سورة النساء | حـ 799 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

سورة النساء | حـ 799 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى قاعدة، هذه القاعدة فصلها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيلا وهي قاعدة الإنكار، كيف نتعامل مع المنكر؟ أمرنا الله ورسوله بأن نتعامل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من
الخلل أن نأمر بالمنكر أو ننهى عن المعروف، ومن الخلل أيضا أن نصمت فلا نأمر ولا ننهى، ومن الخَلل أيضا أن يُرتكب المنكر أمامنا فإذ بنا نتعامل معه ببساطة، عَلّمنا ربنا سبحانه وتعالى كما عَلّمنا نبيه حديث: {من رأى منكم منكرا فليغيره} أي على الفور الفاء تفيد التعقيب حديث: {بيده فإن لم يستطع فبلسانه
فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}، هذا الكلام نحفظه جميعا، إنما هناك حديث أورده ابن الحاج حديثا في كتابه [المدخل في تصحيح النيات]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث {من رأى منكم منكرا فليزله أو فليزل عنه}، إذن القضية هنا في هذا الحديث أنك تزيل المنكر إما بلسانك وإما بيدك وهكذا إلى آخره، لكن أيضا إذا لم تستطع أن تزيل المنكر فلا
بد عليك أن تبتعد وأن تزول أنت عنه. قال تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ} ﴿النساء: ١٤٠﴾‏ ما الفرق بين أنزل وما بين نَزّل؟ نَزّل في السورة هكذا، نحن نكتب "نَزّل" هذه ثلاثة أحرف أما أنزل نكتبها أربعة، فعندما يقول "نَزّل" كأن فيها قرب واتصال وسرعة، وعندما يقول "أَنزَل" فإن ذلك يعني أن فيها مهلة وراحة قليلة
هكذا، {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} ﴿النساء: ١٤٠﴾‏ فعندما يقول "نَزّل" فيحدث لي ماذا؟ حالة من الاهتمام، نَزّل ماذا؟ هذا أمر مهم، أي يجب أن نفعلها بسرعة، {وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} ﴿آل عمران: ١٣٣﴾‏ {فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ} ﴿الذاريات: ٥٠﴾‏ هكذا أي هناك أشياء لا بد فيها من السرعة، {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ} ﴿النساء: ١٤٠﴾‏ فإذا كان المؤمن يعيش في محيط فيه أناس كفار فيمكن أن يكون
هناك تعايش، ولكن بشرط ألا يمس عقيدتي، هذا التعايش يكون مع أقوام يحترمون الحرية، فأنا في مجتمع وهذا المجتمع غير مسلم وأفراده لا يعرفون عن الإسلام شيئا أو يعرفون ولا يريدون، حسنا، هذه حرية، دعوني في حريتي أنا أيضا، فهل أجلس معهم أم لا؟ وإذا وجدتهم يخوضون في آيات الله ويستهزئون بها ويسخرون منها فلا بد على أن أوقفهم عند حدهم، وأقول لهم هذا الكلام غير صحيح، هذا الكلام كذب، هذا الكلام لا يصح، فإن راعوا خاطري كان بإمكاني
أن أكمل معهم الجلسة، فإذا أكملت معهم الجلسة فهذا هو التعايش إذن ليس في قلبي شيء بشرط ألا تؤذيني، وألا تضرني، اتركوا الهجوم غير المبرر الذي تقومون به، وبقية الحديث فبإمكاني أن أجلس معكم، فماذا نفعل إذا ما جلسنا، يمكن أن نتسامر، يمكن أن نكون نعقد عقود عمل، يمكن أن نكون نعمل مع بعضنا البعض، يمكن أن نكون نخدم المجتمع الذي حولنا، يمكن أن نكون نفعل أي شيء، فكل هذا مباح من هذه الآية، فهذه الآية تقول لي ابتعد عنه ولكن عندما ترى المنكر الذي لا تستطيع أن توقفه أو أن تغيره، {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ} ﴿النساء: ١٤٠﴾‏
وعندما يخوضوا في حديث غيره، وهم على ما هم عليه من استهزاء ومن تكذيب ومن كفر ومن كل شيء أمشي معهم وأتعايش وأجلس معهم، حتى يخوضوا في حديث غيره طيب ولو سكتنا، فلماذا تسكت؟ هل لإنك مقتنع بالكلام الفارغ الذي هم يقولونه؟ لا، ولكن يعني لكي أسير حالي ممالأةً لهم، فربنا قال: {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} ﴿النساء: ١٤٠﴾،‏ وهذا الأمر كبير وشديد فلا بد علينا أن نزيل
المنكر أو أن نزول عنه، فلتزله أو فلتزل عنه، هذه قاعدة فاحفظوها، وهذه القاعدة بالذات هي التي تبني وترسخ وفي الوقت نفسه التعايش، لأنه سمح لي إذا ما خاضوا في حديث غيره أن أجلس معهم وأن أكمل معهم الجلسة، {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا} ﴿النساء: ١٤٠﴾‏ إذن الشخص الذي يكفر ويستهزئ ويسخر هذا ما حكمه؟ كافر. أما الذي يجلس ويرضى بذلك فيكون قد خرج من الدائرة الإيمانية إلى دائرة النفاق. هناك خطورة
ونحن مجتمعون وهم يتكلمون بألسنتهم ويكفرون ويستهزئون ويسخرون من دين الله، هناك خطورة أن ينزل العقاب علينا جميعا وليس على طائفة دون طائفة عندما يعم البلاء يعم العقاب والنبي عليه الصلاة والسلام يتحدث عن حديث: {جيش في آخر الزمان يحاول أن يغزو الكعبة فإذ هم ببيداء من الأرض يخسف الله بهم}، فعائشة التفتت على الفور قالت: حديث: {يا رسول الله وفيهم من ليس منهم} هؤلاء مارون هكذا حديث: {وفيهم أسواق العرب}
ناس جلست لتبيع وتشتري وهكذا في أمانة الله والجيش سائر وهو الجيش المفتري هذا الذي يريد أن يذهب إلى الكعبة قال: {نعم} كله سيذهب كله سيخسف به لأنه عندما يحدث الخسف لن نميز الصالح من الطالح لن يحدث هكذا بل ستخسف الأرض بالجميع حديث: {ويبعث يوم القيامة كل على نيته} الشر شر والخير خير إذن هناك خطورة في البقاء مع المفسدين والسكوت عنهم حال إظهارهم للفساد، فإذن أباح الله للمؤمنين التعامل مع الكافرين بشرط الاحترام فلتحترمني، أما
أن تجلس تسخر بي وتستهزئ وتكفر وتظهر التعالي فهذا غير مقبول، ولا بد علينا من الإنكار والمفاصلة، ولنا حينئذ الحق، فبعض الناس فهمت أمورا مشوشة فتعادي الكافرين ولا تتعامل معهم حتى لو كان الكافر مؤدبا ومحترما ونافعا، فانقلب الوضع على المسلمين وهاجمهم المجتمع قائلاً لهم إن لديكم عنفاً، والله إن الإسلام ليس فيه عنف، الإسلام فيه تعايش، كذلك فيه احترام، قالوا ونحن قد أصبحنا محترمين، قلنا لهم حسنا لقد أصبحتم محترمين فسنحترمكم، أما ما دمتم غير محترمين
فلا أنتم غير محترمين ونقول ذلك بالحق إنكم أنتم غير محترمين وإلى لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله