سورة النساء | حـ 790 | 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 790 | 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • لله ملك السماوات والأرض، مما يوجب علينا الإيمان به وطاعته والسير وفق منهجه في الحياة.
  • النجاح الحقيقي ليس في الدنيا فقط بل في الحياة بشقيها: الدنيا والآخرة، فالكافر قد ينجح في الدنيا لكنه يخسر في الآخرة.
  • المنهج الإلهي يحرم الزنا والنظر المحرم ويحدد العورات، بينما المناهج البشرية تبيح المحرمات وتتساهل فيها.
  • الفرق بين منهج الله والمناهج البشرية يظهر في الأحكام والتشريعات كالزنا والسرقة والرشوة.
  • تقوى الله تقوم على التصديق به وبملكيته للسماوات والأرض.
  • أوصى الله آدم وذريته بوصية التوحيد، وبعث الرسل ليذكروا بها عندما ينسى الإنسان.
  • القرآن الكريم هو الوصية الباقية والمعجزة الخالدة، فلا حاجة لرسول بعد محمد ﷺ.
  • ختم النبوة حفظ وحدة الأمة الإسلامية، فلو تعدد الرسل لتفرقت الأمة وتناقصت.
  • اختلاف الأئمة في الفروع لم يخرجهم من الإسلام.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة في وجوب الإيمان بالله وعبادته والسير وفق مراده سبحانه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]

وهذا يعني أنه يجب علينا أن نؤمن بالله، ويجب علينا أن نعبده وأن نطيعه، ويجب علينا أن نسير في هذه الحياة الدنيا وفقًا لمراده سبحانه وتعالى.

الفرق بين نجاح الدنيا ونجاح الحياة الحقيقية عند المؤمن والكافر

برنامج الحياة يمكن أن يتشكل بأي طريقة، ولقد رأينا الذين آمنوا واتبعوا كلام الله، والذين لم يؤمنوا واتبع كل واحد منهم هواه.

في الواقع نجاح الدنيا لا يرتبط بهذا [بالإيمان والطاعة]؛ إنما نجاح الحياة [الحقيقية] هو الذي يرتبط بهذا. أي أن الكافر الذي يعمل البرنامج لنفسه وليس له علاقة بأي شيء آخر، هذا الكافر سينجح أيضًا، سينجح [في الدنيا].

لكن سيأتي يوم القيامة فسيكون له وضع آخر؛ ليس في الدنيا، في الدنيا سينجح وسيتمكن وكل شيء، لكن ليس في الحياة [الحقيقية] لم ينجح في الحياة. منها حياة دنيا مزرعة واختبار، ومنها حياة آخرة حساب عقاب أو ثواب.

الفرق بين البرنامج الإلهي والبرنامج البشري في تنظيم المجتمع

فهو [الكافر] وضع البرنامج، قال: والله أنا لا علاقة لي بهذه الحكاية، نحن سنعمل شيئًا يقرر للمجتمع كيف يسير. والزنا لا يوجد مانع منه عند هذا البرنامج [البشري].

أما عندنا نحن [المسلمين] فإنه:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]

الله جعله كذلك. هو [صاحب البرنامج البشري] قال: لا، هذا فيه شيء من المتعة أو شيء من كذا.

منهج الإسلام في سد ذرائع الزنا من تحريم النظر وتحديد العورات

لأن [الله] قلت [أي قال] إن الزنا حرام، فقلت [أي فقال] إن النظر حرام؛ لأن قلت إن النظر حرام فقلت: يا إخواني، الرجل عورته من الموضع الفلاني من السرة إلى الركبة، والمرأة كل جسدها إلا وجهها وكفيها.

هو [صاحب البرنامج البشري] يقول: لا، ما ثمة عورة ولا شيء، نمشي هكذا ما ثمة مانع. لكن دون أن نكون في الشارع عراة، في حمامات السباحة نمشي عراة، في نوادي العراة، لكن في الشارع ما زلنا حتى اليوم مترددين.

يقول لك: فلماذا الشارع؟ إن الهيبيين قالوا له هكذا، قالوا له: لماذا الشارع؟ ألا نمشي أيضًا في الشارع؟ إن لكل واحد برنامجه. البرنامج الإلهي وضعه من البداية هكذا.

الأدلة الشرعية من القرآن والسنة في تحريم الزنا وسد ذرائعه

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32]

ويقول [النبي ﷺ]:

«ما اختلى رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»

ويقول إن الزنا حرام، ويقول:

«إن العين تزني، وإن اليد تزني، وإن الرجل تزني، ويصدق كل ذلك الفرج»

والأحاديث كثيرة والآيات كثيرة أنتم تعرفونها.

والآخر [صاحب البرنامج البشري] يقول: لا ولا شيء، ما هو كل واحد مرافق واحدة، وعندما يريد أن يتركها وهي تتركه وتنتقل هكذا، وشيء في أمانة الله لا يوجد شيء. وواحد يقول لي: ما هذا؟ قلت له: هذا برنامج [بشري] وهذا برنامج [إلهي].

القضية ليست في مقارنة البرامج بل في اتباع منهج الله وعواقب مخالفته

فتكون القضية ليست قضية البحث في البرامج. وواحد يقول لي: يا الله، الزنا هذا حرام لماذا؟ يعني أنا لا أفهم، نفعله عندنا وماشي. قلت له: أن يمشي نعم، ولكن هذا ليس منهج الله، ليس منهج الله هكذا.

سيترتب عليه ماذا إذن؟ بعد مائتي سنة من انهيارات المجتمعات أو عدم انهيارها، من سعادة الإنسان أو من شقائه، من تسلط الإنسان على الإنسان، والدم الذي نراه في العراق وفي أفغانستان وفي كل مكان، لا نعرف ما الذي يحدث.

المقارنة بين عقوبة الزنا في المنهج الإلهي والمنهج البشري الوضعي

ولكن الأولى أن منهج الله هكذا:

﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]

المنهج الثاني [البشري] يقول: لا نضرب البشر أبدًا، نقتلهم فقط ولا نضربهم؛ لأن المائة جلدة مؤلمة، وإنما نذبحه ونعذبه في أبو غريب، أتدرك ذلك؟

لكن في الدُّري [أي في الحقيقة] منهج برنامج كذلك، ولكن ليس من عند الله.

ملامح المنهج الرباني في تحريم السرقة والرشوة والفرق بين منهج العقل ومنهج الله

فما الذي من عند الله إذن؟ يكتب لك صورة المنهج الرباني. وطبعًا نحن نتحدث الآن عن السرقة: لماذا السرقة حرام؟ في الرشوة: لماذا الرشوة حرام؟ وهكذا.

أحيانًا يوافقني [المنهج البشري] أيضًا وأحيانًا يخالفني. هذا منهج من صنع العقل وهذا منهج آتٍ من ربنا.

ما ملامح المنهج الخاص بي [أي المنهج الإلهي]؟ أن اتقوا الله، فسنصدق، والتصديق هذا هو الذي سيُبنى عليه تقوى الله؛ لأننا لا نستطيع أن نتقي الله إلا إذا صدقنا به.

دليل التصديق بالله ملكيته للسماوات والأرض ووصيته للأنبياء والرسل

فأول شيء نصدق بالله. ما دليل التصديق بالله؟ أنه صاحب هذه السماوات وهذه الأراضين، هو صاحبها هو مالكها:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]

ولقد أوصينا بالوصية التي أوصى بها الله سبحانه وتعالى لآدم لكي يقولها لأولاده، وأولاده يقولونها لأولادهم. وما سُمّي الإنسان إلا لنسيانه؛ ينسى الإنسان فيبعث ربنا الرسل لكي تُذكّر بالوصية الأساسية.

فبعث سيدنا إبراهيم، وسيدنا إبراهيم أوصى سيدنا ابنه إسحاق وإسماعيل، وإسحاق أوصى يعقوب، وهكذا.

﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ﴾ [غافر: 78]

فربنا سبحانه وتعالى يُذكّر:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]

القرآن الكريم هو الرسول المقيم والمعجزة الخالدة بعد ختم النبوة

حتى جاء القرآن الكريم مهيمنًا على ما سبق ومعجزة للرسالة لما يُتلى، فلم نعد محتاجين إلى رسل. فبماذا نُذكّر؟ بالقرآن.

فالتذكير بالقرآن أصبح هو الرسول المقيم، الذي هو الرسول المقيم الذي معنا دائمًا، والذي مع كل واحد منا، والذي في بعضنا حفظه في صدره، هو القرآن الكريم.

فتكون الوصية مأخوذًا بها؛ إنها ستكون وصية مستمرة عن طريق الرسل حتى يُختتموا بسيدهم صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يصبح القرآن الكريم هو الوصية الباقية والمعجزة الخالدة إلى يوم الدين.

لماذا لسنا محتاجين لرسول بعد النبي محمد ﷺ وأمة التوحيد الواحدة

لسنا محتاجين بعد لرسول، فلماذا؟ لماذا لسنا محتاجين لرسول؟

قال لك أولًا: هل النبي [محمد ﷺ] أُرسل للعرب فقط أم أُرسل للعالمين كافة؟ للعالمين كافة، إذن انتهى الأمر. إذن ولكن كل نبي [قبله] كان يُرسل لقومه خاصة.

ثانيًا: هذه أمة توحيد أم أمة تشتت وفرقة؟ أمة توحيد. فوحّدها الله في شهر صيامها، وحّدها الله في الكعبة تستقبلها، وحّدها الله في نبيها، وحفظ لها كتابها.

الكتاب الذي في يدي هذا واحد أم متعدد؟ تعرفون قرآنًا آخر في طبعة أخرى؟ طبعة أخرى في مختصر القرآن الكريم؟ في بعض الكتب يقول لك: طبعة جديدة، طبعة مزيدة ومنقحة. كتابنا هذا فيه هكذا؟ لدينا أي شيء آخر غير هذا الكتاب؟ أمة واحدة برسول واحد.

لو جاءت رسل بعد محمد ﷺ لانقسمت الأمة وتفرقت حتى تفنى

تخيل لو أن الرسل جاءت بعد سيدنا محمد ﷺ، جاء رسول من عند الله، هذا الرسول سيصدق به ناس وسيكذب به ناس، فيكون الذين كذبوه كفارًا والذين صدقوه هم المؤمنون.

وبعد قليل من الوقت وقبل مرور مائة سنة، فالناس الذين آمنوا بالرسول الأول انقسموا؛ فجزء ذهب معه وجزء كفر به، فأصبحوا كافرين بالاثنين. جاء ثالث، جاء رابع، جاء خامس، جاء عاشر، فأصبحت الأمة تقل كلما مر الوقت.

وقال له ربنا:

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]

هل أعطيناك الأقل أم أعطيناك الكوثر الذي هو الكثير؟

وحدة الأمة الإسلامية رغم اختلاف الأئمة في الفروع الفقهية

عندما لم تأتِ أنبياء ولم تأتِ رسل، الأمة أصبحت واحدة اسمها الأمة الإسلامية. ثم جاء أحدهم فقالوا: والله إن لمس المرأة ينقض الوضوء - الإمام الشافعي - وأبو حنيفة قال له: لا، ينقض [أي لا ينقض]. أمسلمون هم أم غير مسلمين؟ كلاهما مسلمان يسيران على ذلك.

ثم جاء آخر فقال: من يأكل لحم الإبل فليتوضأ - الإمام أحمد - فجاء الثلاثة وقالوا له: لا. الثلاثة: الشافعي ومالك وأبو حنيفة. جميعهم مسلمون أم لا؟ وأسيادنا أم ليس أسيادنا؟ نقول: سيدنا أحمد وسيدنا الشافعي ونحبهم أم لا؟ نعم، هؤلاء أئمة وأسيادنا.

هذا الدين من عند الله وباقٍ إلى يوم الدين على أمة واحدة

فلو كان هناك رسل بعد النبي ﷺ كانت ستكون واقعة ماذا؟ أي ستكون واقعة ماذا؟ أي لأنها كانت الأمة ستأكل بعضها وتنتهي.

فمن أين هذا؟ الدين من عند الله، ليس من حول وقوة محمد ﷺ، أي ما هو ليس من اختراعه كما يقولون. لا، هذا دين من عند الله وباقٍ إلى يوم الدين على أمة واحدة.

اتقوا الله، هذا منهج الذي أراده الله سبحانه وتعالى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.