سورة النساء | حـ 797 | 136 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح الشيخ قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا آمنوا" موضحاً أن المقصود ليس تحصيل الحاصل، بل الاستمرار في الإيمان.
- •يوضح أن هذه قاعدة عامة في اللغة، فعندما يُخاطب المرء بما هو عليه فالمطلوب منه الاستمرار وليس البدء من جديد.
- •يبين أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
- •يشرح أن علم التوحيد يتكون من ثلاثة أقسام: الإلهيات (ما يتعلق بالله)، والنبوات (ما يتعلق بالرسل)، والسمعيات (ما يتعلق باليوم الآخر والقدر).
- •يؤكد أن الإيمان بجميع الرسل والكتب جزء لا يتجزأ من الإيمان، وأن الكفر بأي منها يخرج الشخص من الإسلام.
- •يبين أن قوله تعالى "فقد ضل ضلالا بعيدا" يشير إلى صعوبة هداية من كفر بأركان الإيمان، لأنه يحتاج إلى إقناع في قضايا متعددة.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الإيمان من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا ءَامِنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136]
إشكال مخاطبة المؤمنين بالإيمان وهم مؤمنون بالفعل
يا أيها الذين آمنوا، ما هذا وأنا مؤمن؟ وأنت سبحانك تقول لي: يا أيها الذين آمنوا، فقلت لك: لبيك ربي، مؤمنٌ ها أنا. ما هذا؟ قل لي الذي تريده.
ولكن الذي تعنيه [الآية] أن الخطاب موجه إليّ، فقل يا ربي ما تريد. قال: آمنوا.
فاستشكل بعض الناس هكذا: عندما تخاطب المؤمنين تقول لهم آمنوا؟ أي أنكم جالسون الآن وبعد ذلك آتي وأقول لك أيها الجالس أمامي: نعم يا سيدنا الشيخ اجلس. فكيف أجلس وأنا جالس؟
معنى أمر المؤمنين بالإيمان هو الاستمرار فيه لا تحصيل الحاصل
انتبه، اجلس أيها القائم أمامي، نعم قم. فأين أقوم إذن؟ أي أنني يجب أن أبحث عن شيء فأصبح معنى آخر.
يا أيها الذين آمنوا، نعم آمنوا. قال العلماء: آمنوا أي استمروا في الإيمان. وانتبه فهذه قاعدة: أنك عندما تُوجَّه بما أنت عليه فالمطلوب منك الاستمرار.
أنت تبر أباك وأمك، فجأة يقول لك: بِرَّ أباك وأمك. أنت تبرهم ليلًا ونهارًا، شهد الله وهم شاهدون وراضون. بِرَّ أبوك وأمك، يعني ماذا؟ استمر في البر. أنت تبره منذ أمس واليوم، لكن هذا يبقى معناه غدًا.
تطبيق قاعدة الاستمرار على الأوامر الشرعية كالصلاة وغيرها
أيها الجالس اجلس، يعني استمر في الجلوس. أيها القائم قم، يعني استمر في القيام. وتبقى قاعدة معك.
فلما يأتي أحد ويقول لك: صلِّ، لا ترد عليه وتقول له: ألستُ أصلي؟ أعلم، وأنتما الاثنان خارجان من المسجد، ولكن يبقى معنى ذلك ماذا؟ استمر في الصلاة.
صلِّ، ولا تقولوا هكذا: ما أنا وبعد ذلك ما أنا هكذا ما أنا آتٍ لأصلي هكذا. يقول لك: لا، معناها استمر في الصلاة. ولذلك تقول ربنا، يعني ما هو شيء، ماذا في المستقبل؟
الفرق بين تحصيل الحاصل والأمر بالاستمرار في الطاعة
فالفرق بين تحصيل [الحاصل] وبين الأمر بالاستمرار والإضافة إلى المستقبل. انظر إلى كلام العلماء، يقول لك: ما الفرق بين تحصيل الحاصل [والأمر بالاستمرار]؟ الكوب مملوء فكيف [تملؤه] له؟ هذا تحصيل حاصل؛ لأنه مملوء ولا يزيده في هذا.
أما الثاني فمعناه الاستمرار وليس تحصيل الحاصل؛ لأن تحصيل الحاصل عبث. أنت جالس وأقول لك اجلس بمعنى أن أنت تجلس الآن، حسنًا فأنا جالس! لا، فهذا عبث وكلام لا معنى له.
ولكن الكلام الذي له معنى هو الاستمرار. فلنحفظ إذن: يا أيها الذين آمنوا تعني الاستمرار، كلمة واحدة هكذا.
أهمية الفهم العميق والعلم بالقطارة لا بالكم الكثير
ألست ستقول كلمة واحدة لكي تنجح في الامتحان الشفوي في الأزهر؟ يفعلون هكذا، يسألونك شفهي، وما تريدون؟ أية كلمة هكذا هي تدل على أنك فاهم.
فلا تجلس إذن تثرثر كثيرًا. العلم بالقطارة وليس بالكم. العلم بالقطارة، قطرة وليس بالكم. تجلس تعطي كلامًا فارغًا لا معنى له! هذه كلمة واحدة تكشف: فاهم أم غير فاهم.
يا أيها الذين آمنوا آمنوا: هل هذا من تحصيل الحاصل؟ تقول له: من قبيل الاستمرار. نعم، هكذا إذن نجحت.
أركان الإيمان الستة وعلاقتها بأركان الإسلام الخمسة
يا أيها الذين آمنوا، هذا الإيمان، التصديق. تصدقه بماذا؟ بالله. والتصديق بالله هو أول أركان الإيمان.
كم للإيمان من ركن؟ ستة. أولها الإيمان بالله. إذن الإسلام مبني على كم ركنًا؟ خمسة: الشهادتان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج.
والإيمان مبني على كم ركن؟ ستة. ما هي؟ الإيمان بالله. آمنوا بالله.
أقسام علم التوحيد الثلاثة وما يتعلق بالإلهيات والنبوات والسمعيات
علم التوحيد ثلاثة أجزاء، ثلاثة فصول، ثلاثة أبواب، ثلاثة أقسام، سمِّ كما تشاء:
- الأول: الله سبحانه وتعالى — ما يجب، ما يستحيل، ما يجوز في حقه سبحانه.
- الثاني: الرسول — ما يجب، ما يجوز، ما يستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم، هو ومعه إخوانه الأنبياء، نبوة.
- الثالث: السمعيات — الأمور التي جاءت في السمع: اليوم الآخر، القدر خيره وشره، وهكذا.
حديث جبريل في بيان أركان الإيمان الستة وارتباطها بالكتب والرسل
فإذا كان الله ورسوله والرسالة تقتضي كتابًا ووحيًا، فتكون كتب، واليوم الآخر، والقدر خير وشر.
فجبريل لما سأل سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] سأله عن الستة:
قال له: «وما الإيمان؟» قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»
وهو [الملائكة] الغيب، وهو السمع. نعم، فيكونوا ستة.
هل المراد بالرسول في الآية محمد خاصة أم جنس الرسل عامة
هنا: بالله ورسوله والكتاب الذي نُزِّل على رسوله. هنا مشخَّص أم نوع من أنواع الجنس؟ جنس الرسول.
يعني هو لكي تفهم القرآن بوضوح: هو جنس الرسول، يعني أنت مؤمن بموسى وعيسى وإبراهيم ونوح وآدم وسيدنا النبي [محمد صلى الله عليه وسلم]. أم رسوله هنا يعني معناها محمد [صلى الله عليه وسلم]؟
ولكن الحقيقة أنها ماذا؟ يحتمل ويحتمل. فلكي يزيل عندك الاحتمال قال سبحانه: ورسوله والكتاب الذي نُزِّل على رسوله.
وجوب الإيمان بجميع الكتب السماوية وأن الكفر بأي رسول يخرج من الإسلام
الكتاب الذي نُزِّل على رسوله الحقيقة تصلح على القرآن وعلى التوراة وعلى الإنجيل وعلى صحف إبراهيم وعلى زبور داوود وعلى كل شيء.
حسنًا، لنفترض أن أحدًا قال: لا، أنا أؤمن بمحمد فقط. لا! أريد أن أؤكد لك أن الإيمان بجميع الرسل جزء لا يتجزأ من الإيمان بالإسلام.
إن كفرت بعيسى فلست مسلمًا، لست معنا. إن كفرت بموسى فلست مسلمًا، لست معنا. إن كفرت بواحد اسمه نوح ولكنك مؤمن بالجميع إلا نوحًا، فلست [من] جماعة المسلمين، أي ما أنت معنا كذلك.
إزالة الالتباس بذكر الكتاب المنزل من قبل وشموله لجميع الكتب السماوية
فذهب [القرآن] لكي يزيل كل التباس يقول:
﴿وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: 136]
أي كتاب؟ ما هو؟ ينبهك أنه هذا جنس الكتاب. فالكتاب الذي أُنزل من قبل قد يكون التوراة، قد يكون الإنجيل، قد يكون الزبور، قد يكون الصحف، قد يكون كذلك. والكتاب الذي أُنزل من قبل يعني جنس الكتاب.
أركان الإيمان الخمسة المذكورة في الآية والركن السادس وهو القضاء والقدر
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136]
أولًا بالله، ثانيًا وملائكته، ثالثًا وكتبه، رابعًا ورسله، خامسًا واليوم الآخر، فقد ضل ضلالًا بعيدًا.
والسادس ما هو إذن؟ القضاء والقدر خيره وشره من الله.
توزيع أركان الإيمان على أقسام علم التوحيد الثلاثة
هذا [الإيمان بالله] الركن الأول في التوحيد. ملائكته هذا الثالث في التوحيد [السمعيات]. رسله هذا الثاني في التوحيد [النبوات]. رسله أيضًا رقم اثنين في التوحيد، في علم التوحيد يعني.
اليوم الآخر: السمعيات رقم اثنين. هناك يبقى: واحد، اثنان. القضاء والقدر أيضًا في السمعيات، يبقى هكذا: واحد، اثنان، ثلاثة. هذا تقسيم علم التوحيد.
معنى الضلال البعيد لمن كفر بجميع الأركان والفرق بينه وبين الضلال القريب
فقد ضل ضلالًا، انظر إذن، بعيدًا. لماذا؟ لأنه كفر بالخمسة [جميعها]. فلنفترض أنه آمن بالله ورسله ومن [ثم] كفر بالملائكة، فقد ضل ضلالًا مبينًا واضحًا.
ولكن البعيد يكون صعبًا جدًا؛ فنحتاج إلى أن نجلس ونقنعه في ستة مواضيع أو خمسة مواضيع. هل تنتبه؟ ولذلك عبّر عن البعيد.
أما لو أن أحدًا نقنعه فيكون قريبًا، فتكون ضلالة مبينة.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
