سورة النساء | حـ 792 | 132 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تكرار قوله تعالى "ولله ما في السماوات وما في الأرض" في سورة النساء يفيد أهمية هذه الحقيقة.
- •التكرار في القرآن له فوائد متعددة منها: تأكيد الأهمية، وترتيب الأولويات، وإظهار الحكمة الإلهية، ودعوة للتأمل.
- •المعنى الأول للآية: تقرير حقيقة ملكية الله لكل شيء قبل الإيمان والكفر.
- •المعنى الثاني: بيان مصير المؤمنين والكافرين بعد الإيمان والكفر.
- •المعنى الثالث: توجيه للمؤمنين لاستعمال هذه الحقيقة منهجاً في الحياة.
- •ختمت الآية بـ "وكفى بالله وكيلا" للحث على التوكل على الله حق التوكل.
- •تكرار القصص في القرآن يفيد معانٍ مختلفة في كل موضع وليس تكراراً محضاً.
- •في تكرار القصص فوائد منها: تيسير حفظ القرآن، وإثبات أن القرآن محفوظ، وإظهار الإعجاز.
- •من أسرار التكرار إقامة الحجة على المشركين وتحديهم بالإتيان بمثل القرآن.
- •التوكل على الله ثمرة اليقين بأن له ما في السماوات وما في الأرض.
مقدمة الدرس وتلاوة آية ملكية الله لما في السماوات والأرض
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 132]
آية وردت بعد أن ذكر [الله سبحانه وتعالى] هذه الحقيقة مرتين في الآية السابقة؛ مرة في أولها ومرة في آخرها، ثم كررها [مرة ثالثة في هذه الآية].
الفائدة الأولى من التكرار في القرآن: التأكيد على أهمية الحقيقة
والتكرار يبين أمورًا، منها: أهمية هذه الحقيقة. عندما يكون هناك أمر مهم أكرره عليك، وهكذا لغة العرب؛ لغة العرب تكرر للأهمية حتى تبين لك الأهمية.
تأكيد: يقول لك الأكيد اللفظي "الساعة"، يعني تعالَ بسرعة الآن في الساعة التي نحن فيها، هذه الساعة. تأكيد.
فالتكرار يفيد التأكيد، والتأكيد للأهمية. يبقى إذن هذه الحقيقة:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 132]
بمعنى أن الله مالك ما في السماوات، وكل شيء في السماوات وكل شيء في الأرض هو ملك الله. حقيقة مهمة يجب أن نكررها؛ لأنه سيُبنى عليها تقريبًا كل شيء.
الفائدة الثانية من التكرار في القرآن: ترتيب الأولويات
والتكرار يفيد أيضًا ترتيب الأولويات. يقول لك: إن هذه الحكاية ضعها أول شيء؛ لأنك:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 132]
آمنت بها؟ انتهى. فاتق الله وإياك أن تكفر.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 132]
فماذا بعد ذلك؟ مرة أخرى فقد وضعتها رقم واحد، انتهينا. قال [الله] له: نعم.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131]
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 132]
أما بعد ما فصّلنا "غنيًّا حميدًا"، ظهرت مرة أخرى المرتبة الأولى. فبماذا تفيدني؟ ليس في لفت النظر فقط ولا في الأهمية فقط، بل أيضًا في ترتيب الأولويات. فالتكرار من فوائده ترتيب الأولويات.
الفائدة الثالثة من التكرار: صدوره من حكيم يدعو إلى التأمل واستخراج المعاني
وللتكرار فائدة رابعة وهي أنه قد صدر من حكيم. الذي أنزل القرآن هذا كلام الله، والله حكيم، فالقرآن صدر منه والله حكيم، إذن صدر من حكيم.
يدعوك إلى أن تتأمل فيها وتستخرج منها معاني مختلفة. إذن:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]
الأولى غير:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 132]
الثانية، غير:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 132]
الثالثة. وهذا الذي دعا الله إليه بتدبر القرآن.
قصة الشيخ محمد راشد في تفسير الحواميم وتعدد معاني التكرار
مرة الشيخ محمد راشد جلس وكان من كبار هيئة العلماء، هيئة كبار العلماء، يفسر "حم"، فقال لهم: يا أولاد، فسّروا "حم"، أتريدونها في يوم أم في أسبوع أم في شهر أم في سنة؟ فواحد من تلاميذه -صعيدي- قال له: ماذا ستقول يا مولانا في سنة؟ قال له: أنا أستطيع أن أفسر لسنة. قال له: لا، دعها شهرًا.
فجلس الشيخ محمد راشد رحمه الله يفسر الحواميم في شهر، خلال شهر. وبعد أن انتهى، الطلاب كتبوا منه سبعة وخمسين تفسيرًا للحواميم.
بعد أن انتهى، نحن عندنا كم من الحواميم في القرآن؟ سبع سور نسميهم الحواميم، ونزلوا وراء بعضهم البعض أيضًا. فبعد أن انتهى الشهر جاءوا منه بسبعة وخمسين تفسيرًا.
قال لهم: واعلموا أن كل "حم" له تفسير آخر غير "حم" الأولى، يعني الخاص بهذه السورة له غير الخاص بهذه السورة غير الخاص بهذه السورة، والله!
فوائد تكرار القصص في القرآن من العبرة والحفظ والتنوع
فهذا يلفتنا إلى أحد معاني التكرار. كرّر [الله في القرآن] القصص، كرّر قصة موسى كثيرًا، ما كرّر قصص النبيين، كررها. ما رأيك؟ في كل مرة في التكرار هناك عبرة، هناك معنى، هناك جانب تدخل إليه من القصة، ليس تكرارًا محضًا.
تكرار القصص يفيد فائدة وهي حفظ القرآن. ليس هناك جزء متشابه؛ تقرأ القصة هكذا فتجدها مختلفة عن القصة الأخرى: موسى وهارون، هارون وموسى. الله يفيدك في الحفظ ويثبت في المتشابهات.
يأتيك أيضًا يبين شيئًا آخر: أن القرآن هذا محفوظ؛ لأنه لو كان رُوي بالمعنى لما بقي في هذا التنوع، كانوا رووا كل شيء كل شيء وعملوا له مختصرًا. لا، ده كل أداء متنوع ومختلف.
التكرار في القصص القرآني يزيد في التحدي والإعجاز
يبين شيئًا خامسًا: التكرار الخاص بالقصص. وسادسة: ها قد وصفت لكم الكلام، هل تعرفوا كيف تأتون بمثله؟ فقال لهم: لا. قال: حسنًا، ها هي مرة ثانية لتعرفوا كيف تأتون بمثله؟ قد قلتها لكم مرتين. فقالوا: لا. قال: حسنًا، ها هي مرة ثالثة، حسنًا ها هي مرة رابعة.
فيكون الإعجاز هنا إعجازًا عظيمًا جدًّا. حسنًا، هذا كلام عالٍ جدًّا لا نقدر عليه، فها هو مرة ثانية وثالثة ورابعة. فهذا ليس من عنده [من عند بشر] إذن؛ لأنه لو كان من عنده لكانت زلة لسان لا يمكن أن يأتي بها مرة أخرى، ولكن لا، هذه زيادة في التحدي وفي الإعجاز، أتى بها مرة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة وهكذا.
المعاني المختلفة لتكرار حقيقة ملكية الله في ثلاث مواضع من سورة النساء
نرجع، فمرجعنا:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 131]
الأولى: كل ما في السماوات وكل ما في الأرض هي ملك لله، حقيقة.
الثانية: أنتم إذا كفرتم، ولأن لي [لله] ما في السماوات وما في الأرض فسوف تكون عاقبتكم سيئة، وأنتم إذا آمنتم ولأن لي ما في السماوات وما في الأرض فستكون عاقبتكم جيدة.
تبقى الأولى الحقيقة قبل الإيمان والكفر، التي تدفع إلى الإيمان وتحذر أو تجعل الكفر غير منطقي. والثانية بعد الإيمان والكفر. الأولى قبل الإيمان والكفر، والثانية بعد الإيمان والكفر، وفيها نوع من التهديد والوعيد والوعد؛ الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين.
الآية الثالثة خطاب للمؤمنين خاصة وختمها بالغنى والحمد
والثالثة للمؤمنين فقط. تبقى الأولى كانت للناس أجمعين، والثانية كانت للناس أجمعين، ولكن هذه [الأولى] قبل الإيمان والكفر وهذه [الثانية] بعد الإيمان والكفر.
ختمها [الله سبحانه وتعالى] بأنه غني وبأنه حميد؛ غني عن الكافرين وحميد للمؤمنين.
بعد ذلك خاطب المؤمنين فقط: اتركوهم الآن، نريد أن نرى عملنا نحن كمؤمنين. ماذا سنفعل؟ فخاطبنا [الله]، قال: ستفعل شيئًا سهلًا جدًّا. قلت له: ماذا يا ربي، تحت أمرك.
حقيقة ملكية الله منهج حياة للمؤمن وختامها بالتوكل على الله
قال لي:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [النساء: 132]
فهو يلفت انتباهي إلى أن تلك [الحقيقة] أليست هي التي بموجبها اخترت الإيمان؟ أم هي التي بها اطمأن الإيمان في قلبك واستقر؟ لا، هذا منهج حياة مرة أخرى في سيرك إلى الله وفي هذه الحياة. أعلم هذه الحقيقة واستعملها، هناك يُعتمد عليها وهذه بشرى لك، أما هذه فاستعملها.
إذن استعمل هذه الحقيقة، فماذا أفعل؟ اختتمها:
﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 132]
يبقى توكل على الله حق توكله.
قال النبي ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
