سورة النساء | حـ 791 | 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 791 | 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • مفهوم أهل الكتاب في القرآن يشمل اليهود والنصارى والمسلمين، وليس مقصوراً على اليهود والنصارى فقط كما يفهم البعض.
  • الآية "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله" تؤكد هذا المعنى، فـ"من قبلكم" تشير إلى أهل الكتاب السابقين و"إياكم" تشير إلى المسلمين.
  • التقوى واجبة على الجميع، فالذي يخرج عن التقوى من أي دين ينصح بالالتزام بدينه الذي يأمره بالتقوى.
  • القرآن هدى للعالمين ومحمد ﷺ رحمة للعالمين، وليس مقصوراً على من آمن به.
  • أمة محمد ﷺ نوعان: أمة الدعوة وتشمل كل البشر، وأمة الإجابة وهم المسلمون.
  • حقائق الكون والشرع ثابتة سواء آمن الناس بها أم كفروا، فإيمان الإنسان أو كفره لا يغير من الحقيقة شيئاً.
  • الله غني عن العالمين، حميد بمعنى حامد ومحمود، فهو محمود منا عندما نؤمن ونعرف الحقيقة.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تلاوة آية الوصية بالتقوى من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 131]

هنا قال [الله تعالى]: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، لو أنه اقتصر على ذلك لدخلنا فيهم، أليس كذلك؟ نحن من أهل الكتاب أيضًا.

بيان أن أهل الكتاب يشمل المسلمين واليهود والنصارى جميعًا

أرسل الله كتابًا مع موسى وهو التوراة، وأرسل كتابًا مع عيسى عليه السلام وهو الإنجيل، وأرسل كتابًا مع محمد [ﷺ وهو القرآن]، وأرسل كتابًا مع داود [وهو الزبور]، وأرسل صحفًا مع إبراهيم، وهكذا أرسل كتبًا.

إذن فمن هم أهل الكتاب؟ كل هؤلاء بما فيهم المسلمون. كثير من الناس لا يفهمون هذا، فيفهمون أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى فقط. كلا، أهل الكتاب الذين يتحدث عنهم ربنا هم اليهود والنصارى بالإضافة إلى المسلمين.

ويؤكد هذا المعنى كلمة ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾؛ فكلمة "من قبلكم" جزء من أهل الكتاب، و"إياكم" جزء آخر من أهل الكتاب.

خطاب القرآن للبشر جميعًا بالتقوى لا للمسلمين فقط

فإذا ربنا وهو يتحدث عن أهل الكتاب يتحدث عن أقوام أرشدهم؛ فمن أطاعه نجا، ومن عصاه خاب وضل. وهذا [ينطبق] على كل البشر.

فيقول لك: هذا القرآن له موقف من الآخر، موقف ماذا؟ هذا نحن مع الآخر، هذا نحن والآخر أصبحنا شيئًا واحدًا؛ الذي يتقي الله يسير [على الصراط المستقيم]، والذي لا يتقي الله لا يسير عند الله، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل.

فهو [سبحانه] يتحدث عن قضايا تخصكم وإياكم؛ فالجميع مأمور بالتقوى.

نصيحة أهل الكتاب بالتزام دينهم وتحريم الظلم والإفساد على الجميع

فإن الذي من أهل الكتاب إذا خرج عن التقوى ننصحه بأن يلتزم دينه الذي أمره بالتقوى. نقول له: دينك يقول لك هكذا، أَتُفسد في الأرض؟ دينك يقول لك هكذا تقتل الناس؟ دينك يقول لك هكذا تظلم الناس؟ وهكذا.

والكلام الموجه إليهم هو موجه قبل ذلك إلينا [نحن المسلمين]؛ نحن ممنوعون أن نظلم، ممنوعون أن نفسد في الأرض، ممنوعون أن نقتل بغير حق، ومن فعل ذلك منا فقد عصى الله.

إذن إذا رب العالمين يخاطب البشر أجمعين، انظر إلى الكلام لا يخاطب المسلمين فقط.

الفرق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة وشمول رسالة محمد للعالمين

إذن إذا كان هذا الكتاب هدى للعالمين، وهذا الرسول ﷺ أرسله الله رحمة للعالمين وليس مقصورًا على فئة آمنت به، وهذا الكلام الذي قلناه من قبل في أمة الدعوة وأمة الإجابة.

من هي أمة الدعوة؟ كل البشر. اعمل إحصاءً في الأرض وقل لي: إن عدد السكان الآن أصبح ستة مليارات ونصف، دخلنا في سبعة. أمة الدعوة كم واحد فيهم؟ سبعة مليارات.

والله أمة الدعوة فيها ملحد، نعم؛ ما هو أنا أدعوك. أمة الدعوة فيها الشرق والغرب والشمال، نعم. أمة الدعوة السبعة مليارات.

جميع البشر من أمة محمد سواء آمنوا أو كفروا ومنهج الدعوة بالحكمة

أنت تريد أن تقول إن السبعة مليارات هؤلاء من أمة محمد ﷺ؟ أجل؛ آمن به من آمن هو من أمة محمد، كفر به من كفر هو من أمة محمد؛ لأن محمدًا ﷺ جاء للبشر.

يقول لك: أنت يا مسلم نريد أن نعرف من أنت. أنا أخوك في الإنسانية يا أخي. أنت من أمتي. قال لي: لكن أنا بوذي. قلت له: منذ متى؟ أيضًا بوذي، هندوكي، أنت من أمتي ومن أمتي.

هذا رسول الله ﷺ قال لي في أي شيء؟ قال لي: الدين النصيحة. لم يقل لي اضربه ولا أهينه ولا أخرجه من إنسانيته، ولا عذّبوا ولا اقتلوا ولا هذا. قال لي:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]

﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]

التفريق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة وعدد المسلمين في العالم

أمة الدعوة هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمة الإجابة أيضًا [هي جزء منها]. نعم، هؤلاء المسلمون الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

مليار وثلث الآن، مليار وثلث من كم؟ من الستة مليارات داخلون في سبعة، وداخلون أيضًا في مليار ونصف. من الستة مليارات مليار وثلث، سبحان الله! شاهدين [أن] هذه أمة محمد ﷺ، أمة الإجابة.

معنى الكفر كحجاب عن الحقيقة وثبات الحقائق الكونية والشرعية

حسنًا، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ [النساء: 131]، هذا يخاطب أقوامًا وحده [أي جميعًا]؛ ناس آمنت وناس كفرت. [من آمن] اتقوا الله، صدّق بالكتاب وقال: فعلًا أنا سأتقي الله، حسنًا. وكفر [من كفر].

﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾: الكفر هو الستر، والستر هو الحجاب؛ والحجاب جعله [الكافر] بينه وبين كلمة الله، لا يصدّق، جعل بينه وبين كلام الله حجابًا.

نعمل ماذا إذن؟ الحقيقة لن تتغير؛ ما هي الحقائق ثابتة، وحقائق الأشياء ثابتة، والإيمان بها متعيّن. كفرتَ؟ الحقيقة تغيّرت؟ والله ما من شيء سيتغير؛ لا الحقيقة الكونية ولا الحقيقة الشرعية ولا الحقيقة اللغوية.

ثبات الحقائق الكونية والشرعية واللغوية بغض النظر عن إيمان الناس أو كفرهم

يعني أناس كفروا وأناس آمنوا؛ [هل] الفاعل سينتصب والمفعول سيُرفع؟ [لا!] الفاعل مرفوع والمفعول [منصوب]، والشمس تطلع من المشرق وتذهب إلى المغرب، وربنا هو رب الكون؛ آمنتَ [أم] ما آمنتَ هو رب الكون أيضًا.

فما الذي يجعلنا في أول الآية:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]

نقول عنها إنها حقيقة؟ إنه كرّرها. هذه هي حقيقة: آمنوا واتقوا، لم ترضوا وكفرتم؟

﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]

أيضًا! يعني آمنتَ هكذا، كفرتَ هكذا؛ ولا كفرك ولا إيمانك سيُخرج الحقيقة من حقيقتها. فلتصدّق أو لا تصدّق، اصدُق لأن هذه حقائق أعلى مني [ومنك].

دعوة الإنسان للتواضع أمام عظمة الخالق والنظر في المنهج الإلهي

والسؤال العجيب الغريب هو: أنت الذي صنعت السماء؟ لا، انتهى! يعني هو فقط كفى هكذا. أنت الذي خلقت السماء؟ أنت الذي خلقت الأرض؟ فلا [تتكبّر].

تخجل إذن، اخجل! هذا الذي قلبه منوّر يخجل من ربه، والذي ليس منوّرًا سيبقى [على حاله].

﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]

سيجادل، لكن في الحقيقة القصة واضحة وسهلة جدًّا: أنت الذي خلقت السماوات والأرض؟ أنت الذي أوجدتهم؟ لا! أمّال [إذن] فتتكلم لماذا؟

ما رأيك أن تنظر إذن إلى المنهج الإلهي وترى التقوى فيه كيف؟ والحمد لله ربنا بيّن لنا هذا المنهج بالتفصيل.

غنى الله عن العالمين ومعنى اسمه الحميد الجامع بين الحمد والمحمودية

﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131]

فإن الله غني عن العالمين حميد. يعني ربنا سبحانه وتعالى يَحمد وهو محمود؛ قدّم الخير فضلًا من عنده وهو محمود منّا عندما نؤمن ونعرف الحقيقة.

لذلك عبّر بصيغة "فعيل" التي تفيد الفاعل والمفعول معًا؛ فـ"فعيل" يعني فاعلًا ومفعولًا معًا في هذا السياق. حميد أي حامد ومحمود.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.