سورة النساء | حـ 788 | 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د.  علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 788 | 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

7 دقائق
  • تضمنت سورة النساء وصايا الله للأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، التي بلغوها إلى أقوامهم.
  • اشتملت هذه الوصايا على حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والمال، وهي ما استنبطها العلماء كمقاصد عليا للشرائع.
  • لو التزم الناس بوصايا موسى عليه السلام لما أرسل الله الأنبياء بعده، لكن لعدم التزامهم أرسلهم مذكرين ومبشرين ومنذرين.
  • الله أوصى بالتقوى، التي لخصها الإمام علي بأنها: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
  • إذا فقد المجتمع الإيمان بالله واليوم الآخر انفلت الحال، وإذا انغمس في الرفاهية والإسراف دخل في الانحطاط.
  • الإسراف أباد أمماً وحضارات، فالرفاهية لا ينبغي أن تصل إلى مرحلة الإسراف الناتج عن الكفر بالله وعدم الرضا بالقليل.
  • لله ما في السماوات وما في الأرض، وهو غني حميد.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة في وصايا الله للأنبياء وتبليغهم لأقوامهم عبر التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ [النساء: 131]

والوصايا: أوصى الله إبراهيم، وأوصى الله موسى، وأوصى الله عيسى، وأوصى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم. وبلَّغ كلُّ نبيٍّ قومَه وإلى يومنا هذا بما أوصاه الله به.

وفي وصايا موسى، وفي وصايا الجبل عند سيدنا عيسى، وفي وصايا جُمعت في كتب وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أوصانا الأنبياء بحفظ النفس، وبحفظ العقل، وبحفظ الدين، وبحفظ كرامة الإنسان، وبحفظ ملكه عليه.

المقاصد العليا للشرائع التي استنبطها العلماء من وصايا الأنبياء

وهي [هذه الوصايا] التي استنبطها العلماء وجعلوها مقصد الشرائع كلها، واستنبطها العلماء وسمَّوها المقاصد العليا التي ما جاء شرعٌ من عند الله إلا وحفظها.

وصايا: لا تقتل، لا تسرق، لا تَزْنِ، لا... وهكذا. ولو أن هذه الوصايا التُزم بها لما أرسل الله الرسل بعد ذلك؛ يعني لو كانت وصايا سيدنا موسى قد التُزم بها ما كان الله قد بعث بعدها الأنبياء.

ولكن عندما لم يلتزموا بها فأرسل [الله] الأنبياء مذكِّرين ومبشِّرين ومنذِرين وهادين ومبلِّغين، إلى أن خُتموا بصاحب معجزة الرسالة صلى الله عليه وسلم، فخُتمت حال النبوة وبقيت معجزة النبوة للعالمين.

معنى التقوى كما لخصها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

وأوصانا بماذا إذن؟

﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 131]

والتقوى لخَّصها سيدنا علي [بن أبي طالب] الإمام المبجَّل الوليُّ بقوله: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

إذن الإيمان بالله تصديقٌ بالوحي، تحكُّمٌ. إيمانُنا باليوم الآخر في سلوكنا قاعدةٌ مهمة حتى تهون علينا بها الدنيا: الرضا بالقليل.

الإيمان بالله وبالوحي والتكليف والالتزام، وباليوم الآخر نخاف ونرجو، وبالرضا بالقليل؛ هذه هي التقوى: أن اتقوا الله.

فقدان المجتمع للإيمان والتقوى يؤدي إلى الانفلات والإسراف المدمر

فإذا فقد المجتمع الإيمان بالله، أو فقد المجتمع الإيمان بالتكليف، أو فقد المجتمع الإيمان باليوم الآخر؛ انفلت الحال.

وإذا دخل المجتمع في دور الرفاهية المؤذنة بالإسراف — فهناك رفاهية معقولة وفي رفاهية مؤذنة بالإسراف — دخل في دور الانحطاط. والحضارات بادت وذهبت من الإسراف.

عادٌ يُحكى عنه أنه أراد أن يبني لنفسه قصرًا، فأحضر ذهبًا — قال ثلاثمائة كيلو في ثلاثمائة كيلو — وصنع قاعدة هكذا. ما هذا؟ يقوم الناس فيقولون لك هذه خرافات، لكن الله يقول إنهم كانوا أظلم وأطغى؛ لقد كانوا يصنعون أشياء عجيبة.

الأهرامات شاهد على عظمة البناء القديم والإسراف الذي أباد الحضارات

وإن صحَّ كما يخبرنا الأثريون بأن الهرم هذا عبارة عن مقبرة، وهم يخبروننا بأنه كان مغطى بالملاط الأحمر — الرخام المرمر — تحته طبقة من الملاط؛ أي تخيَّل أن الهرم كان مغطى بالرخام المرمر الأحمر فتنعكس عليه الشمس فيضيء هكذا من بعيد.

فما هذا؟ ما هذا؟ هو على هذه الحال حجرٌ يثير الفتنة في العالم والانبهار، فما هذا؟ هذه الحاجة [البناء العظيم] مقبرة! فكيف كان الحال إذن؟ القصر كيف يبدو إذا كانت هذه هي المقبرة؟

فإذا كان الإسراف قد أباد أممًا وأباد الحضارة الرومانية، فإن الرفاهية لا ينبغي أن تصل إلى مرحلة الإسراف.

مكونات الإسراف من الكفر بالله وعدم الرضا بالقليل وحساب المستضعفين

هذا الإسراف مما يتكون؟ من الكفر بالله أول شيء، وآخر شيء من عدم الرضا بالقليل.

نعم، فعندما يقول [الله] إنهم كانوا أظلم وأطغى، فعلًا كانوا أظلم وأطغى. وعندما يحاسب الله سبحانه وتعالى الخلقَ يوم القيامة ويتحدث عن هذا المعنى معهم فيما قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قال [الله]:

﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]

أي أن هذا [الادعاء] كذبٌ أنهم مستضعفون في الأرض. إذن إن حال الإسراف حالٌ غير مرضيٍّ ويضرُّ بالمجتمعات.

خلاصة الوصية بالتقوى ومعنى الكفر بأنواعه الثلاثة في الآية الكريمة

﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 131]

إيمانٌ بالله، عملٌ بالتكليف، رضًا بالقليل، استعدادٌ ليوم الرحيل.

﴿وَإِن تَكْفُرُوا﴾ [النساء: 131]

والكفر فيه نوعٌ ثانٍ: بالنعمة، والكفر فيه نوعٌ ثالث: بالعشير. حسنًا، وتكفروا هنا ما معناها؟ لم يقل [نوعًا محددًا]، قال: وأن تكفروا؛ يبقى الثلاثة [أنواع الكفر كلها].

﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131]

نعم، ستكفرون، ستؤمنون؛ هذه حقيقة. وإلى لقاءٍ آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.