سورة النساء | حـ 795 | 135 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 795 | 135 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تفسير الآية الكريمة "كونوا قوامين بالقسط" يدعو المؤمنين ليكونوا رعاة للعدل والحق في جميع شؤون حياتهم.
  • العدل مطلوب في مختلف جوانب الحياة: مع الأهل والزوجة والأبناء، ولا يجوز التفضيل بين الأبناء كما بيّن النبي ﷺ حين رفض الشهادة على تفضيل أحد الأبناء بقوله: "لا أشهد على جور".
  • الشهادة بالحق واجبة ولو كانت على النفس أو الوالدين أو الأقربين، والصدق من أهم الأخلاق النشطة التي اتفقت عليها البشرية.
  • المؤمن لا يكذب ولا يعرف اللف والدوران، والشفافية التي تتجلى في قوله تعالى "كونوا شهداء لله ولو على أنفسكم" هي من أخلاق المسلم.
  • العدل يقتضي عدم التأثر بغنى أو فقر من تشهد له أو عليه، "فإن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما"، فيجب جعل الحق معياراً وعدم اتباع الهوى.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس والأمر بالقيام بالقسط في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]

خاطب [الله سبحانه وتعالى] المؤمنين فقال لهم: كونوا قوّامين بالقسط، قوموا بالقسط. قوّام بالقسط معناه أنه يرعى الحق والعدل، فكن من رعاة العدل والحق، التفِتْ إلى العدل والحق وكن من رجاله ومن أفراده ومن نسائه.

هذه واحدة، ولا يكن قيامك في الحياة الدنيا إلا بالعدل.

الفرق بين معنى القيام بالقسط والقيام بسبب القسط

كونوا قوّامين بسبب القسط. هناك [في آية أخرى] كونوا قوّامين بالقسط أي كونوا ملتفتين إلى القسط، وهنا كونوا قوّامين بسبب القسط؛ لأن الباء تأتي بالسببية.

كونوا قوّامين بالقسط الأولى معناها أن راية العدل اجعلوها أمامكم هكذا وأنتم قائمون بماذا؟ بسبب هذا [العدل]. كونوا قوّامين بالعدل، إياكم أن تلتفتوا إلى غير العدل، ولذلك عبّر بـقوّام دون قائم.

أنواع العدل المطلوبة في حياة المسلم اليومية مع الأهل والأبناء

أنواع العدل كثيرة؛ لأن حياتك متعددة الجوانب. تستيقظ فإذا بك في وسط بيتك وأهلك، فقد أُمرت أن يكون العدل في أهلك؛ بينك وبين زوجتك احذر الظلم، بينك وبين أولادك إياك ألا تعدل بين الأبناء.

ولذلك عندما جاءت امرأة تريد أن تغيظ ضرّتها، فقالت لزوجها: سأكتب لابني هذا البستان، فكتب. فقالت: أشهِدْ عليه رسولَ الله ﷺ، تريد أن تغيظ ضرّتها وتقول لها إن النبي ﷺ هو الذي قال. والنبي ﷺ كان ذكيًّا فطنًا منيرًا صلى الله عليه وسلم.

موقف النبي ﷺ من عدم العدل بين الأبناء في الهبة والعطية

فلما جاء الرجل وقال له [النبي ﷺ]: مَن ابن هذا؟ قال له: هذا ابن فلانة، فلانة تلك الجديدة. قال [النبي ﷺ]: وماذا عن القديمة؟ قال له: هل كتبتَ مثل هذا لسائر ولدك؟ قال: لا يا رسول الله.

قال [النبي ﷺ]: أشهِدْ عليه غيري، لا يفوت مثل ذلك عليّ منك ومن زوجتك. أشهِدْ عليه غيري، إني لا أشهد على جَوْر.

أشهِدْ عليه غيري. أخذ منها الإمام الشافعي أنه جائز [تفضيل بعض الأبناء في العطية]؛ فالنبي ﷺ لا يأمر بالمنكر. أشهِدْ عليه غيري، غير أن هذه اللعبة لا تمارسها معي، أنا لا أشهد عليه غير أنني لا أشهد على ظلم فلتخرج من هنا.

العدل مطلوب في كل علاقات المسلم من الجيران إلى النفس

بينك وبين جيرانك، تذهب إلى العمل بينك وبين زملائك في العمل، تذهب إلى المسجد بينك وبين أهل المسجد، لك أقرباء بينك وبين أقربائك، وهكذا قوّامين بالقسط.

حتى يصل الأمر إلى ما بينك وبين نفسك، فتكونوا أي لا تظلم نفسك بالمعصية وبالعصيان وبالذهاب [إلى ما حرّم الله] وما إلى ذلك.

معنى الشهادة لله ولو على النفس والوالدين والأقربين

شهداء لله أي شاهد ومشهود لله:

﴿وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]

هذا هو الكلام. إذن الشهادة قد تكون على النفس، فنحن نقول الحق ولو على أنفسنا، ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا.

إذن فالشهادة لا نزوّر فيها حتى لو كانت على أنفسنا، نقول: نعم صحيح، له حق، أنا مخطئ في هذا الأمر.

الشفافية الإسلامية وعلاقتها بالأخلاق الفعالة والنشطة المتفق عليها

هذه هي الشفافية التي أصبحت تُدرّس تحت اسم الأخلاق الفعالة أو الأخلاق النشطة. الأخلاق النشطة أو الفعالة اتفق عليها البشر العلمانيون والمتدينون بكل أديانهم، اتفقوا على ما يسمى بالأخلاق النشطة أو الأخلاق الفعالة.

منها الصدق؛ فعندما يجدك كاذبًا، تكون خارجًا عن الإنسانية، ولا علاقة له بالإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو البوذية أو أي شيء آخر، بل له علاقة بكونك إنسانًا، فكيف تكون كاذبًا؟

حديث النبي ﷺ في أن المؤمن لا يكذب وخطورة الكذب

فلنرجع لإسلامنا الذي قال لنا ماذا؟ يقول لنا:

قال النبي ﷺ: «أيكذب المؤمن؟ قال: لا. أيزني المؤمن؟ نعم ثم يتوب إن شاء الله. أيسرق المؤمن؟ هذه مصيبة، نعم. أيكذب المؤمن؟ لا»

إلى هذا الحد الصدق من ضمن الأخلاق [الفعالة]. قاموا بوضع أحد عشر خُلقًا، هذه الأخلاق النشطة، تجدها كلها في الإسلام وكلها مما علّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشفافية في الإسلام من خلال آية الشهادة بالحق ولو على النفس

من ضمنها [الأخلاق النشطة] الشفافية، آية:

﴿كُونُوا قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]

هذه هي الشفافية. المسلم لا يعرف كيف يكذب، لا يعرف كيف يلفّ ويدور.

حسنًا، هذه سهلة، لكن هناك ما هو أصعب من ذلك. قال: نعم، أو الوالدين، أبي وأمي. عندما أشهد، أشهد بالحق، علاقة الوالدية لا تؤثر [في صدق الشهادة].

موقف القوانين الوضعية من شهادة الأقارب مقارنة بالشريعة الإسلامية

وإلى هنا جاءت القوانين الوضعية وقالت: لا، نتأخر قليلًا في هذا الأمر. حسنًا، وماذا يفعل في أبيه وفي أمه؟ فلا يقبل شهادتهم له.

وهنا يقول له [الإسلام] ما أمر الله به، يقول له: حتى لو كان أبوك وأمك، لا يوجد شيء اسمه تشهد بالباطل.

﴿وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]

فيكون قد دخل في ذلك الزوجة، ودخل الابن والعم والخال. عمود القرابة الذي تتحدث عنه السورة [سورة النساء] منذ البداية هي قرابة فقط.

القرابة لا تؤثر في الشهادة بالحق والمسلم يستطيع أن يكون عادلاً

لكن هذه القرابة حرّمت علينا زيجات وأباحت لنا زيجات أخرى، أما في مسألة الشهادة فلا تؤثر بشيء، ولا تسمح لك باللف والدوران في الشهادة.

القانون الوضعي يتساءل: هل هناك ملائكة؟ ما هو المسلم؟ المسلم يمكن أن يكون مَلَكًا ويستطيع أن يفعل هذا [أن يشهد بالحق ولو على نفسه وأقاربه]. قالوا: نعم، من هم؟ المسلمون.

إذن يجب أن يكون العاقل خصيمًا لنفسه، تحاسب نفسك. سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] كان يقول هكذا: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا.

العدل بين الغني والفقير في الأسرة وعدم اتباع الهوى في الحكم

وبعد ذلك عندما أسّس [الله سبحانه وتعالى] لنا هذا:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 135]

لما أسّس لنا هكذا، قال ماذا إذن؟

﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ [النساء: 135]

الذي هو مَن؟ إن يكن غنيًّا أو فقيرًا، الذي ربنا يتحدث عنه من البداية. فالسورة [سورة النساء] معمولة للأسرة، فيكون رب الأسرة، فيكون رجع إلينا مرة أخرى بعد المجتمع العام للوحدة الأساسية [وهي الأسرة].

الله أولى بالرجل والمرأة والنهي عن اتباع الهوى في العدل

بمن؟ بالرجل والمرأة. أأنت منتبه؟ أسرة كلّف الله الرجل بالسعي والنفقة ورعاية الأولاد والمرأة، وكلّف المرأة التي يُخلق منها بإذن الله الحياة، كلّفها بالرعاية والعناية.

﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ [النساء: 135]

هما الاثنان: الرجل والمرأة.

﴿فَلَا تَتَّبِعُوا ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135]

فلا تميلوا إلى المرأة لأنه غني، ولا تميلوا عليه لأنه فقير. اجعلوا الحق خارج القضية. إنها آية عظيمة جدًّا من الآيات، سنستكملها في الحلقة التالية إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.