سورة النساء | حـ 781 | 127 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 781 | 127 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • يحث الله تعالى في سورة النساء على العدل تجاه النساء والأيتام والمستضعفين من الولدان.
  • ينبغي على المسلمين معاملة الأيتام معاملة خاصة وإعطاؤهم حقوقهم وزيادة.
  • حث النبي صلى الله عليه وسلم على رعاية اليتيم ووعد كافله بالقرب منه في الجنة بقوله: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة".
  • تربية اليتيم تشمل العطف والحب والعلم والتدريب والرعاية، دون إفراط في التدليل أو تفريط في الإهمال.
  • كفالة اليتيم تكليف وتشريف في آن واحد، ومكافأتها الخلود في الفردوس الأعلى.
  • حرم الله أكل مال اليتيم وجعله نارًا، ووجه المسلم إلى بذل جهده وماله لليتيم.
  • وعد النبي من وضع يده على رأس يتيم بحسنة لكل شعرة.
  • رعاية اليتيم تنعكس إيجابًا على نفس الكافل، فيشعر بإنسانيته وعبوديته لله.
  • يتضاعف أجر كفالة اليتيم كلما أخلص الإنسان نيته وجعلها لله رب العالمين.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الاستفتاء في شأن النساء واليتامى من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه:

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]

ويُفتيكم الله أيضًا في المستضعفين من الولدان؛ والمستضعفون من الولدان قد يُطلق على الأيتام. فكما حكم الله بالعدل للنساء، يحكم أيضًا للطفولة، وأنّ هؤلاء الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم ينبغي علينا أن نعاملهم معاملة خاصة، وأن نعطيهم حقوقهم وفوق حقوقهم.

حث النبي ﷺ على رعاية اليتيم بالتربية المتوازنة بين العطف والحزم

ولذلك حثّنا النبي صلى الله عليه وسلم على رعاية اليتيم، وأن نكون جميعًا آباءً لليتيم وأمهاتٍ لليتيم.

التربية بما فيها من عطف وحزم، بما فيها من علم وتدريب، بما فيها من رعاية وعناية. لا نريد أن يخرج اليتيم مدلّلًا، ولا أن يخرج من غير تربية لأننا نسيناه.

ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر تكليفًا وتشريفًا في آنٍ واحد، فقال:

قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد الخلق وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، أنا وكافل اليتيم كهاتين»

معنى مجاورة كافل اليتيم للنبي ﷺ في الفردوس الأعلى ومكانته

ما معنى «كهاتين» [أي بجانب بعضهما البعض]؟ يعني سيدنا رسول الله ﷺ في الفردوس الأعلى، بجانبه هكذا القطعة التي بجانبه تخصّ كافل اليتيم.

هل يمكن أن يصحّ أم أنّ سيدنا [رسول الله ﷺ] في الفردوس الأعلى فهو أيضًا في الفردوس الأعلى؟ يصحّ، رتبةً ومكانةً، يجوز.

إذن فماذا يعني ذلك؟ هذا الذي جعل حياته كلها كفالةً للأيتام، هذا ينبغي أن يتقدّم، هذا ينبغي أن يكون له رتبة ومكانة، يأخذ قطعةً مميّزةً هكذا في الفردوس الأعلى.

الحث على الصبر في الدنيا القصيرة مقابل الخلود في الجنة مع كفالة اليتيم

إذن وهي الجنة، كم سنة سنقعد فيها؟ كم سنة؟ لا، بل خالدون فيها أبدًا.

ما هذا! يعني هل ستصبر لك الخمسة وسبعون سنة أنت ستقضيها من هنا؟ خمسة عشر عامًا قبل البلوغ، وخمسة عشر عامًا بعد الخمسة والسبعين ما لم تكن واعيًا بنفسك، فتصبح عندك مائة وخمس سنوات. هذا ما ستقضيه في الدنيا، اطرح منها الثلاثين فيبقى خمسة وسبعون عامًا.

فأنت قاعد في الدنيا خمسًا وسبعين سنة، ألا تعرف أن تصبر خمسة وسبعين؟ ألا تعرف أن تجعل ديدنك هو [رعاية] اليتيم هذا والمستضعفين من الولدان؟

المساواة في التكليف بفعل الخير للنساء والأولاد والمستضعفين جميعًا

وهذه [الآية] تشير إلى ماذا؟ إلى التساوي، مساواة في التكليف بين الخلق.

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

الخير لمن إذن؟ للنساء أم للرجال؟ للاثنين. للصغار أم للكبار؟ للاثنين. الغرض ما هو؟ فعل الخير.

والمستضعفين من الولدان عطفها [الله] على النساء؛ النساء ضعيفة، نعم ضعيفة بموجب الخِلقة هكذا. فكل واحد خلقه الله مثل الذي هو طويل هكذا، وخلق المرأة رقيقة.

فيتسلّط [القوي على الضعيف] ما دام الدين غاب، وما دمنا لا نذكر الله؛ هذا الجسد القوي يضرب هذا الرقيق ويؤذيه ويجرّه من شعرها. فلماذا لا يفعل هذا مع الولد؟

التحذير من ظلم النساء والأيتام وأكل أموالهم ووجوب البذل لهم

ولذلك ذكر [الله] النساء: إياكم أن تظلموهنّ ولا تفتروا عليها. والأولاد: إياك أن تأكل أموالها [أي أموال اليتامى].

وحرّم الله علينا أكل مال اليتيم وجعله نارًا. فإذا [قال الله في] المستضعفين من الأولاد:

طيّب، لن أظلمه، لن آخذ منه حقّه؟ قال: لا، ما يكفي هذا! أنت يجب أن تشتغل له، تبذل من عندك ومن جهدك ومن مالك، ومثل ما يكون ابنك لليتامى بالقسط.

﴿وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ﴾ [النساء: 127]

يعني غير قضية رعاية أو حقوق المستضعفين من الأولاد؛ مستضعفين الأولاد هذا تعطيه حقّه وزيادة، والزيادة هذه تتمّ من جهدك بالقسط.

فضل وضع اليد على رأس اليتيم وأجر الحسنة بكل شعرة

﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 127]

يعني ما هو خير؟ يعني أعمل ماذا؟ يعني هناك [أعمال كثيرة]:

قال رسول الله ﷺ: «التبسّم في وجه أخيك صدقة»

وهنا قال [النبي ﷺ]: من وضع يده على رأس يتيم فهذا عمل فيه كذلك؛ فإنّ الولد يشعر بالحنان وبالأمان، فله بكل شعرة مما وضع يده عليه حسنة.

الله! أضع يدي على اليتيم هكذا فقط، إذا قلت له: كيف حالك يا بُنيّ؟ فيكون لي بكل شعرة منه حسنة! أمّا الأصل [فهو] إنّ فضله كبير جدًّا وواسع.

عظم أجر كفالة اليتيم واحتضانه وأثره على النفس والإخلاص لله

فماذا لو وضعت يدي هكذا وأخذت [اليتيم] هكذا؟ فماذا يحدث لو ربّيته؟ وماذا يحدث لو كفلته واحتضنته؟

ستحدث أشياء كثيرة جدًّا في نفسك أنت قبل أي شيء آخر؛ ستشعر أنك إنسان، ستشعر أنك عبد ربّاني، ستشعر أنك تقدّم خيرًا.

ولذلك:

﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 127]

ووصل الحال إلى أن تضع يدك على رأسك [أي رأس اليتيم]، فإنّ الله كان به عليمًا بذلك الخير وإن قلّ. وهذا الخير يزداد كلما أخلصت نيّتك، كلما وجّهتها وجعلتها لله ربّ العالمين.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.