سورة النساء | حـ 771 | 124 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 771 | 124 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • يقرر القرآن في سورة النساء مبدأ المساواة في تقييم الأعمال، فيقول تعالى: "وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا".
  • ينفي الله التحيز بسبب الدين أو الجنس، فالحق والعدل معياران مطلقان للجميع في الدنيا.
  • في الآخرة، الشرط هو الإيمان والعمل الصالح بغض النظر عن الجنس، عكس حضارات ميزت الذكور ووأدت البنات أو رفعت الإناث لمرتبة الآلهة.
  • "لا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" تعبير عن عدم الظلم ولو بشيء صغير كالنقير وهو الشق في نواة التمرة.
  • ورد حديث صاحب السجلات (البطاقة) حيث رجل كثير المعاصي، لكن بطاقة شهادة التوحيد رجحت بإخلاصه رغم سجلات معاصيه.
  • العمل وقيمته يرتبطان بالنية والإخلاص، مصداقاً لحديث "إنما الأعمال بالنيات".
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية المساواة في العمل الصالح من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]

نفي التحيز بسبب الدين في الاجتماع البشري وإقرار العدل للجميع

الله سبحانه وتعالى يستمر في إقرار الإطلاق في القيم، بغض النظر عن كل جهة من الجهات التي قد يتصور الإنسان أنها تسبب شيئًا من التحيز.

فإنه قد نفى التحيز فيما بين المسلمين وغير المسلمين؛ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، فإن الحق حقٌّ وإن العدل عدلٌ، سيكون الحق والعدل على الجميع، لا تفرقة بسبب الدين.

نفي التفرقة بسبب الجنس في الدنيا والآخرة وشروط كل منهما

ثم بعد ذلك يقول:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ [النساء: 124]

يعني نفيَ التفرقة بسبب الجنس من هنا. إذن ففي الأولى نفيُ التفرقة في الاجتماع البشري في الدنيا بسبب الإيمان والعقيدة، ثم نفى التفرقة بعد ذلك بسبب اختلاف الجنس في الآخرة.

حتى في الآخرة ليس هناك اختلاف، إنما هناك شروط: أن تكون مؤمنًا؛ لأن الآخرة إنما هي دار ثواب، وعلى ذلك فلا بد من الإيمان.

نفي التحيز للذكر ضد الأنثى أو العكس في الحضارات المختلفة

ولكن أين التحيز وأين نفي التحيز؟ إنه ينفي التحيز للذكر ضد الأنثى أو للأنثى ضد الذكر.

فإن هناك حضارات قامت فميّزت الذكور ووأدت البنات، وهناك حضارات ميّزت الإناث حتى علت بهن إلى مرتبة الآلهة، وجعلت الآلهة المعبودة من الإناث، وجعلت الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وأعلت من الأنثى بضدية الذكر.

وهناك من أعلوا الذكر بضدية الأنثى، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]

تكوين العقل المسلم بالتمسك بالمطلق والفرق بين الشروط والتحيز

استمرار في تكوين العقل المسلم بالتمسك بالمطلق وعدم التحيز بأي سبب كان، مع مراعاة الشروط.

ففي الاجتماع البشري الشرط هو العدل وإحقاق الحق، وفي الآخرة الشرط هو الإيمان. إذن هناك فرق بين إقرار الشروط وبين التحيز؛ من أجل العقيدة في الدنيا، أو من أجل الجنس في الآخرة.

معنى النقير والذرة في التعبير عن دقة الحساب يوم القيامة

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]

هذا تعبير عربي أنهم لا يُظلمون شيئًا ولو كان هذا الشيء صغيرًا تافهًا ليس منظورًا إليه، فإنهم يحاسبون عليه ويُجازون بسببه الجزاء الأوفى.

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]

والذرة هي هذه الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، لا وزن لها أو تكاد. وقالوا إن الذرة هي مثل النملة الصغيرة، أي لا وزن لها أو تكاد.

والنقير هو الشق الذي نراه في نواة التمرة، فالنقير هذا شيء بسيط كالخط، والخط في المساحة لا يشغل حيزًا، أي لا نقول كم سمك الخط، فليس له شيء وإنما هو على رأس القلم خطٌّ، فليس له سمك، يعني كأنه لا شيء وإن كان موجودًا.

معنى عدم الظلم نقيرًا وأن الله لا يظلم أحدًا مهما صغر المقدار

فكذلك ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]، يعني لا يُظلمون شيئًا ولو كان على مقدار صغير جدًّا، غاية في الصغر لا يمكن قياسه كالخيط، وهناك لا يمكن قياسه بالوزن كالذرة.

وهكذا يعني لا يظلم ربك سبحانه وتعالى أحدًا، ولا يُظلم أحدهم ولو كان على مقدار نقير، شيء تافه جدًّا لكنه عند الله سبحانه وتعالى ليس كذلك [أي ليس تافهًا بل محسوب ومحفوظ].

حديث صاحب السجلات والبطاقة ومحاسبة العبد يوم القيامة

وفي الحديث أنه يُؤتى برجل يوم القيامة، وهذا الحديث يُسمى بـحديث صاحب السجلات، ثم يأتون بسجلات دُوِّنت فيها أفعاله وأعماله، وتقريبًا كلها من الأشياء السيئة.

فيقولون له: هل تنكر من ذلك شيئًا؟

فقال: لا. أي عندما يعيدون عليه ما فعل في الدنيا فيعترف به جميعًا بانكسار نفس لله؛ فعلًا حدث منه كل ذلك التقصير، وحصلت منه كل هذه المعاصي التي ملأت سجلات.

والسجلات [سجلات المعاصي] توضع في الكفة الشمال [كفة السيئات]، السجلات جعلت الميزان في غير صالحه. وهو حديث أيضًا يُعرف عند العلماء بـحديث البطاقة.

بطاقة الشهادة وثقلها في الميزان أمام سجلات المعاصي

فيقولون: هل تنكر من ذلك شيئًا؟

يقول: لا، فعلتُ كل هذا.

فيقولون: وهل فعلتَ من الحسنات شيئًا؟

فيقول: لا أتذكر، لا يوجد. قالوا: لك عندنا بطاقة. فتأتي هذه البطاقة ومكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

لأنه يبدو أنه كان قد قالها من قلبه صادقًا مخلصًا مؤمنًا، ويبدو أن هذه الشهادة كانت تؤرقه فيما يفعل، فكان ينوي دائمًا أن يترك المعاصي وأن يبدأ في الخيرات، وكان يتوجه دائمًا بقلبه إلى الله سبحانه وتعالى يخشاه ويرجو رحمته، إلا أنه كان من غير الموفقين، فكان دائمًا يكثر من المعاصي ويقع في الآثام.

تعجب الرجل من البطاقة وثقلها في الميزان بفضل الإخلاص

فالرجل يتعجب، أي جاءت على البطاقة، فما هي؟ عندما نضعها هكذا لن تفعل شيئًا! إنها سجلات وهذه قطعة بطاقة، فهي ما يعني... كأنه يقول هكذا في نفسه: لا وزن لها، يعني ماذا ستفعل قطعة ورقة صغيرة هكذا وهذه سجلات كبيرة؟ ليس لدينا شيء آخر، أمرنا لله.

فوُضعت البطاقة فثقل بها الميزان حتى طاشت — هكذا في الحديث — حتى طاشت السجلات، يعني طارت السجلات.

كل ذلك بالإخلاص:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.