سورة النساء | حـ 812 | 156 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يتحدث القرآن في سورة النساء عن تطاول اليهود على السيد المسيح وأمه مريم، رغم أن الإيمان بالمسيح ركن من أركان الإسلام.
- •المسلم هو صاحب الدعوة إلى الأخوة الإنسانية، حيث دعا علماء المسلمين إلى "الزمالة الإنسانية" منذ بداية القرن العشرين.
- •عقيدة المسلمين واضحة في عبادة الله المتصف بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، كالرحمن الرحيم والسلام.
- •يؤمن المسلمون بالتعايش مع غيرهم دون التخلي عن معتقداتهم، فهم لا يقولون بتكافؤ الأديان.
- •ضرب النبي أمثلة للتعايش في الحبشة ومكة والمدينة، مؤكداً على الكرامة الإنسانية.
- •المسلمون يعتقدون أن الخلاص لا يكون إلا بالإسلام، لكنهم قادرون على العيش بسلام مع الآخرين.
- •الزمالة الإنسانية لا تعني التخلي عن المعتقدات، بل التعايش الإنساني مع الاحتفاظ بالعقائد.
- •النموذج المصري حقق التعايش السلمي بين أتباع الديانات المختلفة.
مقدمة الدرس وتطاول اليهود على السيد المسيح والسيدة مريم عليهما السلام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يتحدث ربنا سبحانه وتعالى عن مصيبة وقع فيها اليهود. هذه المصيبة تتمثل في تطاولهم على السيد الشريف السيد المسيح عليه السلام، الذي يُعدّ الإيمان به ركنًا من أركان الإسلام، وعلى أمه [السيدة مريم] عليها السلام.
فيتكلمون بغير الحق ويتكلمون عنها بهتانًا عظيمًا لا نذكره ولا نعيده ولا نستطيع أن نفعل ذلك؛ فإن اعتقادنا في السيدة مريم شيء عظيم؛ لأنه كمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، منهن مريم ابنة عمران.
مفهوم الزمالة الإنسانية عند المسلمين وكتاب الشيخ المراغي
وقلنا إن هذا [تكريم الإسلام للسيدة مريم] يجعل صاحب الدعوة إلى الزمالة الإنسانية هو المسلم. وهذه الكلمة «الزمالة الإنسانية» كلمة أصدرها شيخ الأزهر الإمام الأكبر الشيخ المراغي، وله كتاب تحت نفس العنوان: «الزمالة الإنسانية».
المسلمون كلما دعا العالم إلى أن نجلس معًا وأن نتفاهم، لماذا يتقاتل البشر؟ وهل لا بد من أن نتقاتل لأن أدياننا مختلفة؟ فيجتمعون في مؤتمرات، بدأت هذه المؤتمرات في بداية القرن العشرين.
مؤتمر الأديان في اليابان وعرض وجهة نظر الإسلام في قبول الآخر
كان هناك مؤتمر للأديان، مؤتمر الأديان في اليابان. سافر من هنا [من مصر] عالم أزهري وهو الشيخ الجرجاوي، سافر إلى اليابان من أجل أن يحضر مؤتمر الأديان ويُلقي فيه وجهة نظر الإسلام في أنه يقبل الآخر وإن كان يخالفه.
عقيدة المسلمين عقيدة واضحة؛ فإنهم يعبدون ربًّا وصف نفسه وصفًا واضحًا بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا.
أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة ودلالتها على معرفة المعبود
مائة اثنان وخمسون اسمًا لربنا في القرآن، مائة أربعة وستون اسمًا له في السنة، إذا جمعتهما تجد مائتين وعشرين اسمًا.
ما هذه الأسماء؟ هذه الأسماء تبيّن لك من تعبد. أتعبد أحدًا يأخذك هكذا على غفلة، أم الرحمن الرحيم على الدوام؟
المسلمون يعبدون الرحمن الرحيم. لماذا يقرأ [المسلم] كل يوم بسم الله الرحمن الرحيم؟ لقد استقر لديه أنه يعبد رحمنًا رحيمًا. ضعيفًا مثلًا، أي يأخذ ويعطيك؟ أم ملكًا قدوسًا؟ لا، ملك قدوس يحب الدماء وأن نُقرّب الناس قربانًا له حتى يرضى؟ لا.
اسم الله السلام وأثره في تحية المسلمين وصلاتهم
هذا [الله] سلام. أوليس السلام من أسمائه؟ نأتي بشيء نحن من عندنا، هذا هو السلام؟ وجعل تحيتنا السلام، وآخر كلمة تخرج بها من الصلاة السلام.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]
آخر كلمة في الصلاة ما هي؟ «السلام عليكم»، تُسلّم بها على العالمين.
وضوح العقيدة الإسلامية في العبادة والتكليف والأخلاق
يوجد كلام آخر، هذا واضح. نحن نعبد من [نعبد] وواضح التكليف الذي موجود في القرآن واضح: أركان الإسلام الخمسة، أركان الإيمان الستة، أركان الإحسان الواحد وعشرين.
الخُلق القويم [واضح أيضًا]:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
عملية واضحة، فتركنا [رسول الله ﷺ] على المحجة البيضاء.
الزمالة الإنسانية لا تعني تكافؤ الأديان بل التعايش مع الحفاظ على العقيدة
الزمالة الإنسانية: عندما نأتي نحن نعرض [ديننا]، لا نتخلى عن ديننا ولا نقول بتكافؤ الأديان وأن دين الإسلام هو في تكافؤ مستمر مع كل الأديان. لا، نحن لا نقول هذا.
﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ [آل عمران: 19]
ولكن مع هذا فنحن في الحياة الدنيا مستعدون لأن نعيش سويًّا مع بقية البشر. بشر كم عددهم؟ ستة مليارات. نحن كم منهم؟ مليار وثلث، مليار ونصف، يعني ربعهم. فما بال الثلاثة الأرباع الباقين الذين على الأرض وهم غير مسلمين؟ أنا أبلّغهم وأعرض عليهم، ولا أسعى لأن أُكرههم على غير ذلك [الإسلام].
نماذج نبوية للتعايش مع غير المسلمين في مختلف الظروف
ولكن أعيش معه [غير المسلم] في وطن واحد. وضرب لنا [الإسلام] مثالًا كيف يعيش المسلم في الحبشة، وضرب لنا مثالًا كيف يعيش المسلم في مكة مع المشركين، وضرب لنا مثالًا كيف يعيش في دولة سلطانها سلطان إسلامي ولكن فيها اليهود في المدينة في البداية.
وضرب لنا مثالًا كيف يعيش في دولة إسلامية ليس فيها إلا المسلمون، وضرب لنا مثلًا كيف يعيش هذا المجتمع المسلم في علاقاته الدولية من خلال الرسائل التي أرسلها [النبي ﷺ] للناس. هذه هي الزمالة الإنسانية.
الفرق بين الزمالة الإنسانية والاعتقاد بتكافؤ الأديان وموقف المسلم من الخلاص
نحن نقول بالزمالة [الإنسانية] ولكن لا نقول بتكافؤ الأديان. نحن نعتقد أن الخلاص عند الله لا يكون إلا في الإسلام، هذه عقيدتي. إنما المسيحي يعتقد أن الخلاص عن طريق سيدنا عيسى المخلّص، هذه عقيدته.
أنا عندما أقول له: أقبلك في مجتمعي وتقبلني في مجتمعك، وبيننا وبين بعضنا زمالة إنسانية وجوار حسن، وأنا أحب الله وأحب الجار وأنت جاري، وليس هناك ما ينهاني عنك؛ لأنك لم تقاتلني في الدين ولم تُخرجني من دياري ولم تُظاهر على إخراجي، فأنا أخوك وأنت أخي.
وهذا لا بأس به. يسير أو لا يسير؟ هذا الكلام عند المسلمين مقبول، وهذه هي الزمالة الإنسانية.
الزمالة الإنسانية لا تعني التنازل عن الدين بل التعايش السلمي مع الاختلاف
دون أن أقول له إن الزمالة الإنسانية يعني أنه يجب أن أخرج من ديني أو يجب أن تخرج من دينك. لا تخرج من دينك ولا أخرج من ديني، ولكن نعيش في سلام.
معنى ذلك أنك تعتقد في ديني؟ أقول له: لا، لا أعتقد في دينك ولا أعتقد كل الذي تقوله هذا، كما أنك لا تعتقد فيّ [في ديني] ولا تعتقد أن سيد الخلق [محمدًا ﷺ] نبيّ أصلًا، ولك ستون قولًا فيها.
إنما هذه الزمالة شيء والعقائد شيء آخر. تريد أن تناقشني في العقائد؟ تعال، أنا مستعد لأن أناقشك حتى الصباح.
التعايش العملي بين المسلمين والمسيحيين والنموذج المصري في الوحدة الوطنية
إن لم تكن تريد أن تناقشني فلا مانع. البقّال الموجود بناصية الطريق مسيحي، أذهب وآخذ منه الحاجة. وأنا ذاهب إلى الصيدلية الموجودة بناصية الطريق مسلمة، تذهب وتأخذ منها الدواء ولا يحدث شيء. نعيش مع بعضنا البعض، وهذا هو النموذج المصري الذي حقق هذه الوحدة عبر السنين والأجيال.
لعنة الله على اليهود بسبب كفرهم وأحقية المسلم بحمل الزمالة الإنسانية
فبكفرهم [اليهود]، الجماعة الآخرين، إذن وبكفرهم وقولهم، أي بسبب كفرهم وبسبب قولهم على مريم بهتانًا عظيمًا؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد لعنهم.
إذن فالأجدر في حمل الزمالة الإنسانية المسلم؛ حيث أنه ليس لديه إشكال في أن يتعايش وأن يعيش مع العالمين. الزمالة الإنسانية، لكن كل واحد [من غير المسلمين] لديه مشكلة، ربنا يعينهم ليحلّوها، ربنا يعينهم ويحلّوها.
لكن أنا ليس لديّ مشكلة؛ فأنا قلبي مفتوح للجميع، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
