

﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]

إذن العدل لا يُفَرِّق بين الناس.

أمر الله بالعدل المطلق حتى مع ذوي القربى والأقرباء

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

أي لا بد عليك أن تعدل ولو كان ذا قُربى، وبعهد الله أوفوا، حتى لو كان هذا من أقربائك وممن يجب عليك أن تكون منحازًا لهم بأصل الاجتماع البشري، إلا في مسألة العدل وإطلاق القيم والأخلاق فلا بد عليك أن تعدل، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

الحاكم الكافر العادل أولى عند الله من المسلم الظالم

ومن هنا قرر علماء المسلمين، ويكادون يتفقون على ذلك؛ أن الحاكم إذا كان كافرًا عادلًا فهو أولى عند الله من المسلم الظالم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

وإنه ليس بين المظلوم في دعوته وبين الاستجابة من الله حجاب، فلو دعا المظلوم ولو كان كافرًا استجاب الله له.

قيمة العدل العليا التي يربي بها الله المسلمين والناس أجمعين

إذن فهذه قيمة عليا يُرَبِّي بها الله سبحانه وتعالى الناس أجمعين، خاصةً المسلمين الذين يؤمنون بهذا الدين:

﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 123]

حتى صار ذلك من أمثالهم ومن مضرب قولهم في هذا المقام.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.