سورة النساء | حـ 801 | 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •المنافقون يخادعون الله وهو خادعهم، فهم لا يستحضرون عظمة الله ويظنون أنه لا يطلع على ما في قلوبهم.
- •يتظاهر المنافق بالإيمان وقلبه خالٍ منه، فيخادع بدعائه الناس ويخادع ربه وهو غافل عن أن الله عليم بذات الصدور.
- •علامة المنافق الظاهرة السعي في الأرض فساداً وإهلاك الحرث والنسل، وإذا نُصح باتقاء الله أخذته العزة بالإثم.
- •كلمة "نفاق" مشتقة من "النفق" الذي فيه خداع وخروج، وكل كلمة في العربية أولها نون وثانيها فاء تحمل معنى الخروج.
- •لله سبحانه وتعالى في القرآن مائة واثنان وخمسون صفة، منها ما يُذكر صراحة ومنها الأسماء الاشتقاقية.
- •أسماء الله توقيفية ولا يجوز لأحد أن يلعب بها، وتعبير "وهو خادعهم" جاء للمقابلة والمشاكلة وليس للوصف.
- •بعض الصفات لا يجوز إطلاقها على الله كالماكر والخادع لأنها توهم النقص.
مقدمة وتلاوة آية المنافقين في سورة النساء وصفاتهم في الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]
المنافق لا يستحضر عظمة الله ولا يعتقد في صفاته الحقيقية
المنافق لا يستحضر عظمة مولاه، يظن وهو غافل عن ذكر الله، يظن في الله صفات على غير الحقيقة. فالله سبحانه وتعالى عليم بذات الصدور، لا تخفى عليه خافية، هو قدير على كل شيء، هو على كل شيء قدير.
هذه صفات لله سبحانه وتعالى، المنافق لا يستحضرها، تمر عليه مرّ الكرام، لا يعتقد فيها. فهو يعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا يطلع على ما في قلبه، ومن هنا فهو يحاول أن يخدع الله. والخداع أن يُظهر خلاف الحقيقة.
سذاجة المنافق في مخادعة الله وإشهاده على ما في قلبه كذبًا
ووصلت بهذا المنافق السذاجة لدرجة أنه عندما يدعو الله سبحانه وتعالى يخادع نفسه، ويخادع ربه، ويخادع بدعائه الناس. وهو يدعو ربه يقول له: ربِّ إنني أُشهدك على ما في قلبي! هذه كلمة عظيمة جدًّا؛ أُشهدك على ما في قلبي، وهو لا يتذكر ربنا ولا يعلم أنه [سبحانه وتعالى] يعلم ما في قلبه، ويُشهد الله على ما في قلبه!
قال الله تعالى:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]
علامة المنافق الظاهرة السعي بالفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل
وإذا تولى [هذا المنافق] فما هي علامته الظاهرة؟
﴿سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 205-206]
إذن كل شخص يسعى في الأرض فسادًا ويُهلك الحرث والنسل، تعلم أنه مغضوب عليه من الله فورًا.
أصل كلمة النفاق من النفق وعلاقتها بالخداع والخروج
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: 142]
وهو أصل النفاق؛ يوجد خداع في النَّفَق أصلًا، فيه خدعة. ومنه النَّفَق؛ تجد له مدخلًا ومخرجًا، وأنت واقف فوق النفق والسيارة قادمة من جهة يسارك، ستنزل النفق فتظنها من بعيد أنها تسير أمامك، فتختفي ثم تظهر في الناحية الأخرى. خدعتك؛ بدلًا من أن تسير فوق الأرض سارت تحت الأرض.
النفاق فيه خروج؛ نَفَقَ يعني خرج. كل كلمة في العربية أولها نون وثانيها فاء يكون فيها معنى الخروج: نَفَرَ، نَفَعَ، نَفَخَ، نَفْسٌ، نَفَقَ، نَفَحَ، كلها فيها ماذا؟ خروج. فنَفَقَ: خرج من جماعة المسلمين، أظهر الإسلام وقلبه ليس فيه إسلام، أظهر الإيمان وقلبه ليس فيه إيمان.
معنى مخادعة المنافقين لله وتسلية المؤمنين بأن الأمر لله
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: 142]
فيكون عندما [قال الله تعالى] المنافق وحدها هكذا معناها خداع. وحدها "يخادعون"، لزومها ما؟ لا، هي ليست آتية لكي يُقِرَّ بأن المنافقين مخادعون، لا. هذا [الخطاب] يريد أن يقول لك: لا تحزن، هذا [المنافق] ليس يخدعك أنت، هذا يخدع ربنا.
قُم، عندما يقول لك هكذا، قلبك ماذا؟ يعني يهدأ قليلًا؛ لأنه عندما يكون يخدعك أنت فإنك تحزن. فيقول لك: لا تحزن، هو لم يخدعك أنت، بل خدع الله جل جلاله. اتركه لي أنا، فما دام قد دخلنا في الذات العلية فينبغي أن تنسحب أنت، فلست أهلًا للذات العلية. هذا [المنافق] ينافق ويخادع الله، اتركه إذن لله.
الله خادعهم وعجز المنافق الصغير أمام رب العالمين وعقوبته
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: 142]
فلما تركنا الأمر لله:
﴿وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]
أي أنهم ليسوا في مستوى الله [سبحانه وتعالى]. هذا المنافق الفاسد الصغير الذي هو كهذه الذرة الملقاة في الكون، لا يقدر على رب العالمين. ستُتعبهم مخادعتهم له سبحانه وتعالى، ستتسبب في أنه سبحانه وتعالى سيعاقبهم على هذا.
أسماء الله الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة وحفظ المسلمين لها
وهنا نذكر أسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن وفي السنة. في حديث أبي هريرة في الترمذي وردت ثلاث روايات، ما زلنا نحفظ رواية منها شائعة وذائعة بين المسلمين، وأمر جميل هكذا والناس حفظوها:
هو الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير... إلى آخرها.
يحفظونها والناس يُغنّونها في الأفراح وهم مسرورون في أمان الله. وحديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة:
قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
الفرق بين الاجتهاد العلمي والتحكم والكبر العلمي في مسائل الدين
وذهب [بعض العلماء] يسردها [أي الأسماء الحسنى]، فيخرج واحد يقول لك: لا، هذا الكلام كله خطأ وأنا الذي مُحِقّ! يا ليت مثلًا قال: أنا لي وجهة نظر.
ما هو الفرق بين الاثنين [الاجتهاد والتحكم]؟ الفرق بين الاثنين: عندما تقول أن لديّ اجتهادًا جديدًا، الاجتهادات كثيرة، يُوضع هكذا ولا يُنقض، فيبقى الاجتهاد الجديد لا ينقض الاجتهاد الماضي.
والفرق بين الاجتهاد والتحكم: فالتحكم لا [يقبل غيره]؛ كل ما مضى خطأ من أوله إلى آخره، وأنا الذي على صواب! هذا الكِبر العلمي، هذا الكِبر العلمي إذا كان فيه علم [أصلًا].
صفات الله في القرآن مائة واثنان وخمسون وبعضها غير موجود في حديث الأسماء
صفات ربنا في القرآن مائة واثنان وخمسون، مائة واثنان وخمسون. هناك صفات في القرآن غير موجودة في الحديث الذي رواه أبو هريرة [في الترمذي]، منها القدير مثلًا؛ شيء مشهور وهو أن الله على كل شيء قدير، غير موجودة [في رواية الحديث].
مائة واثنان وخمسون من المائة اثنان وخمسون اسمًا من الأسماء الموجودة في القرآن.
الأسماء الاشتقاقية لله تعالى المستنبطة من الأفعال في القرآن الكريم
منها [أي من أسماء الله في القرآن] أسماء تُسمى الأسماء الاشتقاقية، اثنان وعشرون اسمًا لا تأتي بالصراحة، بل تأتي بالفعل.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إذن "يُحببكم"، قد يقول قائل: الله حبيب، أُحبّ ربي وربي يحبني فهو حبيب. هل يوجد في القرآن "الله حبيب"؟ لا، إنما يوجد:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
﴿فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
إذن هذا الفعل الموجود يسمونه الاشتقاق.
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]
فيصبح اسمه الناصر. ونأتي عندما نُسمّي أولادنا نسميهم "عبد الناصر" سبحانه وتعالى، فيصبح "عبد الناصر". هذه جاءت من أين؟ من القرآن:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]
شرط الاشتقاق ألا يوهم نقصًا وأسماء الله توقيفية لا يجوز التلاعب بها
بشرط ألا يوهم نقصًا [في حق الله تعالى]، إلا يوهم نقصًا.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]
لا يجوز أن نقول عن الله ماكر.
﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]
لا يجوز أن نقول عن الله خادع. هو يقول هكذا "وهو خادعهم"، لماذا قال ذلك؟ للمقابلة والمشاكلة [في البلاغة العربية].
ولذلك فأسماء الله توقيفية، ولا يجوز لأحد أن يلعب بها وأن يهزّها، ولها قواعد جهلها من جهلها وعلمها من علمها. وعندما يتصدر الناس بجهل لأسماء الله الحسنى تترتب الفتن والمحن والأحقاد.
وهكذا فأسماء الله الحسنى كما هي وكما نحفظها في الحديث وفي القرآن. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
