سورة النساء | حـ 789 | 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تقرر الآية الكريمة "ولله ما في السماوات وما في الأرض" حقيقة مطلقة يجب الإيمان بها وتصديقها.
- •كلمة "ما" هنا عامة تشمل كل شيء سواء العاقل أو غير العاقل من مخلوقات.
- •لام الملكية في "لله" تفيد أن كل ما في الكون ملك لله تعالى وتحت تصرفه.
- •الإنسان محدود القدرة والعلم، فهو لم يستطع خلق شيء من العدم، وعجز عن الوصول لأكثر الأجرام السماوية.
- •هذه الملكية المطلقة لله تستلزم أنه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
- •الله أعلم بخلقه وهو اللطيف الخبير، ولا يمكن وصفه بالظلم لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير.
- •هذه العقيدة المنفتحة توجب علينا عبادة الله وطاعته والإيمان به.
- •المؤمن يدرك هذه الحقيقة بينما غير المؤمن يعلم ظاهراً من الحياة الدنيا وهو عن الآخرة غافل.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الملكية الإلهية من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131]
تقرير حقيقة ملكية الله لكل ما في السماوات والأرض
في هذه الآية يقرر الله سبحانه وتعالى حقيقة عظيمة، ولكنها من الحقائق التي لا بد أن نؤمن بها، وأن نصدقها، وأن نراها بأعيننا، وأن تستيقنها قلوبنا.
هذه الحقيقة تقول:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]
وكلمة "ما" إذا أُطلقت فإنها تعمّ كل شيء، سواء العقلاء أو الحيوان أو النبات أو الجماد، كل شيء. إذن "ما" تُطلَق لغير العاقل إذا ذُكرت معها "مَنْ" التي هي للعاقل، أما لو ذُكرت وحدها فهي تشمل العاقل وغير العاقل. فكانت كلمة "ما" هنا عامة، يعني تشمل كل شيء، كل شيء.
شرح لام الملكية في لفظ الجلالة وإعرابها النحوي
طيب، نرجع مرة أخرى إلى أول الكلام: "وللَّه"، فيها لام وبعد ذلك لفظ الجلالة "لله"، ومعناها "لـِ الله". إذن أين ذهبت الهمزة؟ لماذا لم نقل "لـِ الله"؟
ما هو أصل هذه الهمزة؟ همزة وصل تسقط عندما تتصل بكلمة قبلها، فأصبحت "لله". إذن الهمزة كأنها موجودة أيضًا؛ لأنها تسقط في الوصل، ولكنها تُثبَت عندما نحذف الحرف الذي هو اللام، نحذفه هكذا فيصبح "الله".
وإذا وضعنا اللام فيصبح "لـِ"، ولو وقفنا يجب أن نقول هكذا "لِ الله"، فإذا ربطناهم مع بعضهم البعض إذن هناك لام هنا.
الفرق بين لام الملكية ولام الاختصاص في اللغة العربية
ونحن في التفسير يجب أن نقف عند كل كلمة؟ لا، بل نقف عند كل حرف. فإذا نظرنا لحرف اللام، نرى أن اللام للمِلِك.
هذا المصحف لمن؟ يقول مثلًا: هذا المصحف لإبراهيم، يعني ماذا؟ لإبراهيم يعني ملك إبراهيم. إذن اللام تأتي وتكون للملكية.
وأحيانًا تأتي اللام أيضًا لأجل الاختصاص، في شيء يسمى الاختصاص. عندما يكون [المضاف إليه] لواحد عاقل تصبح اللام للمِلِك، أما عند [غير العاقل كـ] هذا الكرسي فنقول: هذا الكرسي له رجل، له رجل، فتصبح اللام للمِلِك؟ الكرسي امتلك الرجل؟!
قالوا: الكرسي لا يمتلك؛ لأن الامتلاك يريد ذمة، يريد أحدًا حكيمًا عاقلًا. أما الكرسي فليس عنده عقل فهو جماد، فيسمونه هذه اللام للاختصاص، أي رجل مختصة بهذا الكرسي، مثل الإضافة: رجل الكرسي، فيسمون هذه الإضافة للاختصاص.
تطبيق لام الملكية على الآية وبيان أن الله يملك كل شيء
إذن اللام قد تأتي للملك وقد تأتي للاختصاص. ما الفرق بين الملك والاختصاص؟ أن الملك لمن له إرادة، والاختصاص لمن ليست له إرادة.
"وللَّه" إذن معناها: في ملك الله. ربنا يملك ما في السماوات، إذن كل شيء في السماء من النجوم والكواكب، وإذا لم تكن هناك غازات أو أي شيء حول الكواكب، ولم تكن هناك انفجارات في الشمس أو أي شيء، فهذا لله.
إذن من الخالق ومن الصانع؟ الله. وهذه هي المسألة: الله هو الذي خلق وهو الذي يملك. إذن فكل ما في السماوات وكل ما في الأرض هو ملك الله.
مخاطبة الإنسان بعجزه عن الخلق وإثبات أن الله وحده الخالق المالك
فماذا يقتضي ذلك؟ قبل أن نكمل الحديث، إذا صدقنا بهذه الحقيقة وهي حقيقة في الواقع، يجب علينا أن نصدقها ويجب على جميع البشر أن يصدقوها.
هل أنت الذي صنعت هذه السماء؟ كيف وأنت صعدت إلى القمر يا بني آدم بصعوبة! القمر الذي هو قريب منا هذا، الذي هو جزء منا هذا. أنت يا بني آدم لم تستطع حتى الآن أن تذهب إلى المريخ، ولا أن تذهب إلى الزهرة ولا إلى أي شيء، بل أنت بالكاد تستطيع السير في المجموعة الشمسية، وليتك وصلت!
فمن الذي صنع المجرة ومن الذي صنع السماء ومن الذي خلق الأرض؟
الإنسان لم يخلق شيئًا والله وحده المالك والعالم بكل شيء
حسنًا، أأنت الذي خلقت الماضي أم الحاضر؟ ها أنت تقول: أنا صنعت وصنعت، صنعت السيارة والطائرة وكذا. حسنًا، أأنت الذي خلقت الماضي؟ لا خلقت الماضي ولا خلقت الحاضر ولا خلقت المستقبل، ولا أنت تستطيع أن تفعل هذا.
من الذي فعل؟ الله. ومِلِكُ من هذا؟ الله.
وما الذي سيترتب من هذا كله؟ الذي سيترتب هو:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
من الذي يعلم؟ أنت علمك محدود، وبعد أن تصل إلى حقيقة أو حقيقتين أو عشرة تموت، فقبل أن تصل بالعلم والمعرفة تجد روحك انتهت.
الله لا يُسأل عما يفعل لأنه المالك ولا يُنسب إليه الظلم
كذلك:
﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
لماذا لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون؟ لأنه هو المالك، هو الذي أنشأ، هو الذي خلق، هو الذي ملك، صاحب كل شيء.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
طبعًا، لماذا لا يُنسب إليه الظلم سبحانه؟ لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير. فهل عندما يتصرف ربنا في ملكه يصبح ظلمًا؟! كيف وهو ملكه! فلا يكون ظالمًا حاشاه؛ لأن هذا خلقه وهذه الأشياء ملكه سبحانه وتعالى.
الفارق بين المؤمن وغير المؤمن في إدراك حقيقة ملكية الله
هذا الفارق الذي بين المؤمن وغير المؤمن. غير المؤمن:
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
فيقول لك أحدهم: أنا ليس لي شأن بهذه الحكاية كلها، فأنا ليس يهمني إلا ما أعيش فيه فقط.
أما الله فيفتح مداركنا فيقول لنا:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]
وما دامت هذه الحقيقة استقرت في أذهانكم، فهو:
﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
وهو أعلم بكل شيء:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
وهو سبحانه وتعالى يتصرف في كل شيء كما يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فعّال لما يريد.
بناء العقيدة على حقيقة الملكية الإلهية ووجوب العبادة والطاعة والإيمان
وتُبنى عقيدة بنسق مفتوح، فالعقيدة التي تُبنى على هذا [الأساس وهو الإيمان بملكية الله لكل شيء] تجدها منفتحة هكذا؛ لأن الحقيقة واضحة أمامها.
ومن هنا كان حقًا علينا أن نعبد الله، حقًا علينا؛ لأننا مخلوقاته. ومن هنا كان حقًا علينا أن نطيع الله. ومن هنا كان حقًا علينا أن نؤمن بالله، وإلا نصبح مغفلين لو لم نفعل ذلك، ونصبح ظالمين؛ لأننا نقول شيئًا غير حقيقي فنصبح كاذبين.
ولذلك بداية الآية:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]
بداية مهمة وعقيدة مهمة، ستبين لنا بعد ذلك كيف تسير الآية:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 131]
كلام منطقي، لماذا؟ لأن لله ما في السماوات وما في الأرض.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
