سورة النساء | حـ 783 | 129 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 783 | 129 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح القرآن في سورة النساء أن العدل الكامل بين النساء أمر صعب التحقق بقوله: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم".
  • الأسرة تتكون من شخصين مختلفين لكل منهما عقل وتاريخ وحال خاص، وقلما يذوب أحدهما في الآخر تماماً.
  • الاندماج الكامل بين الزوجين كالشيء الواحد أمر نادر وليس الأصل في البشرية، لكنه مرغوب ومُتمنى.
  • النموذج الأول للزواج كان بين آدم وحواء، حيث اكتفى آدم بزوجة واحدة كانت من نفسه.
  • صعوبة العدل تظهر في تعارض الالتزامات، فالرجل الذي يبر أمه قد يكون ذلك على حساب كمال بره بزوجته.
  • نادراً ما تتنازل الأم عن حقها في ابنها لصالح زوجته، وتصل لمرتبة الأولياء الصالحين.
  • معنى "لن تستطيعوا" يفيد الشيوع والكثرة مع ندرة المقابل، وليس استحالة مطلقة.
  • العدل المقصود ليس بين الزوجات فقط، بل بين المرأة وسائر النساء في حياة الرجل.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية العدل بين النساء من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 129]

طبيعة الأسرة المكونة من شخصين مختلفين بينهما مودة وسكينة

فالله سبحانه وتعالى هنا يتحدث عن حال الأسرة، والأسرة تتكون من شخصين لكل منهما عقل وتاريخ وحال مع الله ومع النفس ومع الناس.

فهما وإن كانت بينهما عشرة ومودة وسكينة، وقد يكون بينهما في كثير من الأحيان حب وود، إلا أنهما شخصان وليس شخصًا واحدًا، وقلما يذوب أحدهما في الآخر.

ندرة الاندماج الكامل بين الزوجين وأصل الخلق من نفس واحدة

منهما [أي من الزوجين] في الآخر يحدث أيضًا شبه اندماج بين الاثنين، بين الرجل والمرأة، فيكونان كالشيء الواحد، وهو نادر وليس هو الأصل في البشرية، إلا أنه أمر يُبتغى ويُراد ونسعى إليه ونتمناه، وليس كل ما يتمناه المرء يناله.

وهي مسألة راقية أن يختلط الرجل بزوجته والمرأة بزوجها اختلاطًا وكأنهما من نفس واحدة، كالأمر الأول بين آدم وحواء.

حكمة الله في جعل حواء وحدها زوجة لآدم دون تعدد

ولذلك نرى أن آدم عليه السلام لم يتعدد، ولم يخلق له الله سبحانه وتعالى امرأة أخرى وثالثة ورابعة غير حواء، أو أنه مثلًا -والله على كل شيء قدير ويفعل ما يشاء- لم يُبِح له أن يتزوج من بناته مثلًا.

وإن كانت هناك بعض العقائد والشرائع والأفكار [في ديانات أخرى] جعلت للإنسان أن يتزوج من أمه ومن أخته ومن ابنته -والعياذ بالله تعالى-، إلا أن شرع الله وأمره في كونه أنه جعل المرأة واحدة لذلك الزوج الواحد، وجعل ذلك هو الأصل.

اندماج آدم وحواء لأنهما من نفس واحدة وفتح باب التفاهم بين الزوجين

ولكنهما [آدم وحواء] اندمجا؛ لأنهما كانا في الحقيقة من نفس واحدة كما في أول السورة [سورة النساء].

ولما كان الأمر كذلك -والله أعلم بما هنالك- وأن الأسرة مكونة من شخصين وليس من شخص واحد، وأنه يصعب -وليس يستحيل- أن يجتمعا فيعودا كالشخص الواحد، فإن الله سبحانه وتعالى فتح المجال للتفاهم والتفاوض فقال:

﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]

يعني: لا تيأسوا؛ فإن هذا هو الغالب الأعم.

التقصير الحتمي في العدل بسبب تعارض بر الأم مع حقوق الزوجة

أنت مع حرصك أن تعدل، فإنك مع الحياة ومقتضيات الحياة سيصدر منك التقصير بلا جدال ولا نزاع.

رجل يبر أمه، فإذا ببره هذا يكون على حساب كمال بر زوجته. طيب فماذا سنفعل؟ إن الشريعة جاءت وأمرتنا أن نبر أمنا وجعلتها بابًا لنا للجنة، وأمرت ببرها مكررًا ومؤكدًا.

فإذا ما أعطيت لأمي وقتًا فقد أعطيته على حساب زوجتي، وفي كثير من الأحيان على حساب أولادي. إذن فمهما كنت حريصًا على إرضاء هذه الزوجة، فإن وجود الأم وكأنها تنازع هذا الحرص وتأخذ منه جزءًا.

غيرة الأم الفطرية على ابنها وندرة تنازلها عن حقها لصالح زوجته

وأين الأم في كبر سنها واحتياجها لابنها وحبها الفطري له -وهو جزء منها- وغيرتها عليه وحبها الفطري في أن تتملكه؟

أين هي تلك الأم التي تتنازل عن رضاها وعن قرار قلبها تجاه ابنها لصالح زوجته؟ يعني إن وُجدت، ستكون في مرتبة أولياء الله الصالحين العظام.

وقد حدثنا التاريخ الإسلامي عن بعض النساء اللواتي كن على هذا الحال من عدم الغيرة على الرجل وعدم التملك له وعدم الحرص على أن يكون خالصًا لها، سواء كانت زوجة أو أمًّا أو بنتًا أو أختًا أو نحو ذلك.

ندرة العدل الكامل بين النساء وبيان معنى لن في الآية عند النحويين

فكيف الحال؟ الحال أنه نادر وجود هذا [العدل الكامل]، والأعم الغالب أنك مهما حرصت على أن تكون عادلًا مرضيًا طيبًا، فإنه لا يكون ذلك؛ بسبب وضع الحياة وطبائع الخلق في ذاتها.

ولذلك عبّر الله سبحانه وتعالى عن هذا وقال: "ولن"، وكلمة "لن" عند عموم النحويين يرون أن "لن" ليست للتأبيد وإنما للتأكيد، إلا الزمخشري فقد غلبه مذهبه الاعتزالي فجعل "لن" للتأبيد لا للتأكيد.

"ولن تستطيعوا" يعني أنه لا يوجد شيء سيُفلت هكذا أو هكذا، لا، وإنما معناها الشيوع والكثرة وندرة المقابل.

شمول التعبير القرآني بين النساء لجميع العلاقات وليس الزوجات فقط

﴿أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]

والتعبير القرآني يشتمل على هذا المعنى الأعم: "بين النساء" وليس "بين الزوجات"، بل قال "بين النساء"، وكأنه حتى بين الزوجة والأخرى [الزوجة الثانية]، أو بين الزوجة والمطلقة، أو بين الزوجة والأم، أو بين الزوجة وواحدة من ذلك.

لأن المرأة تحب الرجل والرجل يحب المرأة بأصل الفطرة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.