سورة النساء | حـ 785 | 130 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الطلاق في الإسلام عقد من عقود الفسوخ لإنهاء الحياة الزوجية، كما أشار القرآن في قوله تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته".
- •يأتي الطلاق بعدة صور منها: طلاق الرجل لزوجته، طلب المرأة للتطليق، أو الخلع.
- •طلب المرأة للتطليق يكون أمام القاضي ويستدعي إثبات الضرر، كالحالات المروية في التاريخ الإسلامي مثل البخر (رائحة الفم الكريهة) أو العجز عن النفقة.
- •يطلق القاضي أيضاً للعيوب الخفية المكتشفة بعد الدخول، وتبقى حقوق المرأة محفوظة من مؤخر صداق ومهر.
- •الخلع يكون عندما تطلب المرأة الطلاق دون سبب واضح سوى كرهها للحياة مع زوجها، وتفتدي نفسها بإعادة ما أخذته منه.
- •استند التشريع المصري في الخلع على حديث المرأة التي ردت الحديقة للنبي ﷺ، حيث قال: "أما الزيادة فلا".
مقدمة في سورة النساء وحديث القرآن عن الأسرة والطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يتحدث في شأن الأسرة باعتبارها الوحدة الأولى لتكوين المجتمع:
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]
أي إذا حدث أن انتهت الأسرة في حالة تكوينها إلى الانفصال والطلاق والتفرق، واستعمل الله سبحانه وتعالى التفرق والسراح والطلاق دليلًا على انتهاء الحياة الزوجية، وهذا الذي نسميه بعقد الفسخ.
الفرق بين عقد الزواج وعقد الطلاق من حيث الإنشاء والفسخ
فإن لدينا عقد زواج هو عقد ميثاق:
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]
عقد توثيق وميثاق، ثم هناك عقد فضٍّ وانفصال وفراق وسراح جميل وهو عقد الطلاق.
إذن فالطلاق عقد أيضًا ويقع بين طرفين، إلا أنه من باب عقود الفسوخ وليس من باب عقود الإنشاء؛ كالوكالة، فإنك إذا وكّلت أحدهم فقد أنشأت وكالة، وإذا فسخت هذا [العقد] فهذا من عقود الفسوخ، يعني أنهيت وكالته فلم يعد وكيلًا عنك.
صور التفرق بين الزوجين وأنواع فرق النكاح عند الفقهاء
وإن يتفرقا، فالتفرق إذا وقع هنا [في الآية] من الطرفين فاشتمل كل الصور: اشتمل أن يطلّق الرجل بسبب أو بغير سبب، واشتمل أن تطلب المرأة التطليق، واشتمل الخلع في مقابل [مادي].
وفي الكل يتم فرق النكاح، وفرق النكاح عند الفقهاء وصل إلى نيّف وعشرين صورة، منها أن يقول الرجل لزوجته: "أنتِ طالق"، وأن يكون ذلك بسبب أيّ سبب دنيوي أو شرعي يتعلق بهما أو يتعلق بآخرين.
طلب المرأة التطليق للضرر أمام القاضي وعبء الإثبات عليها
ومنها أن تطلب المرأة التطليق، ولا يكون ذلك إلا أمام القاضي. والتطليق إما أن يكون للضرر، وحينئذ عندما تطلب المرأة التطليق للضرر فإنها تكون ويكون عليها عبء الإثبات؛ أي أن القاضي يقول لها: ما الدليل على أنه أضرّ بكِ؟
هل الضرب يُعدّ سببًا للتطليق؟ ضربني! هذا ضرر يطلّق القاضي من أجله.
قصة طلب المرأة الطلاق بسبب بخر فم زوجها في التاريخ الإسلامي
في التاريخ الإسلامي طلبت المرأة الطلاق من أجل أن نَفَس زوجها به بَخَر؛ أي رائحة فمه كريهة جدًا والعياذ بالله تعالى. يبدو أن لديه مرضًا تكون اللثة منه أو الدم، فيجعل رائحة الفم كريهة تمامًا.
فإذا ما جاء ليقبّلها لا تطيق ذلك وتُغمى عليها، فطلبت الطلاق للضرر.
التطليق بسبب سوء العشرة وعدم المعاملة الحسنة بين الزوجين
حسنًا، وبعد ذلك نحن سنخنقها إذن؟ لا يجوز! في التاريخ الإسلامي أن تطلب المرأة التطليق لأن زوجها كلما نام بجانبها أعطاها ظهره، ليس قاصدًا [المخاصمة]؛ أي مخاصمًا لها، أي لا يردّ عليها، كلما تكلّمه لا يردّ عليها؛ أي لا توجد حُسن عشرة.
فكان حُسن العشرة أي حكاية [مسألة مهمة]! أما البَخَر فهذه قضية أخرى. فماذا يفعل [الزوج]؟ هذا مرض وليس أنه لا يغسل أسنانه أو ما شابه ذلك إلى آخره في ذلك، ولكن هذا يكون شيئًا سيئًا جدًا.
المرض لا يفسخ عقد الزواج ورفع الأمر للقاضي عند العجز
أما في المرض فالمرض هذا لا يفسخ العقد، وليس من العيوب الثمانية التي يُفسخ من أجلها العقد.
فماذا تفعل [المرأة]؟ ترفع المرأة أمرها للقاضي وتشكو، طالما أنها غير قادرة [على تحمّل ذلك].
فماذا أفعل [كقاضٍ]؟ في التاريخ الإسلامي وُجد من اشتكت أنها [تضرّرت] من النفقة؛ تطليق، أو من البخل من النفقة.
التطليق بسبب عدم النفقة والعيوب الخفية المكتشفة بعد الدخول
يعني هو عاجز، هو ما معه شيء وهو ليس بخيلًا، بل قد لا يكون رشيدًا، وكلما أتاه المال صرفه عليها وعلى أبنائه، فهو ليس بخيلًا لكن ليس معه شيء، وهي لا تطيق ذلك، فطلّقها القاضي من أجل النفقة.
ويطلّق القاضي أيضًا من أجل العيوب الخفية التي اكتُشفت بعد الدخول، وهي منصوص عليها طويلة عريضة. وفي التاريخ الإسلامي [كثُر] طلب التطليق [لهذه الأسباب].
وفي كل هذا التطليق تبقى حقوقها محفوظة؛ فتأخذ مؤخّر الصداق إن كان هناك مؤخّر، وتأخذ المهر بكامله إن كان هناك مهر محدد، فإن لم يكن مسمّى يسمّيه القاضي ويعطيها إلى آخره.
الخلع في الإسلام وطلب المرأة التطليق بلا سبب مقابل رد المهر
إنما هناك شيء آخر وهو الخلع، وهي [حالة] أنها تطلب منه التطليق لا لسبب.
يعني ماذا؟ قالت: كرهته! لا أطيق أن أرى وجهه عندي. بَخَر؟ ما عنده بَخَر. عَرَق ورائحته سيئة؟ لا، ما رائحته ليست سيئة. هذا أحسن واحد وأنظف واحد. ألا يصلّي؟ يصلّي، يقوم الليل! طيب وبعد ذلك ماذا؟ يعني ما، لا يوجد شيء.
طيب وما لكِ، تريدين ماذا؟ قال [أي قالت]: لا أريد شيئًا، لا أريده!
حديث المرأة التي طلبت الخلع من النبي ﷺ وردّ الحديقة
إنني لمّا جاءت المرأة إلى الرسول ﷺ قالت له:
قالت: «إنني أكره الكفر بعد الإيمان»
تكره الكفر بعد [الإسلام]؟ أن نكفر النساء [أي كفران العشير]! قال ﷺ: طيب، أنتِ أعطيتِ له ماذا؟ أعطاكِ لكِ ماذا؟ قالت: ردّي عليه الحديقة [التي أمهرها إياها] وطلّقها تطليقًا.
سئمنا منه كثيرًا، فقالت له:
قالت: «يا رسول الله، أردّ الحديقة وأزيد عليها أيضًا فوق الحديقة؟» قال ﷺ: «أما الزيادة فلا»
تطبيق الخلع في مصر والفرق بينه وبين مذهب الأئمة الأربعة
وهذا هو الخلع الذي أخذ به المصريون الآن، وإن كان ذلك مخالفًا لما عليه الأئمة الأربعة الذين يتيحون للرجل أن يطلب ما شاء من مقابل [للخلع]، إلا أن ذلك يُرجع بالخلع إلى يد الرجل [فيتحكّم فيه].
ولذلك رأى أهل مصر أن ذلك يكون: "ردّي عليه الحديقة وطلّقها تطليقة"، قالت: أزيد؟ قال ﷺ: "أما الزيادة فلا".
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
