سورة النساء | حـ 816 | 158 - 159 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

سورة النساء | حـ 816 | 158 - 159 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن سيدنا عيسى بعد أن نفى عنه القتل والصلب وبعد أن قرر أنه قد رفعه والرفع هنا قد يكون رفع مكان وقد يكون رفع مكانة، والعلماء الأقدمون متفقون على أنه رُفع مكانة ومكان، وأن هناك أربعين حديثا صحيحة بلغت مبلغ التواتر خاصة المعنوي تثبت أن عيسى في السماء الرابعة وأنه يرجع
إلى الأرض مرة أخرى. وممن كتب في هذا الشيخ الأجل محمد أنور الكشميري فكتب كتابه الماتع [التصريح في تواتر ما جاء في نزول المسيح] وجمع فيه هذه الأحاديث وصححها وجعلها في مواجهة الطائفة الضالة التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين وهي طائفة القاديانية أو الأحمدية، وأثبت فيها هذا النزول عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن على عادة
العصر من إنكار كل غريب والتوجه إلى إنكار المعجزات برمتها، بل وإنكار الكرامات أيضا، بل إنكار كل الخوارق سواء كانت استدراجا أو غير ذلك. هذا التوجه الذي أتى من حصر العلم في المحسوس، هذا التوجه الذي رفضه العقل الغربي بعد معاناة مائتي عام، فبدأت علوم تدرس هذه الخوارق في علم الباراسيكولوجى [أى علم ما وراء النفس]، هذه الخوارق إنكارها إنكار للمحسوس لأنها ظاهرة متكررة لكن هذا العقل يسيطر
في بعض الأحيان كثقافة سائدة بين المثقفين، يستنكر تماما وجود مثل هذه الخوارق ويعدها تماما من عقلية الخرافة، والأمر ليس كذلك بل إنها ستظل هذه الظواهر بغير تفسير وليس هناك نموذج مفسر لها، بعد أن ننفي الكرامات والمعجزات والاستدراج مثلا أو السحر ستظل هذه الظواهر المتكررة التي يشاهدها ويصطدم بها الناس ليلا ونهارا ستظل بلا تفسير، وهذا خارج عن منهج العلم. فنحن أكثر تمسكا بالمنهج العلمي الذي لا يترك ظاهرة
إلا ويسعى لتفسيرها، إلا ويسعى لتحليلها، إلا ويرصدها ويبحث عن أسبابها وعن نتائجها. أما تركها بالكلية ورميها جميعا في نطاق التهميش وخارج دائرة العلم أَمرٌ لم يعد سديدا، فربنا سبحانه وتعالى لما خلقنا في هذا العصر الذي سادت فيه هذه الثقافة، رأينا بعض المشتغلين بالعلم ينكرون قصة رفع المسيح بالكلية ونزوله آخر الزمان بالكلية أيضا، بدعوى أن هذه خرافة
ولا تصدق ولا يمكن قبولها، والأمر ليس كذلك، فمن الناحية الشرعية ثبت بما ثبتت به أحكام الصلاة والبيوع والزواج والطلاق والحياة والقضاء هذه العقيدة هذه العقيدة ثبتت بمثل ما ثبتت به أحكام الدين، هذه واحدة. ثانيا أن العقل لا يرفضها تحت عنوان أن الله على كل شيء قدير، لما كان الله سبحانه وتعالى قديرا على كل شيء، فرأينا من ينكر الطير الأبابيل وأنها أصابت الفيل من عند الله، ورأينا من ينكر الإسراء والمعراج، ورأينا من ينكر معجزات
الأنبياء، ورأينا من ينكر المسيح وأنه في السماء الرابعة، وينكر كل هذه الروايات بدعوى أنها ضد العقل، فالعقل أحكامه ثلاثة أقسام حكم العقل لا محالة، هي الوجوب، ثم الاستحالة، ثم الجواز ثالث الأقسام، فافهم منحت لذة الأفهام. اذن كم أقسام العقل؟ ثلاثة: مستحيل، وجائز، وواجب. أما الواجب فهو الله، لا يستطيع العقل أن يتصور أن هذا العالم بلا إله، ولا أن الأثر بلا مؤثر، والنتيجة بلا سبب، لا يستطيع العقل الإنساني أن يتصور هذا، والمستحيل اجتماع النقيضين، والجائز الذي يتصور في العقل، جائز مثلا
أن يكون هناك ابن لك، تقول لي ولكن أنا لم أتزوج بعد، أقول لك حسنا عندما تتزوج هل ستنجب أم مستحيل؟ لا، ليس مستحيلا، وهل الرجل الكبير الذي عمره مائة سنة من الممكن أن ينجب أيضاً؟ ربما ينجب وهذا يحدث، ولكنه نادر. مثلما بَشّر الله سيدنا إبراهيم بإسماعيل وبعده إسحاق وهكذا إلى آخره، وهذا يدل على أن ذلك جائز الحدوث رغم أنه كبير مائة وعشرون سنة، وعندما يُبَشّر سيدنا زكريا
بيحيى بعد أن اشتعل الرأس شيبا، فمن الممكن أيضاً أن يحدث ذلك، وكان لدينا الشيخ قراعة، الشيخ قراعة كان قد تجاوز المائة، ولكنه تزوج فتاة صغيرة فحملت منه، وقد توفى الشيخ قراعة ومازال ابنه جنيناً فى بطن أمه، والشيخ قراعة أولاده ما شاء الله منهم من كان المستشار إبراهيم قراعة كان رئيسا لمحكمة النقض قاضي القضاة في مصر، ومنهم الدكتور كمال رحمه الله كان هو هذا الولد الذي توفي أبوه وهو جنين مستقر في رحم أمه، مات الشيخ قراعة وعمره فوق المائة، ولم يَرَ كمال، ولا كمال رأى قراعة.
أشياء بالفعل موجودة أمامنا وارد أم غير وارد، وارد ولكن قليل، جائز ولكن ليس مستحيلا، أغمض عينيك هكذا وتخيل أن سيدنا المسيح ارتفع إلى السماء، لا شيء في ذلك، وجلس في السماء الرابعة لا شيء في ذلك، ينزله الله في آخر الزمان لا شيء في ذلك، ماذا في ذلك لقد تصورته بالفعل، إذن يصبح ممكنا عقلا، فإذا ورد شرعا بصورة لافتة للنظر صحيحة ثم أنه ممكن عقلا، ما الذي يمكن ان يترتب على ذلك، أو كيف يكون ضد العقل؟ فهذه كلمة للإرهاب الفكري، كل شيء يقول لك هذا ضد العقل، أي عقل؟ لا، ليس ضد العقل. فالعقل له أحكام ثلاثة، هذا ما تقرر في العلم فكيف يكون ضد العقل، من قال
هذا؟ أن هذا ضد العقل، لا، ليس ضد العقل، والعقل يتصوره، أليست هذه خرافة؟ لا، ليست كذلك، ولماذا تكون خرافة؟ لماذا، أريد أن أفهم؟ فقد قالها سيدنا النبي، والقرآن يشير إليها، يقول أحدهم: القرآن لا يشير صراحةً الى هذا الرفع إلى السماء، ليس هناك ما يمنع ذلك، فالقرآن يشير إلى أشياء كثيرة جدا جملةً، فعندما يقول: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‎﴿١٥٨﴾‏ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} ﴿النساء: ١٥٨، ١٥٩﴾‏ ماذا تفعل إذن في هذه الآية، هذه الآية تقول إن أهل الكتاب سيرونه ويؤمنون به قبل موته، أى أن سيدنا عيسى لم يمت بعد، قبل موته يعني أنه لم يمت بعد، ولكن كيف
سيؤمنون به سيؤمنون به عندما يرونه، وأين سيرونه؟ سيرونه في الأرض. هذا بالفعل ما جاء في الحديث. ما هي إذن عدم المعقولية أو عدم الإمكان؟ لا نعلم. "وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ" [النساء: ١٥٩﴾] بعض الناس كي يتهرب من هذه النقطة قال لك أى قبل موت أهل الكتاب نفسه، أى أن واحدًا من أهل الكتاب قبل أن يموت تنكشف له حقيقة سيدنا عيسى، فيؤمن بهذه الحقيقة أو شيء مثل ذلك، فلماذا هذا التأويل؟ لأن الحديث لا يدخل في عقولنا، فلماذا الحديث لا يدخل في عقلك وهو صحيح ومعقول ومفسر للآية؟ هذه هي المشكلة العلمية المنهجية التي تستعمل فيها كلمة العقل والعلم كإرهاب فكري
للمفكرين، ونحن ضد الإرهاب الفكري. والحمد لله الذي جعلنا مسلمين فإلى لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته