سورة النساء | حـ 780 | 127 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •كرّم الإسلام المرأة وأعطاها مكانة عظيمة، فحرم توريثها كما كان يحدث في الجاهلية، وجعل لها ذمة مستقلة وحرية في اختيار الزوج.
- •كانت تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثورة عالمية في حقوق المرأة والقيم الإنسانية، رغم محاولات تشويه صورته من قبل المغرضين وبعض المسلمين.
- •حفظ الله القرآن وعترة النبي تصديقاً لوعده، فرغم وفاة معظم أبناء النبي وبناته، جعل الله نسله ينتشر في الأرض من ذرية الحسين عبر زين العابدين والحسن المثنى.
- •انتشار الإسلام في الأرض وذكر النبي على المنابر والمآذن دليل على صدق رسالته.
- •جعل الإسلام للمرأة مكانة عالية وحقوقاً كثيرة، فأوجب الكفاءة في الزواج إكراماً لها، وجعل المهر حقاً لها.
- •تحولت الحقوق في الإسلام إلى واجبات، مما يدل على ارتقاء الحضارة الإسلامية، عكس الحضارات الأخرى التي اعتبرت المرأة من الدرجة الثانية.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الاستفتاء في شأن النساء من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127]
تحريم الإسلام لتوريث المرأة وإعطاؤها ذمة مالية وإرادة مستقلة في الزواج
كانت المرأة بعد ما يموت زوجها تُورَث في الميراث، فيأخذها الأخ أو يأخذ الابنُ زوجةَ أبيه. فحرَّم الله هذا [الظلم]، وجعل للمرأة ذمةً مستقلة ورأيًا مستقلًا، وجعل لرأيها مكانًا في عقد الزواج؛ فبإرادتها تتزوج، ولها أن ترفض بحرية.
كانت [هذه الأحكام] ثورةً ليس بين العرب فقط، بل في العالم كله من شرقه وغربه ومن شماله وجنوبه.
أثر النبي المصطفى في نشر المُثل العليا وظلم المغرضين لصورته
ولذلك فإن الدارس لسيرة النبي المصطفى والحبيب المجتبى، وما الذي كان يشيع في أوساط الناس في عصره، يعرف قيمته صلى الله عليه وسلم. فإن كثيرًا من المُثل العليا الشائعة في الغرب والشرق الآن هي منه صلى الله عليه وسلم؛ لمّا جاء فعلّم البشرية كيف تعيش.
لكنهم ظلموه، وساعد في ظلمهم بعض المسلمين الذين أظهروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير ما هو عند ربه وعند الناس. وساهم في هذا [التشويه] بعض المغرضين الذين حقدوا عليه منذ بعثته صلى الله عليه وسلم، فأخذوا على عاتقهم أن يشوّهوا صورته لدى الناس.
وعلى الرغم من ذلك، فقد آمن به الخلق وصدق الله وعده معه.
وعد الله بحفظ الإسلام رغم إمكانية القضاء عليه من الرومان والفرس
كان من الممكن أن نتخيل أن هؤلاء الذين دخلوا الإسلام تقضي عليهم الرومان والفرس، ويصبح الإسلام حركةً ظهرت في الجزيرة العربية وجلست عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة وانتهى الأمر.
لكنه [النبي صلى الله عليه وسلم] لمّا قال:
قال رسول الله ﷺ: «تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»
صدقه الله فحافظ على كتابه، وجعله الكتاب الوحيد الذي يُحفظ. لا يحفظ الناس كتبًا ولا دواوين أشعار، وملايين ملايين من البشر صغارٌ وكبار، عربٌ وعجم، يحفظون كتاب الله عن ظهر قلب.
حفظ الله لكتابه ووعده لنبيه رغم فقدان أبنائه وبناته في حياته
كتاب الله إذن، فلماذا لم يَضِع كتاب الله؟ لأن الله قد حفظه وعدًا لنبيه صلى الله عليه وسلم.
وهو [النبي ﷺ] يرى بنته زينب وأم كلثوم ورقية، مع أبنائه إبراهيم والطاهر وعبد الله والقاسم، يموتون أمام عينيه، ولم تبقَ إلا فاطمة. وكان يقول لفاطمة:
قال رسول الله ﷺ: «إنكِ أسرعُ أهلي لحاقًا بي»
فماتت بعده بستة أشهر.
انقطاع ذرية أبناء النبي وبناته إلا من فاطمة الزهراء
أنت تعرف [أن] رقية [بنت النبي ﷺ]، مات الأولاد وهم صبيان صغار، ورقية وأم كلثوم لم ينجبا، وزينب أنجبت أمامة، وأمامة لم تُنجب. وفاطمة أنجبت الحسن والحسين وزينب ومحسنًا، ومحسنٌ مات.
فكيف يبقى [نسل النبي ﷺ]؟ إذا كنتَ ترى أنهم جميعًا ماتوا، فهؤلاء سيموتون أيضًا ولن ينجبوا مرة أخرى وانتهى الأمر. فما فائدة أن تقول «عترة أهل بيتي»؟ لأنه [النبي ﷺ] لا حول له ولا قوة، وليس من عنده هذا [الوعد]؛ بل هو بوعد الله له، وما عليه إلا البلاغ، فإنه لا يملك من نفسه شيئًا مع ربه.
تحقق وعد الله بحفظ نسل أهل البيت رغم مقتلهم في كربلاء
والذي أكرمه وكثّر أهل بيته وجعلهم في الأرض منتشرين هو ربنا سبحانه وتعالى. ويأتي الحسن [بن علي] ويموت كل أولاده من غير عقب، ويأتي الحسين [بن علي] ويُقتل كل أبنائه في كربلاء.
إذن يبيّن لنا الله أنه كان من الممكن أن يستأصل شأفة هذا البيت الكريم [بيت النبي ﷺ]. وينجو زين العابدين [علي بن الحسين] في مرض فلم يحضر كربلاء، وينجو الحسن المثنى وزيد الأبلج، ومنهم ينتشر هذا الجمع الغفير؛ لأن الله قد صدق وعده مع نبيه صلى الله عليه وسلم.
شهادة التأمل في نصر الله لنبيه وانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها
من تأمّل [في ذلك كله] لا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ليس بيد أحدٍ أن يُعلي ذكره ويجعل اسمه فوق المنابر والمآذن في الأرض كلها. ليس بيد أحدٍ أن يُمكّن لهم [للمسلمين] في الأرض فيأخذون من المشرق إلى المغرب. قد زُويت له الأرض فانتشر الإسلام فيما زُوي له صلى الله عليه وسلم. أو كان ذلك بيد المسلمين أو بيد النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ [بل هو بيد الله وحده].
ظلم المرأة في الميراث والمهور وتكريم الإسلام لها بالكفاءة والمهر
﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127]
ظلمٌ في الميراث، ظلمٌ في المهور. جعل الله سبحانه وتعالى المرأة مكرّمة، وطلب منا الكفاءة [في الزواج]؛ إلا إذا تنازلت [المرأة] وتنازل الولي. فالكفاءة شرطٌ في الزواج إكرامًا للمرأة؛ فلا يجوز لوليٍّ أن يقهرها على من هو أدنى منها.
وجعل لها المهر إكرامًا لها، في حين أن حضاراتٍ أخرى جعلت المهر تدفعه المرأة.
مكانة المرأة في الإسلام مقارنة بالحضارات التي تعتبرها من الدرجة الثانية
يعني [وجهة نظر تلك الحضارات]: أليس كافيًا أننا متحملون مشاكلكم؟ وجهة النظر هكذا: أليس كافيًا أنني أنظر إليكِ؟ أهي من الدرجة الثانية أم ماذا؟ نعم، هذا نصٌّ عندهم يشير إلى أنها من الدرجة الثانية.
نحن ليس لدينا أنها من الدرجة الثانية، بل عندنا أنها من الدرجة الأولى، وأنها ليست سببًا لخروجنا من الجنة، وأنها ليست ملعونة حيثما كانت. فهي الأم والأخت والعمة والخالة والبنت والزوجة.
دعوة لتفعيل حقوق المرأة التي جعلها القرآن واجبات لا مجرد حقوق
إذن لماذا لا تُفعِّلون حقوق المرأة؟ هذا القرآن الذي يقول وجعل حقوقها تكليفًا وواجبًا. يقول لك الله: أنتم كل شيء واجبات واجبات. افهم أن هذه حقوق لقد سيّرها الله للواجبات.
انتبه؛ لأن التلاعب كثير. يقول لك: أنتم حضارة واجبات. لا، نحن حضارة حقوق ارتقت، ارتقت إلى أن أصبحت واجبات. انتبه من هذه الأفكار [المضللة].
﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
