سورة النساء | حـ 805 | 145 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •المنافقون هم من يُظهرون الإيمان ويُخفون الكفر، وهم في الدرك الأسفل من النار لأنهم أخس الناس.
- •المنافق أسوأ من المؤمن العاصي الذي يقع في المعصية ثم يتوب، وأسوأ من الكافر الصريح الذي يُعلن كفره بوضوح.
- •النفاق جريمة دينية وأخلاقية، بينما الكفر جريمة دينية فقط، فالمنافق يخدع المؤمنين والكافرين معًا.
- •الإسلام يرفض النفاق ويرفض الكفر، لكنه لا يُكره أحدًا على الإيمان لأن الإكراه ينشئ منافقين.
- •النار درجات ومستويات، والمنافقون في أسفلها لخستهم.
- •لا يمكن الحكم على الناس بالنفاق لأنه أمر قلبي بيد الله تعالى.
- •الإسلام دين تعايش وليس دين إكراه، فالمسلم يعرض دينه ويتمسك به ويكون قدوة حسنة.
- •الدعوة الإسلامية تقوم على التبليغ والبيان دون إكراه، لقوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
مقدمة وتلاوة آية المنافقين في الدرك الأسفل من النار
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145]
المنافق هو الذي يُظهر شيئًا ويُخفي شيئًا آخر؛ ففي باطنه يكفر بالله وبأوامره ونواهيه، وفي ظاهره يُمالئ المؤمنين ويُظهر أنه معهم، ويُمالئ الكافرين ويُظهر أنه معهم.
المنافق أسوأ من المؤمن العاصي لأن العاصي يتوب ويرجع
هذا المنافق بهذه الصفة هو أسوأ من المؤمن العاصي؛ فالمؤمن العاصي يتوب إلى الله ويرجع من قريب، ويلوم نفسه على ما وقع فيه من معصية. ويصبح الوقوع في المعصية نوعًا من أنواع الضعف البشري، وليس نوعًا من أنواع العناد مع الله سبحانه وتعالى.
بل إنه يسير في حياته وهو يحب الله ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه تغلبه نفسه فينسى فيقع في المعصية. ولكن من إيمانه يتفكر ويعود ويرجع ويستغفر.
فرح الله بتوبة العبد وأن خير الخطائين التوابون
وفتح الله لمثل هذا الإنسان أبواب رحمته وقَبِل توبته، بل كان شديد الفرح بها سبحانه وتعالى:
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»
قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون»
أي كثير التوبة يرجع، حتى لو وقع مرة أخرى لا ييأس من نفسه ولا ييأس من روح الله؛ يعلم أنها معصية ويرجع.
المنافق لا يحركه الإيمان والكافر أشد شهامة منه
المنافق أصلًا الإيمان لا يحركه، فهو أخذ من العاصي [ظاهر الإسلام فقط]. هذا الظاهر، أما الكافر فكانت لديه الشجاعة أن يُعلن رأيه ويقول: أنا لست مؤمنًا، هذا الكلام الذي تقولونه لا يدخل عقلي.
حسنًا، تستطيع أن تتعامل معه لأنه واضح، وحينئذٍ:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
حينئذٍ:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
حينئذٍ:
﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]
حينئذٍ:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
حينئذٍ:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
وبيّن [الله] جزاء ذلك:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]
إلى آخر الآيات.
الكافر المعلن أشد شهامة من المنافق ذي الوجهين
إذن الكافر ما رأيك أنه أكثر شهامة؟ يعني أشد شهامة من المنافق ذي الوجهين، الذي مع هذا [يقول]: أنا مؤمن، والذي مع ذلك يقول: أنا كافر. ولذلك فهو [المنافق] أخسّ عند الله، فهو في الدرك الأسفل من النار.
أفادت الآية أن النار لها درجات، ولأن هذه الدرجات إنما هي إلى السُّفل؛ ضحضاح النار — الضحضاح الذي هو الذي فوق وأنت نازل ليس وأنت صاعد — فسُمّيت بالدَّرَك بالكاف.
إذن هي مستويات وقودها الناس والحجارة، والوقود يكون في الفُرن تحت حيث تكون أشد عذابًا ونكاية وأذلّ. والمنافقون في الدرك الأسفل.
فوائد الآية: النار درجات والإسلام يرفض النفاق كما يرفض الكفر
هذا يكون إذا أفادت الآية أن النار درجات ومستويات مختلفة، وأفادت أن المنافقين في هذا الدرك الأسفل لأنهم أخسّ الجميع.
وأفادت الآية أن الإسلام يرفض النفاق كما يرفض الكفر، ولكنه [الإسلام] يتعامل معه [مع الكفر]. أما النفاق فهو يأبى أن تكون تعاليمه تصل إلى إنشاء المنافق.
نحن في الظاهر في الحياة الدنيا، انتهى. ماذا سنفعل في المنافق؟ هو بجانبنا يصلي معنا، يصوم معنا، كل شيء، منافق، انتهى. ماذا بالناس؟ لا نستطيع أن نحكم عليه بالنفاق لأن النفاق هذا أمر قلبي، هذا بيد الله.
لا إكراه في الدين لأن الإكراه ينشئ منافقًا في الدرك الأسفل
ولكن لا يمكن أن تكون شريعة الإسلام تُنشئ إنسانًا هو في الدرك الأسفل من النار. وهنا يتأتّى معنى أنه:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
كل الآيات تدل على أنه ما عليك إلا أن تتكلم وتقول، أما أن يخلق ربنا الهداية في قلبه أم لا فليس من شأنك.
الإكراه على الإيمان يصنع منافقًا خائفًا لا مؤمنًا صادقًا
أما أن تُكرهه على أن يؤمن، فحسنًا سيستجيب لإكراهك، فماذا يحدث؟ أنشأتَ منافقًا! إنه خائف.
تقول له: لماذا تفعل ذلك؟ معه حق، لقد خاف منك. ولذلك لا نُخيف أحدًا، نعرض فقط ولا نُكره أحدًا، ولا يصح أن نُكره أحدًا.
فالله يقول:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
فكيف سنُكرِه؟ سيكون هناك تناقض لو أكرهنا. ولذلك نحن لا نُكره أحدًا أبدًا، وإنما نستمر في التبليغ والدعوة إلى الله والتوضيح والبيان.
﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138]
المسلم يعرض دينه بالقدوة الحسنة والتعايش دون إكراه
دائمًا الإنسان المسلم يعرض دينه ويتمسك به ويستمر عليه، ويكون قدوة حسنة لإخوانه من بني البشرية، ويتعايش معهم التعايش الحسن من غير إكراه.
﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]
تعايش! الذين يتهمون الإسلام بأنه مُكرِه وأنه انتشر بالسيف وأنه كذلك، أبدًا!
دليل تاريخي على أن الإسلام لم ينتشر بالإكراه في مصر والأندلس
دخل الإسلام مصر مثلًا، بعد مائة سنة كان خمسة في المائة مسلمون وخمسة وتسعون في المائة غير مسلمين، بعد مائة سنة! فأين الإكراه إذن؟
أما الأندلس فعندما أرادوا أن يذبحوا المسلمين فيها ذبحوهم، وإما أن تُهاجر فهاجر كثير من [المسلمين] إلى المغرب والجزائر ومصر وسوريا، هاجروا. إما أن تترك دينك وإما أن نقتلك، ولم يبقَ أحد.
وعندما جاءت عصور الحرية والعلمانية وما إلى ذلك ودخل الناس، فحدث أن شخصًا اسم عائلته "راهمان"، ما هذه [التسمية]؟ اتضح أنه عبد الرحمن! مدينة ما، مدينة هذه؟ اكتشفوا حينها شخصًا اسمه "مدينة"، فرجعوا إلى أصولهم ودخلوا في الإسلام.
آية المنافقين تعطي حكمًا ومنهج دعوة بعدم إنشاء النفاق
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
كلمة تعني وتعطي حكمًا، ولكن أيضًا تعطي لك منهج دعوة بأن لا تُنشئ هذا الذي في الدرك الأسفل من النار.
المنافق مؤذٍ للكافرين [وللمؤمنين]؛ يخدع المؤمنين ويخدع الكافرين. فهو ذهب إلى الكافرين وقال لهم: أنا معكم، وهو مع المؤمنين. وذهب إلى المؤمنين فقال لهم: أنا معكم، وهو مع الكافرين.
فما نتيجة ذلك؟ إنه هذا شخص ليس كافرًا فحسب، بل هو وضيع مع كفره. وضيع! الكافر المُعلن هذا كافر فقط وليس وضيعًا لأنه واضح.
النفاق جريمة دينية وأخلاقية معًا بخلاف الكفر المعلن
فيقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145]
من يدافع عنهم؟ هذا [المؤمنون] غاضب عليهم، وهذا [الكافرون] غاضب عليهم.
إذن فالنفاق ليس فقط جريمة دينية، هو جريمة دينية بدون شك، بل إنه أيضًا جريمة أخلاقية. الكفر جريمة دينية لكن ليس جريمة أخلاقية.
زوجة سيدنا نوح والفرق بين الكفر كجريمة دينية والزنا كجريمة أخلاقية
سيدنا نوح كان عنده زوجة، والزوجة هذه خانته [بالكفر]. فواحد فكّر هكذا، قال: لعل الله تكون الخيانة إياها [أي الزنا]؟ لا يصح مع النبي، هذا نبي، لا يصح أن تزني زوجة نبي مثلًا.
قال: أليس الزنا أخف من الكفر؟ نعم، أخف من الكفر لأنه معصية. قال: حسنًا، يعني أنتم الآن أجزتم عليها الكفر ولا تجيزون عليها زنا؟ قالوا: نعم.
هذا الزنا جريمة أخلاقية ودينية، لكن الكفر جريمة دينية فقط. انظر كيف أن الكفر أشد عند الله من الزنا! نعم، ولكن هذه المرأة [زوجة نوح] من أجل اتصالها بنبي فإنها تُحفَظ، مع أنها كافرة وستدخل النار.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
