سورة النساء | حـ 804 | 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 804 | 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • عندما يخاطب الله المؤمنين بقوله "يا أيها الذين آمنوا" فإن ما يتبع هذا النداء يتعلق بقضية التوحيد والإيمان والتكليف والوحي.
  • الإيمان له أركان ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
  • وصف النبي الإيمان كشجرة لها فروع، أعلاها التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة منه.
  • الكفر يقابل الإيمان، وكل طاعة من شعب الإيمان وكل معصية من شعب الكفر.
  • حذر الله المؤمنين من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
  • المنهج الإسلامي يقر بوجود الشهوات لكنه يدعو لمقاومتها وعدم الاستسلام لها.
  • فرويد وصف النفس البشرية بأنها أمارة بالسوء، لكنه دعا للاستسلام للغرائز، بينما الإسلام يقر بوجود النفس الأمارة بالسوء لكنه يؤكد أنها تتطور إلى اللوامة ثم المطمئنة.
  • الكفر يدمر الإنسان والعمران، وعلى المؤمن ألا يسير في طريقهم.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة في سورة النساء وتوجيهات الله للمؤمنين نحو سعادة الدارين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينصح المؤمنين ويوجههم التوجيهات الأساسية التي بها سعادة الدارين؛ الدنيا والآخرة.

دلالة خطاب يا أيها الذين آمنوا على قضايا التوحيد والتكليف والدعوة

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وما دام الخطاب للمؤمنين فإنه أمر يختص بقضية التوحيد وبقضية التكليف، بقضية الوحي، بقضية الرسالة، بقضية الدعوة التي أُمرنا أن نبلغها للعالمين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلنلتفت إلى أن ما بعد ذلك من أمر أو من نهي إنما يتعلق بهذه القضية الكبرى؛ قضية التوحيد.

قد يتعارض ذلك مع بعض مصالح الناس، وقد يتعارض ذلك مع بعض مفاهيم الناس، وقد يتعارض ذلك مع بعض رغبات الناس، لكنه حينئذ وعندما عنون الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه بذلك يتعلق بهذه القضية؛ قضية التوحيد، قضية الوحي والتكليف، قضية التبليغ والدعوة، قضية اليوم الآخر في الحساب والعقاب.

أركان الإيمان الستة وعلاقة كل أمر ونهي بقضية الإيمان

هذا الإيمان، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والإيمان له أركان ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعلى الفور هكذا، أول ما تسمع هذه الكلمة تعرف أن ما يأتي له علاقة من قريب أو من بعيد، مباشرة أو بطريق غير مباشر، بقضية الإيمان.

النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء والعلاقة بين الكفر والإيمان

﴿لَا تَتَّخِذُوا ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 144]

إذن هناك قضية أيضًا في مقابلة قضية الإيمان تسمى بالكفر؛ لأن الكفر هو عدم الإيمان.

تشبيه النبي ﷺ للإيمان بشجرة لها فروع وشعب متعددة

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصف لنا الإيمان وصفه لنا وصوّره كشجرة لها فروع، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «إن للإيمان بضعًا وسبعين شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس، والحياء شعبة من شعب الإيمان»

صوّرها في صورة شجرة لها أعلى ولها أدنى ولها فروع؛ أعلاها لا إله إلا الله وهي القضية الكبرى، وأدناها سلوك ينبئ عن فعل العبد الرباني أنه يزيل الأذى من طريق الناس.

من يحرص على إزالة الأذى لا يضعه والنبي يحذر من الملاعن الثلاثة

والذي يكون حريصًا على إزالة الأذى من طريق الناس فإنه لا يضع الأذى في طريق الناس. ولذلك سمّى النبي صلى الله عليه وسلم من يضع الأذى في طريق الناس وفي مكان مجالسهم وفي مكان ظلهم بالشجر:

قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الملاعن الثلاثة»

ملاعن؛ لأن الناس تلعن من يفعل ذلك، الذي هو وضع الأذى التي تمنعك من الجلوس تحت الشجرة، أو من الوضوء من الماء الجاري، أو من الجلوس في الطريق بطريقة لا تسدّ على الناس. وهذه هي الملاعن الثلاث.

إماطة الأذى والحياء من شعب الإيمان ودورهما في حفظ الإنسان

الإيمان فيه إماطة الأذى عن طريق الناس، فبالضرورة لا تؤذي الناس. هذا كلام واضح.

والحياء شعبة من شعب الإيمان، وفي الحياء وهو خلق كريم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إن مما ترك الأنبياء: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»

الحياء هو الذي يمنع الإنسان من الفاحشة، والحياء هو الذي يدعو الإنسان إلى العفاف فيستحي. ولكن إذا لم يستحِ فإنه يفجر، وضد الحياء الفجور وعدم المبالاة.

شجرة الإيمان فروعها الطاعة وشجرة الكفر فروعها المعصية

فالشجرة هي شجرة الإيمان، فما الشجرة المقابلة لها؟ الشجرة هي شجرة الإيمان وفروعها الطاعة، فالذي يقابل الإيمان هو الكفر.

لا إله إلا الله، فهذا [الكافر] لا يؤمن بالله أو لا يؤمن بالملائكة أو بالرسل أو بالكتب أو باليوم الآخر أو بأي ركن من أركان الإيمان. وعندما يذهب الركن يذهب الشيء [كله]، فهذا كفر.

فجاءت هذه العبارة من هذا التصور الجامع أن الإيمان شجرة فروعها الطاعة، ولذلك فكل طاعة هي من الإيمان. هذا هو الكلام، وكل معصية فهي من شعب الكفر.

ارتكاب المعصية لا يعني الكفر بل هو فرع من شجرة الكفر

يعني لو ارتكبت معصية أكون كافرًا؟ لا، ما أنت لم تقف في الشجرة نفسها [شجرة الكفر]، بل أنت أخذت فقط قطعة فرع منها وهي المعصية التي فعلتها. فقط فرع قذر، فرع سيء، فرع يحاول الشرع أن يزهّدك فيه وأن يطهّرك منه.

ويقول لك: ما هذا الذي بيدك؟ هذا أمر سيء. والطاعة تقول لك: هذا أمر جميل جدًا. أي يدفعك إلى الطاعات ويمنعك من المعاصي، ومن أجل ذلك جعلها [الشرع] من شعب الكفر.

فهم الآية في ضوء المقابلة بين شعب الإيمان وشعب الكفر

هذه القضية لو فُهمت تُفهم هذه الآية:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 144]

إذن جاء بماذا؟ الكفر والإيمان. في هنا [شجرة الإيمان] إزالة الأذى عن طريق الناس، فماذا يوجد هناك [في شجرة الكفر]؟ إيقاع الأذى بالناس.

يوجد هنا الحياء ويوجد هنا الفجور، يوجد هنا التصديق ويوجد هنا التكذيب، يوجد هنا حفظ النفس والمال والعرض والدين والنسل وكرامة الإنسان والطهارة والعبادة، ويوجد هنا عكس ذلك كله.

حقيقة الكفر الذي يحاربه الإسلام وتدميره للأرض وأهلها

هذا هو الكفر الذي يحاربونه [المؤمنون]؛ كفر لا يؤمن بالله ويدمر الأرض وأهلها، ولا يزكّي النفس بل يدعو إلى النفس الأمارة بالسوء.

نقد منهج فرويد في وصف الواقع دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في بعض الأحيان نجد أناسًا يصفون الواقع وصفًا صحيحًا، ثم بعد ذلك لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بل يريدون أن يكرّسوا الشر.

فـفرويد يصف الإنسان بأن الجنس يحركه وكل شيء وراءه الجنس. لو تأملنا لعلنا نوافق فرويد، مقبول، ولكن نقول له: ثم ماذا؟ قال: انتهى! فيبقى اترك نفسك لنفسك هكذا، أشبع غرائزك.

الرد الإسلامي على فرويد بأن النفس قابلة للتهذيب والترقي

نحن نقول له شيئًا آخر تمامًا غير ذلك:

والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

أنت تقول يا فرويد إن هناك نفسًا أمارة بالسوء، وعلى ذلك فلا بد عليها أن تستمر في سوئها. نحن نقول: لا! في نفس أمارة بالسوء متفقون معك، لكن في نفس لوّامة، وفي نفس ملهمة، وفي نفس مطمئنة، وفي نفس راضية، وفي نفس مرضية، وفي نفس كاملة.

ما أدراك يا فرويد أنها نفس واحدة تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف؟ لا! أنت بوصفك كل وصفك صحيح، ولكن نصيحتك بعيد عنك هباء؛ لأن الإنسان لا يصل بما تقوله هذا إلا إلى الطريق المسدود؛ لأنه مخالف لمن خلق [الإنسان] سبحانه وتعالى.

مقاومة الشهوة واجبة والإسلام يقر بوجودها دون الاستسلام لها

يا فرويد، العفاف واجب والزنا حرام. يا فرويد، عندما أقاوم نفسي من شهوتي أنا لم أنكر الشهوة. هذا ربنا يقول:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14]

فأنا لا أنكر أن لديّ شهوة، ولكن لا أستسلم للشهوة؛ فهي موجودة نعم، وأنا أيضًا أقاومها ولا أسير وراءها.

خطورة ترك منهج الله والسير وراء الكافرين الذين لا يؤمنون

هو [فرويد] يقول: لا، اتركها وسِرْ وراءها. فما أنا بهذا الشكل أبقى عصيت ربنا وأقعد أنا قلق! بهذا الشكل فهو يقول لك: فلنترك ربنا! وبعد ذلك كيف نعيش من غيره؟

وهنا:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 144]

لا تسيروا في هذا الطريق المعوج، لا تسيروا وراء الذين لا يرضون أن يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر ولا بالقضاء والقدر ولا بالكتب ولا بالتكليف ولا بالرسل ولا بالوحي.

﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 144]

من خراب الإنسان وخراب العمران [أن يسير في هذا الطريق]. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.