سورة النساء | حـ 786 | 130 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح القرآن في سورة النساء أنه إذا انفصل الزوجان "يغني الله كلا من سعته"، وهذا يدعو إلى حسن المعاشرة بعد الطلاق.
- •في العصور الأخيرة، انتشرت أمثال سلبية تشجع على الفضائح بعد الانفصال مخالفة لروح الإسلام.
- •كشفت وثيقة طلاق من القرن السادس الهجري نموذجاً راقياً للطلاق، تتكون من ثلاثة أقسام: الأول افتتاحية بالبسملة والحمد، والثاني ثناء على الزوجة، والثالث إقرار بقضاء الله وإيقاع الطلاق بأدب.
- •هذا النموذج يعكس حسن العشرة بالانتماء للدين، وإقرار الواقع برؤية الخير، ثم الطلاق بعد استنفاد كل الطرق.
- •عندما كان المسلمون يتخذون القرآن منهاجاً لحياتهم، كان سلوكهم منضبطاً، ولما هجروه خسروا.
- •الأمان يقوم على الإيمان والعدل والأمل، والله واسع حكيم يرزق المتفرقين من سعته.
مقدمة الدرس وتفسير آية التفرق بين الزوجين في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]
أي الرجل والمرأة [إذا انتهت الأسرة بالطلاق]، يُغني الله كلًّا من سعته. وهذه الكلمة ترجمها المسلمون عبر التاريخ إلى حسن المعاشرة بين الرجل والمرأة بعد الطلاق؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى سيفتح على كل واحد منكما حياته ورزقه وهكذا.
ولذلك فإن أصل هذه الآية يدعو -كما فهمه المسلمون- إلى حسن العشرة بعد الانفصال.
الأمثال الشعبية السلبية بعد الطلاق وموقف الإسلام من الفضائح
إلا أنه في العصور الأخيرة ومع فساد ذمم الناس، أنشؤوا أمثالًا وكأنها أمثال سلبية تحذر من مغبة ما هنالك، لا أنها تدعو إليه. الذي يقول لك: «يا ذاهب أكثِر من الفضائح»، فقد أصبح هذا كلامًا: يا ذاهب ما دام أنني شريكك وأنت شريكي سننهي الشركة فلنأتِ بالفضائح جميعها!
إذن كانت هذه الأمثلة لا تدعو إلى ذلك وإنما تستهجن ذلك؛ يعني أنت ما دمت ذاهبًا ستكثر من الفضائح؟ لا يصح! استحِ، لا يصح! وهكذا.
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]
فلا تكون هناك فضائح، ويكون هناك عشرة جميلة ومودة وأمر حسن جدًّا.
وثيقة طلاق عجيبة من القرن السادس الهجري تبدأ بالبسملة والحمد
ولذلك وجدنا فيما وجدنا من وثائق الزواج والطلاق وثائقَ عجيبة غريبة تحتاج إلى أن نقف عندها. فوجدنا وثيقة طلاق منسوبة إلى القرن السادس الهجري، فيها الرجل يرسل إلى المرأة -إلى زوجته- ما تظنه أنه خطاب غرامي وهو وثيقة الطلاق، مقسَّم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الأماجد الأخيار الطيبين، وأصحابه المنتجبين.
يا الله! أهذه خطبة أم ماذا؟ لا، هذه وثيقة الطلاق. هذا الجزء الأول: بسملة وحمد لله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وانتماء إلى هذا الدين وهذه الحضارة وهذا الجمال الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القسم الثاني والثالث من وثيقة الطلاق بين الثناء والقضاء النافذ
في القسم الثاني -الخطاب الغرامي العجيب-: يا أمة الله، أنا لم أرَ أحسن منكِ في هذه الدنيا، أنتِ شيء لم يحدث، أنتِ ماذا؟ ملاك نازل من السماء؟ أنتِ شيء يعني هكذا، هل أنا سأجد مثلكِ؟ تظن أن هذا خطاب غرامي أرسله الرجل لزوجته يتغنى بأيام العشرة الطيبة والكلام الطيب.
الجزء الثالث: أن الله سبحانه وتعالى قدرُه نافذ وقضاؤه تام، ولذلك فقد قدَّر علينا أن نطلق، فأنتِ طالق.
والله! الحمد لله والصلاة على النبي. وكذلك [القسم الأول] طمأننا قليلًا، والثاني أكَّد الاطمئنان أنه يمدح ويأتي بكلام عالٍ، لا يمكن أن يكون عاقلًا بعد هذا الكلام هو أنه [يطلق].
حسن العشرة بعد الطلاق بالانتماء والإقرار بالواقع ونفاذ القضاء
ليس فقط هو حسن العشرة:
﴿يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]
أنا لا أكرهكِ لأنني لست كذلك، وليس كمن يقول: «يا ذاهب تكثر من الفضائح». لا، هذا حسن عشرة:
- بالانتماء أولًا [إلى الدين والحضارة الإسلامية في القسم الأول من الوثيقة].
- ثم بإقرار الواقع ورؤية الخير ثانيًا [في القسم الثاني حيث أثنى على زوجته].
- ثم بعد ذلك بنفاذ قضاء الله بعد ما نفدت كل الطرق ثالثًا.
وفي النهاية طلَّقها. هذه الوثيقة الخاصة بالطلاق، وليس الشتيمة والهرج وقلة الأدب والديانة والمحاكم. هذا لا ينفع، ليس هناك هذا الأمر [في الإسلام].
أثر القرآن الكريم في ضبط سلوك المسلمين وخسارة هجره
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]
ضبطت [هذه الآية] سلوك المسلمين عندما جعلوا هذا الكتاب الكريم منهاجًا للحياة وضابطًا لإيقاع سلوكهم في هذه الحياة.
وإنما عندما هُجر الكتاب وعندما أُغلق الكتاب على عقول الناس ثم على قلوبهم ثم على أرواحهم، وعندما جعلوه وراءهم ظِهريًّا -قالوا أم لم يقولوا- فانقطعت صلتهم به، فقد خسروا خسرانًا مبينًا.
هم الذين خسروا، الكتاب هو باقٍ، ها هو كما هو: نور وهدى وجمال ورحمة.
﴿يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]
ثم يعطيك الأمل.
أسباب الأمن عند الماوردي من الإيمان والعدل والأمل
الأمن يا إخواننا، الأمن. ما سبب الأمن؟ الإيمان. وما سبب الأمن؟ العدل. وما سبب الأمن؟ الأمل.
من الذي يقول هذا الكلام الجميل؟ الماوردي الفقيه الشافعي [صاحب كتاب الأحكام السلطانية]. يقول: إن الأمن قائم على ستة أمور، منها:
- •الإيمان؛ أي إذا لم يوجد إيمان إذن لن يوجد أمن.
- •ومنها العدل.
- •ومنها الأمل.
من أسباب الأمن [الأمل]؟ قال: نعم.
الأمل في سعة الله وحكمته عند التفرق بين الزوجين
حسنًا، وقوم [أي المتفرقون] ربنا سبحانه وتعالى يقول ماذا؟ ما هو نحن هنا في حالة خوف، في تفرُّق، في حياة جديدة لا نعرف ماذا سيحدث لي غدًا، ماذا سيحدث لها، لا نعلم. نحن متفرقون ومهدومون لم نبنِ حياة جديدة بعد.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 130]
لا تخافوا! فإن ربنا كبير وواسع وحكيم. إذا ما أخلصنا النية وتوكلنا على الله ورضينا بقضائه والتزمنا بأدبه وسرنا في حكمه فسيكنفنا [أي سيحفظنا ويكفينا]. واجعل هكذا توكلك على الله وثقتكم في الله.
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]
لكي يعلمنا الأدب.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 130]
لكي يعلمنا الأمل. وبالأدب وبالأمل وبالعدل وبالإيمان يتم الأمل، يحصل لكم أمن.
فهم الماوردي للأمل من آية سعة الله وحكمته في القرآن
هكذا تكون! هؤلاء الناس كانت تقرأ القرآن. الشيخ الماوردي هذا ويتعمق كثيرًا؛ لأن ليس هنا ما يسمى «الأمل»، لا يوجد شيء اسمه الأمل هنا [في ظاهر لفظ الآية]، لا.
ولكنه يفهم:
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 130]
أي يعطيك أملًا، يقول لك: لا تخف. أي لا أخاف وأنا [في هذا الحال]؟ هل قال لك أحد إنني خائف؟ نعم، ألستَ متفرقًا بعدُ ولستَ تعرف ما الذي سيحدث غدًا؟ آه، هذا يعيش [حالة خوف]. ماذا إذن؟ فليكن [التوكل على الله].
دعوة لتعايش القرآن بالقلب والعقل والروح لا بالألفاظ المرصوصة
الناس هذه عاشت القرآن، وهذا الذي نحن نقوله يا جماعة: بين أيديكم كنز! فلتعيشوها [هذه الآيات]، ولتجلسوا هكذا مع الآية وتنظروا بشفافية، بقلب مفتوح وبعقل مفتوح وبروح مفتوحة، وليس بألفاظ مرصوصة بعضها إلى جانب بعض. لا!
قال النبي ﷺ: «سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا اسمه، ومن الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه»
كلمات هكذا بجانب بعضها البعض، لا ينفع [هذا الأسلوب في التعامل مع القرآن].
﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا عَلِيمًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 130]
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
