سورة النساء | حـ 813 | 156 - 157 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يتمحور النص حول موقف الإسلام من قضية صلب المسيح عيسى عليه السلام، حيث يورد القرآن الكريم نفيًا قاطعًا لحادثة الصلب في قوله تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم".
- •يوضح أن المسيحيين يؤمنون بحدوث الصلب بناءً على روايات إنجيلية فيها من الظن والشك، إذ كانت الرؤية في ليلة مظلمة من مسافة بعيدة.
- •يؤكد أن قضية الصلب ليست القضية الأساسية بين المسلمين والمسيحيين، بل القضية الأساسية هي التوحيد.
- •يشير إلى أن المسيحيين المعاصرين ينفون أنهم يقولون بالتثليث ويؤكدون إيمانهم بإله واحد.
- •يلفت النظر إلى تطور في الفكر المسيحي حيث تبرأت الكنيسة الكاثوليكية اليهود من دم المسيح.
- •يختم بأن اختلاف العقائد لا ينبغي أن يؤدي إلى صراع، وأن المسلم يلتزم بما أخبر به القرآن.
مقدمة تفسير آيات سورة النساء حول دعوى اليهود قتل المسيح
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، وبعد قوله تعالى:
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 156]
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 157]
هذه دعوى قالها الأقدمون [من اليهود] وأنكرها الأبناء بعد أن دخلت السياسة في الدين.
موقف اليهود الأوائل من دعوى صلب المسيح عيسى عليه السلام
في البداية قالوا [أي اليهود الأوائل]: نعم، كان هناك واحد خالف [شريعتنا] فذهبنا وقاتلناه وصلبناه وأذللناه. وصُلب، نعم صُلب.
هذا الصلب وحشي، هذا مكتوب أنه لا يُصلب إلا ملعون. نعم، لقد كان ملعونًا - أعوذ بالله من غضب الله - يا رب سلّم!
ماذا نحن نقول؟ لا، نحن لن نمكّنكم من هذا. أنتم اعترفتم على أنفسكم، على أنفسكم أنكم قد قتلتموه، ولكن الله أخبرنا شيئًا آخر.
نفي القرآن لقتل المسيح وبيان اختلاف الناس في قضية الصلب
وقولهم أيضًا - هذه من أسباب الفرقة [بين المسلمين واليهود] -:
﴿إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ﴾ [النساء: 157]
في ناس قالت: صلبناه، وناس أخرى قالت: نعم صلبوه حقًا، وناس ثالثة قالت: لا، ما صلبوه ولا شيء. اختلفوا!
﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: 157]
أهمية قضية الصلب في الديانة المسيحية وعلاقتها بالعقيدة
قضية الصلب قضية مهمة في الديانة المسيحية، لا يستطيع المسيحي أن يتخلى عنها. قضية تتعلق ببقية العقيدة المسيحية، لا يقدر أن يتركها.
لكن ليست هي القضية الأساسية التي بين المسلمين والمسيحيين. القضية الأساسية أن المسلمين فهموا من المسيحيين أنهم يقولون إن الله ثالث ثلاثة، أن في ربنا هذا ثلاثة. حتى التسمية نفسها: باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد.
حوار المسلمين والمسيحيين حول التوحيد ونفي التثليث
وبدأ المسلمون في حيرة؛ لأن المسيحيين المعاصرين المحدثين يقولون: إنكم تفهموننا خطأ، نحن لا نقول بالتثليث.
حسنًا، لا يحدث شيء، نحن أيضًا لا نقول بالتثليث. قالوا: نحن موحّدون. قالوا [أي المسلمون]: ما المانع؟ هذا يقرّبنا منكم أكثر. أي أنكم لستم من الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. قالوا: لا، لم نفعل ذلك.
حسنًا، إذن الله يتحدث عن فرقة [معينة]، هذه الفرقة غير موجودة الآن، لا يحدث شيء، أنا موافق.
اعتراف علماء اللاهوت المسيحيين بالخطأ في التعبير عن التوحيد
تكلمنا مع العلماء، علماء اللاهوت [المسيحيين]، قالوا لنا: نحن قد نكون قد أخطأنا في التعبير، أو كنا سببًا في أن تتوهموا أيها المسلمون هذا.
نقوله: لا يحدث شيء، معكم ربنا واحد أحد فرد صمد. قالوا: نعم، طبعًا. نكتفي بهذا، كفاية.
هذا يبقى أنا أعبد ربًا واحدًا، نفس الرب، باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعًا. يبقى أننا كلنا نعبد ربًا واحدًا، وهذا يقرّبنا أكثر ولا يبعدنا أكثر، يقرّبنا أكثر.
موقف المسلم من قضية الصلب وأنها ليست قضية أساسية في الخلاف
طيب، يعني أنا ليس لديّ رغبة في أن أكفّرك ولا أخرجك.
طيب، والصلب؟ قلنا لهم: الصلب هذا خبر عندكم، خبر في الإنجيل أنه حدث الصلب. عندما حدث الصلب كما هو موجود في الإنجيل، هذا ليس أمرًا أساسيًا بالنسبة لي.
أنا بالنسبة لي أنا كمسلم ليس أمرًا أساسيًا. لنفترض أنه نبي قُتل، لا يحدث شيء عندي. هذا الله سبحانه وتعالى في الآية التي فوقها:
﴿وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: 155]
نعم، كانوا يقتلون الأنبياء، فكونه صُلب أو قُتل لا يحدث [مشكلة عقدية عندي].
القرآن ينبه المسلم بأن المسيح لم يُقتل يقينًا وأن الروايات ظنية
ما الذي يحدث؟ إن الله - وأنا أمسك القرآن - يقول لي:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: 157]
فهذا خبر من الله ينبّهني أنه لم يحدث [الصلب]. وبعد ذلك أشار [الله تعالى] إلى اتباع الظن.
فلما رجعت إلى النصوص [المسيحية] وجدت شيئًا أيضًا: في هذه الدنيا كان ليلًا في وقت الصلب. كانت الرواية المعتمدة أن الدنيا كانت مظلمة. بطرس عليه السلام كان بعيدًا ثمانمائة متر، كان بعيدًا ثمانمائة متر وكان خائفًا، وهذه الليلة كانت مظلمة وهو مختبئ وراء شجرة.
ظروف رواية بطرس لحادثة الصلب واحتمال الخطأ في الشهادة
ويرى [بطرس] الشخص الذي حملوه على الصليب من ثمانمائة متر، والنظر ليس يعني نظرًا حادًا، لا، هذا كان نظرًا أيضًا على قدره.
فهذا أنا أقسم أنا رأيته! انتبه من الظروف: الدنيا ليل وليلة مظلمة وأنا خائف وأشعر بالبرد، أنا خائف وأشعر بالبرد وبعيد ثمانمائة متر، ثمانمائة متر.
انتبه: وأنا مختبئ وراء شجرة وأرى هكذا، أنظر هكذا، هذا يوجد واحد، ها هو يشبه سيدنا عيسى، مأخوذ وسيحملونه على الصليب. لا يحدث له شيء، يعني الخطأ وارد والظن وارد.
القرآن يؤكد أن رواية الصلب مبنية على الظن لا على اليقين
فأنا لست أكذّبك، أنا أقول لك إن الرواية هذه التي أشار الله إلى أن فيها ظنًا، نحن نقول عكسها، نحن نقول عكسها.
فيقول [الله تعالى]:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157]
شُبّه لهم يعني في عذر، شُبّه لهم وأخذوه وهم لا يعرفون. هم أخذوا من لا يعرفونه، هم يريدون قتل شخص معين وذهبوا فقابلوه بالليل وهكذا إلى آخره، على شخص آخر.
تحليل ظروف الرواية المسيحية للصلب وتأكيد القرآن لوجود الشك
وصاحب الرواية [بطرس] بعيد ثمانمائة متر، ينظر على قدر استطاعته من وراء الشجرة، والدنيا ليل ومظلمة وخائف ويشعر بالبرد.
يعني عندما آتي لأدقّق [كـ] قاضٍ أبحث في القضية، أقول: لا، هذا في احتمال.
فلما يأتي القرآن ويقول لي:
﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: 157]
وأنا مؤمن بالقرآن فصدّقت هذه الحكاية. المقابل غير مؤمن [بالقرآن] ويقول: لا، هذه وردة وجميلة. حسنًا، هذا خبر فحسب.
موقف المسلم من قضية الصلب بين ما قبل القرآن وما بعده
هذا لن يعود إلى أنه قُتل أو لم يُقتل. عندي أنا كمسلم، هو [أي المسيحي] لديه مهمة عظيمة من أجل الخلاص، ومن أجل ذلك تترتب عليه أمور.
ولكن أنا كمسلم عندما أجد القرآن يقول لي هكذا، ليس لديّ مانع. إن لم تحدث [حادثة الصلب] وليس لديّ مانع، ليست هذه التي سنذبح بعضنا البعض [من أجلها]. من عندي لا توجد مشكلة.
ولا توجد مشكلة في تطبيق هذا على الرواية، ولا توجد مشكلة في أن هذه في حد ذاتها ليست من أصل العقيدة [الإسلامية].
الاعتقاد بالصلب قبل القرآن وبعده وتبرئة الكنيسة لليهود من دم المسيح
يعني الذي يعتقد في الصلب قبل القرآن لا توجد فيها مشكلة، وإنما بعد القرآن تأتي قضية تكذيب القرآن. لكن قبل القرآن عادي، واحد قومه طغوا عليه وقتلوه ظلمًا وعدوانًا، لا يحدث شيء. يعني أنها ليست مخالفة للعادات ولا للعقل ولا كذلك إلى آخره.
إذن هذه الآية التي يمكن أن نفهمها بأنها تثير حساسية أم لا تثير حساسية. والآية التي تثير حساسية فيها إنكار، حتى جاء شيء يسمى تبرئة اليهود من دم المسيح، وبرّأتهم الكنيسة الكاثوليكية، برّأت اليهود من دم المسيح.
تبرئة اليهود من دم المسيح تعني العودة إلى الرواية القرآنية
يعني ماذا؟ يعني رجعت [الكنيسة] إلى الرواية القرآنية.
طيب، والرواية الأخرى فنيًا، يعني عرفوا أن يجدوا لها تأويلًا. ليس تدخلًا محببًا عليّ أنني كنت أتهم اليهود الذين يلعبون بدينهم الآن في إسرائيل. إسرائيل هذه علمانية وليست يهودية، هذه بثلاثة صاغ. إسرائيل هذه علمانية، يلعبون بالدين اليهودي.
كان محببًا أن أقول: نعم قتلوه، ولكن جئنا في النهاية وبعد المدى الطويل قال لك: تبرّأ اليهود من دم المسيح.
خاتمة الدرس وتأكيد ثبات العقيدة الإسلامية مع احترام الحرية
أيضًا أنا أقول له: حسنًا، أنت حر، كله نحن تاركون حرية.
ولكن مع هذه الحرية عقائدنا تزداد ثباتًا. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
