سورة النساء | حـ 776 | 126 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 776 | 126 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص الآية الكريمة "ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً" من سورة النساء، التي تبين حقيقة إيمانية جوهرية.
  • يوضح أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق والرازق، بيده الإحياء والإماتة، وكل شيء في الكون بأمره وتحت سلطانه.
  • اللام في "ولله" هي لام الملك، وتفيد أن الله تعالى يملك كل ما في السماوات والأرض.
  • يفرق النص بين لام الملك ولام الاختصاص، فلام الملك تسند الأمر لمن يصلح للملك كالله تعالى.
  • كلمة "ما" في الآية تشمل كل شيء عاقل وغير عاقل، معلوم وغير معلوم.
  • تستخدم "ما" للعاقل في ثلاث حالات: عند عدم العلم، وعند الاختلاط بين العقلاء وغير العقلاء، وللتعظيم.
  • الإيمان بملكية الله للكون يؤثر في الاقتصاد والاجتماع والقانون والنفس، ويدفع المؤمن للرضا بقضاء الله وقدره.
  • يتطلب هذا الإيمان التسليم والتوكل والرضا بأمر الله وحكمه.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الملكية الإلهية من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم نلقاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾ [النساء: 126]

فهذه آية جامعة تبيّن الحقيقة الإيمانية أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق، وهو الذي يرزق، وبيده الإحياء والإماتة، وأن كل شيء إنما هو بأمره وتحت سلطانه، لا يكون في كونه إلا ما أراد، ولا يكون شيء في كونه من غير مراده سبحانه.

تعلق حقيقة الملكية الإلهية بالمجتمع الرباني والاجتماع البشري

وهذه الحقيقة الإيمانية لها أيضًا تعلّق بالمجتمع الرباني، ولها تعلّق بقاعدة يسير عليها هذا الاجتماع البشري. فلا بدّ للاجتماع البشري أن يصدّق أن الله سبحانه وتعالى يملك.

والملكية هنا تقتضي مطلق التصرف؛ فلا يتألّى على الله أحد في كونه، فعّال لما يريد، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.

معنى لام الملك في قوله تعالى ولله ما في السماوات وما في الأرض

أي هذا كله في اللام الخاصة بالملكية هذه. ﴿وَلِلَّهِ﴾، لله يعني ماذا؟ يقول لك: هذه لام الملك.

ما هي لام الملك؟ يعني يملك، الله يملك ما في السماوات وما في الأرض.

﴿وَلِلَّهِ﴾ اللام قد تكون للاختصاص عندما تُنسب للجماد، فتقول: رِجْلٌ للكرسي، اللام هنا ما هي؟ للاختصاص، يعني رِجْلٌ مختصة بالكرسي. رِجْلٌ للفرس، فتكون الرِّجْل هذه خاصة بالفرس وليست خاصة بالبقرة، اختصاص هنا. هذا الرِّجْل خاصة بالكرسي وليس خاصة بالمكتب، يسمّونها ماذا؟ لام الاختصاص.

الفرق بين لام الاختصاص ولام الملك وشرط صاحب الملكية

ما الفرق بين لام الاختصاص ولام الملك؟ لام الملك تُسند الأمر لمن يصلح للملك، بأن يكون مثلًا عاقلًا مثل الإنسان، أو أن يكون عالمًا مثل الله سبحانه وتعالى.

ولذلك اللام الخاصة بالملك يكون صاحبها قابلًا للملكية. الكرسي هذا مُلْكٌ وليس مالكًا؛ فنحن نتصرف فيه، ننقله من هنا ونضعه هناك، لا يعرف كيف يتصرف في نفسه.

ولكن من هو المالك؟ من له الملك؟ والله سبحانه وتعالى له المُلك وله المِلك؛ فله المُلك فهو يملك ما في السماوات وما في الأرض ابتداءً وانتهاءً، وله المِلك فله أن يتصرف بعلوّ في هذا كله من غير أن يُسأل؛ لأنه يتصرف في مُلكه أو في مِلكه هي.

أثر الإيمان بملكية الله للكون على الاقتصاد والقانون والنفس البشرية

﴿وَلِلَّهِ﴾ يبقى إذن لا بدّ علينا جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، أن نصدّق أن هذا الكون إنما هو لله. أو هذه ستفرّق ماذا؟ هذه ستفرّق كثيرًا.

ستفرّق كثيرًا في الاقتصاد؛ أنك ترى أن المال ملك الله وليس ملكك. ستؤثر كثيرًا في الاجتماع، ستؤثر كثيرًا في القانون؛ أن ترى أنك لا يمكن أن تخرج عن حكم الله، فهو مالك السماوات والأرض، كيف ستخرج عن ملكه؟

ستؤثر كثيرًا في النفس؛ أن ترضى بقضاء الله وقدره، فلا تنهار عندما تصيبك المصيبة، بل لا بدّ عليك أن تكمل على مراد الله وعلى أمر الله وعلى حكم الله. هذا معناه أن هناك رضا وتسليمًا وتوكلًا، وهذا كله من العقيدة.

استعمال ما للعاقل عند الاشتباه وعدم العلم في اللغة العربية

﴿وَلِلَّهِ مَا﴾ أنت تقف عند كل حرف. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 126]، قال لك: «ما» هنا لغير العاقل. قال: أبدًا، «ما» تُستعمل للعاقل أيضًا في ثلاثة مواضع، قال هكذا أهل اللغة، ثلاثة مواضع تنتبه إليها.

ما الموضع الأول؟ قال: عند عدم العلم. فلو رأيت شيئًا متحركًا يأتي من بعيد، ما هذا الشيء؟ لست تراه، خيال هكذا، شبح، ظلّ يعني يمشي هكذا، قم فقل: ما هذا؟ لا تقل: من هذا؟ لا، هي «من» للعقلاء و«ما» لغير العاقل.

فمتى تُستعمل «ما» للعاقل؟ رقم واحد: عند عدم العلم والاشتباه، يعني أننا لا نعرف أن هذا البعيد عاقل أم غير عاقل، فماذا نقول؟ ما هذا. هذه واحدة.

استعمال ما للعاقل عند الاختلاط بين العقلاء وغير العقلاء

وعند الاختلاط، عندما يكون هناك عقلاء وغير عقلاء، نستعمل «ما» أيضًا خاصة للتغليب.

يعني نفترض أن في [المكان] رخامَ الأعمدة، وفي الخشب مثل السقف وهكذا، والكرسي، وفي السجاد، وفي هذه الأشياء أكثر من البشر. الأشياء التي هي الكونية هذه أكثر من البشر، وهذه غير عاقلة، والبشر موجودون.

أنقول «ما» أم نقول «من»؟ إذا وُجد الاختلاط فيجوز أن تقول «ما». هذه نمرة اثنان. يبقى الأولى الاشتباه، والثانية الاختلاط.

استعمال ما للعاقل عند التعظيم وشمول ملكية الله لكل شيء

حسنًا، الثالثة: فقد قال: الثالثة عندما تريد أن تعظّم شيئًا. يعني هو أنت تريد أن تتحدث عن واحد، لكن تريد أن تعظّمه كثيرًا، فلا تقول: من أنت؟ من هذا؟ بل تقول له: ما هذا. يعني «ما» هنا جاءت لماذا؟ مثل للتعظيم هكذا.

طيب، «ما» تصلح لهذا وهذا. والله سبحانه وتعالى يقول لك: إنني أملك كل شيء دقيق أو جليل في هذا الكون، وأنا أملك كل شيء عاقل أو غير عاقل، وأنا أملك كل شيء عرفته أو لم تعرفه.

فما هو مكانها الصحيح هنا؟ هو كذلك [أي تصلح لكل هذه المعاني].

وجوب الإيمان بملكية الله وإحاطته بكل شيء والختام

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 126]، إذن لا بدّ علينا أن نؤمن بهذا.

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾ [النساء: 126]

محيط ومسيطر ومهيمن [سبحانه وتعالى].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.