سورة النساء | حـ 802 | 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •أسماء الله الحسنى وردت في أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع المسلمون على حجية السنة في الدين.
- •القرآن والسنة متلازمان لا يفترقان، والسنة هي التطبيق المعصوم للقرآن وشرحه، كما قال النبي: "أوتيت القرآن ومثله معه".
- •الأسماء المزدوجة مثل "المحيي المميت" و"الأول الآخر" تدل على كمال الله تعالى، وتُذكر مقترنة لبيان هذا الكمال.
- •أسماء الله تشمل أسماء الجمال كالرحمن والرحيم، وأسماء الجلال كالجبار والمنتقم، وأسماء الكمال كالأول الآخر.
- •لاعتبار اللفظ اسماً لله يشترط: ورود مادته، وألا يوهم نقصاً، وأن يكون اسماً لا صفة.
- •ألفاظ مثل "خادع" و"ماكر" وردت في القرآن على سبيل المشاكلة وليست أسماء لله.
- •ذكر الله كثيراً من علامات الإيمان، بعكس المنافقين الذين "لا يذكرون الله إلا قليلاً".
- •ينبغي التمسك بأذكار الصباح والمساء وأذكار اليوم والليلة الواردة في السنة.
مقدمة الدرس وتلاوة آية المنافقين من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]
وفي هذا [السياق] تحدثنا عن أسماء الله الحسنى وأنها واردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي بروايات ثلاث عن سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأنها شاعت وذاعت في الأمة وذكر بها المسلمون عبر العصور.
الرد على من ينكر أسماء الله الحسنى الواردة في السنة ويقتصر على القرآن
حتى قام قائم ينكر هذه الأسماء ويحاول أن يستخرج الأسماء من القرآن فقط، والكتاب والسنة صنوان لا يفترقان إلى يوم القيامة.
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [الحشر: 7]
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32]
إلى آخر الآيات التي تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقول قولًا وينقل عنه بصورة صحيحة فهو حجة في دين الله بإجماع المسلمين.
إجماع المسلمين على حجية السنة النبوية في الدين
أهل السنة ومن الشيعة، من المعتزلة ومن الأشاعرة، من السلف من الخلف، كل المسلمين أجمعوا أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة في الدين.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال النبي ﷺ: «رُبَّ رجلٍ متكئٍ على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا من حرام حرّمناه، ألا إنني أوتيتُ القرآن ومثله معه»
إذن فالسنة تفسر القرآن وهي التطبيق المعصوم للقرآن، وهي مع القرآن لا يفترقان أبدًا.
السنة النبوية أوسع من القرآن لأن الشرح دائمًا أكبر من المشروح
وفي رواية: «مثليه معه»، يعني السنة ضعف القرآن؛ لأن الشرح يكون أكبر من المشروح، ودائمًا التفسير يكون أوسع.
فنرى تفسير القرطبي عشرين جزءًا، وتفسير الرازي ثلاثين جزءًا، والقرآن إيجاز في إعجاز؛ فدائمًا الشرح يكون أكبر من المشروح.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم أتى لنا بهذا [البيان والتفصيل]، لكن يقوم قائم وينكر [السنة] ويسبب بلبلة في وسط المسلمين.
جهل المنكر بمعنى الأسماء المزدوجة لله تعالى ودلالتها على الكمال
والمصيبة أن هذا الذي أنكر [أسماء الله الحسنى الواردة في السنة] لم يعرف معنى الأسماء المزدوجة.
الأسماء المزدوجة تدل على الكمال: الأول الآخر، الظاهر الباطن، النافع الضار، المحيي المميت. ويقول لك: لا، هذا [الاسم]، ربنا ليس بمحيي ولا مميت! ابتدأنا إذن نخرف، ابتدأنا يحدث عندنا تخريف للقضية.
القضية عقدية؛ ميزة المسلمين أن الله سبحانه وتعالى قد وصف لهم نفسه وصفًا كاملًا تامًّا: بعض أسمائه للجمال كالرحمن الرحيم العفو الغفور الودود، وبعضها للجلال كالعظيم الجبار المنتقم شديد المحال جل جلاله، الله ذو الجلال والإكرام، وبعضها للكمال.
الأسماء المزدوجة يُسنّ ذكرها معًا وشروط الاسم الإلهي الثلاثة
هذه الأسماء المزدوجة التي يُسنّ عند ذكرها أن تُذكرا معًا الاثنين مع بعض؛ فيفيد ذلك الكمال.
صاحبنا [المنكر لأسماء الله الحسنى] لا يعرف هذه المعلومة، لا يعرف معلومة أن الاسم لا يكون اسمًا إلا بثلاثة شروط:
- الشرط الأول: أن ترد مادته [في الكتاب أو السنة].
- الشرط الثاني: أن لا يوهم لله نقصًا.
- الشرط الثالث: أن يكون بذلك صفة وليس من باب الأسماء [فقط].
الفرق بين الاسم والصفة في حق الله تعالى مع التوضيح بالمثال
يجهل [هذا المنكر] حتى الفرق بين الاسم والصفة.
ما الفرق بين الاسم والصفة؟ قالوا: الاسم عَلَمٌ على الذات، أما الصفة فمعنى قائم بالذات.
إذن هناك فرق بين المصحف وبين لون المصحف؛ معنى قائم بالذات: صفة المصحف أنه أخضر أو أزرق أو أسود؛ لأن لونه الجلدي هذا صفة المصحف. لكن ما هو المصحف؟ كلام الله ما بين الدفتين الذي يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة وينتهي بالناس، أو هو هذا المصحف.
ففي فرق بين الاسم وفي فرق بين الصفة.
وجوب التعلم قبل الاجتهاد وخطورة الجرأة على هدم تراث الأمة
من غير أن تتعلم الفرق بين الاسم والصفة، وتتعلم الفرق بين الاسم المفرد والأسماء المثناة، وتعلم الفرق والشروط التي تحكم الأسماء كيف تكون، وتعلم وعلم ثم اتكلم، واهدم ما عليه الأمة كلها!
العيب الخاص به [بهذا المنكر]: أين؟ في اجتهاده أم في إرادته هدم الأمة؟ لا، في إرادته هدم الأمة.
هذا تصور الجرأة! جرأة في الدين، وصاحب الجرأة في الدين مذموم. شرقًا وغربًا وسلفًا وخلفًا منذ عهد الصحابة الكرام وحتى الناس اليوم.
حكمة قول العالم والله أعلم تواضعًا لله بعد تحرير المسألة
ولذلك لدينا كلمة فلسفة عالية جدًّا، حكمة عالية تمامًا: أنه بعد أن ينتهي [العالم] من الكلام يقول ماذا؟ «والله أعلم».
يعني ماذا؟ يتواضع لله بعد أن يقول لك ويحرر لك المسألة تمامًا يقول ماذا؟ «والله أعلم».
معنى ذلك ماذا؟ هذا الكلام معناه أنه يخاف من ربه، معناه أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، معناه أن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد.
الاجتهاد المقبول يُثري الأمة ولا يهدم تراثها
أما كل واحد يخرج باجتهاد يريد به أن يهدم الأمة كلها، العيب الخاص به أين؟ في اجتهاده أم في إرادته هدم الأمة؟ لا، في إرادته هدم الأمة.
قل واترك رأيك مع الآراء التي موجودة، وبعدها تقول ماذا؟ بقي «والله أعلم». يا أخي، من تواضع لله رفعه.
لكن هكذا هو، كل واحد يخرج باجتهاد يريد أن يكون هذا هادمًا لتراث الأمة بحالها، وأنه لا يوجد أحد يفهم إلا هو. لا ينفع! أنا عندما يكون لدي اجتهاد أعرضه وأقوله وأقول «والله أعلم».
الاجتهاد يُضاف إلى الآراء ولا يهدمها فيكون ثراءً للأمة
قم أنت تأتي تجد بدلًا مما كان لدينا عشرة اجتهادات أصبح لدينا أحد عشر؛ فيكون في ثراء.
لا يصح أن يصبح لدينا واحد يهدم عشرة ويأبى إلا أن يهدمها.
لا يجوز اتخاذ صفة المخادعة والمكر اسمًا مستقلًا لله تعالى
لا يجوز أن [نأخذ من قوله تعالى]:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]
فتكون هذه على سبيل المشاكلة [اللغوية]، ولا يصح أن تكون اسمًا مستقلًّا. فيأتي ليقول لي: إذن أنا سأجمع أسماء [الله من] القرآن: الله خادع، الله ماكر! لا يجوز؛ لأن هذا يعني نقصًا.
يتحقق إذن [الشرط الثاني من شروط الاسم: ألا يوهم نقصًا].
صفات المنافقين الظاهرة في الصلاة وقيامهم إليها كسالى يراءون الناس
بقية الصفات الخارجية للمنافقين [التي ذكرها الله تعالى]، أما الداخلية فلا يعلمها إلا الله:
﴿وَإِذَا قَامُوٓا إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ﴾ [النساء: 142]
لا يزال شعلة وهمّه [بالصلاة] لم تشتعل فيه بعد.
تعلق قلوب المؤمنين بالصلاة بين المساجد والأذان والوقت
الناس أولًا [أصناف]: انتهى [صنف] قلبه معلق بالمساجد، وفي بعض الناس قلبه معلق بالأذان؛ يعني أول ما يؤذن المؤذن على الصلاة دائمًا. والآخر قلبه متعلق بالوقت من الظهر إلى العصر.
ربنا أعطانا فسحة [في الوقت] ليس تأخيرًا تكاسلًا. لا يعرف [المؤمن الراحة] إذا اقترب العصر ولم تُؤدَّ صلاة الظهر بعد؛ فيبقى قاعدًا على نار.
هذا قلبه متعلق بالأذان، وهذا قلبه متعلق بالوقت، وهذا قلبه متعلق بالمسجد. سبحان الله! ولكن كل هؤلاء يقومون إلى الصلاة، ربطوا حياتهم بالصلاة.
حال المنافق الذي تفوته الصلوات ولا يبالي ويصلي رياءً أمام الناس فقط
أما صاحبنا الآخر [المنافق] فقد فاتته صلاة الظهر وفاتته صلاة العصر وفاتته صلاة المغرب ولا يحدث شيء! أي: عندما لا نصلي اليوم نصلي غدًا إن شاء الله!
﴿وَإِذَا قَامُوٓا إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ﴾ [النساء: 142]
أي لا يذهب للصلاة إلا أمام الناس، أما إذا كان الأمر بينه وبين [ربه فلا يصلي]. أخذوا إذن [هذه الصفة]، المهم.
ذكر الله الكثير يكون بالتزام أذكار السنة في اليوم والليلة
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]
تجد لسانه فقط [يتحرك] وذكر الله غير موجود.
ذكر الله الكثير هو أن تلتزم بأذكار السنة المشرفة: كان [النبي ﷺ] إذا دخل المسجد قال كذا، وإذا خرج قال كذا، وإذا جلس قال كذا، وإذا استيقظ من النوم قال كذا. الذي هو عمل اليوم والليلة تحت هذا العنوان: أذكار الليل والنهار والليلة.
فما هو الإطار الذي دخلت فيه؟ ذكر الله الكثير، ذكر الله القليل، أم أنك لا تذكر مطلقًا؟ حتى في الطعام لا تقول بسم الله ولا تقول الحمد لله ولا تقول شيئًا.
الدعاء بأن يجعلنا الله من الذاكرين له كثيرًا والخاتمة
فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذاكرين له كثيرًا والذاكرات.
وإلى آخر [لقاء] نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
