سورة النساء | حـ 818 | 160 - 161 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 818 | 160 - 161 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يتحدث النص عن تفسير قوله تعالى "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا".
  • الظلم سبب في تحريم الطيبات على بني إسرائيل بسبب نقضهم الميثاق مع الله.
  • من أسباب هذا التحريم أنهم تباطؤوا في الخيرات وأنكروا التوحيد واتخذوا العجل إلهاً.
  • هناك جماعة يهودية تسمى "ناتورا كارتا" تؤمن بأن عودتهم لفلسطين مخالفة للعهد مع الله.
  • المسلم يجب ألا يصد عن سبيل الله بأقواله وأفعاله وألا يشوه صورة الإسلام.
  • يجب على المسلم أن ينظر للناس كإخوة في الدين أو نظراء في الإنسانية كما في وصية علي لمالك الأشتر.
  • وصية علي لمالك الأشتر تعتبر دستور عمل للتعامل في المواطنة.
  • اتفقت الشرائع السماوية على تحريم الربا وأكل أموال الناس بالباطل والرشوة.
  • العبرة من الآية ضرورة الالتزام بالعهود وتجنب الظلم والباطل.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية تحريم الطيبات على الذين هادوا بسبب ظلمهم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 160-161]

معنى فبظلم من الذين هادوا ونقضهم الميثاق مع الله

فبظلم يعني فبسبب ظلمٍ صدر من جهة الذين هادوا. وهادوا على الفور يُشعرنا بالعهد الذي كان بينهم وبين الله، بهذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم فخالفوه.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: 155]

في ميثاقٍ نُقِض. هادوا أي ذهبوا إلى ربنا هكذا، أي في ميثاق، في عهد، في كلام بيننا وبين بعضنا البعض. هذا الكلام وهذا العهد نُقِض.

تفاصيل نقض بني إسرائيل للعهد بالتباطؤ وعبادة العجل والأوثان

لقد كان من ضمن هذا العهد أن يسارعوا في فعل الخيرات، لكنهم لم يسارعوا وتباطؤوا وسألوا وشددوا وأنكروا. ومن العهد أن يوحدوا الله، لكنهم اتخذوا العجل.

وفي التاريخ أنهم أيضًا بنوا معابد للأوثان، خمسة معابد للأوثان. ومن هنا فإننا نرى كثيرًا منهم يقول أن الله سبحانه وتعالى أمرهم بمغادرة هذه الديار وألا يعودوا إليها أبدًا حتى يغفر لهم؛ يعني في عهدٍ ألا يرجعوا إلى فلسطين، وإذا رجعوا فإن الله لا يغفر لهم.

جماعة ناطوري كارتا اليهودية وموقفهم من العودة إلى فلسطين

والجماعة الذين يقولون هذا هم يهود اسمهم ناطوري كارتا، وهم حقيقيون [في التزامهم بهذا المعتقد] لكنهم قليلون، حوالي مائة ألف من عشرين مليونًا أو خمسة عشر مليونًا، أو انظر عددهم كم أصبح الآن، مائة ألف.

لكن المائة ألف مصممون على أن هذا هو معنى الكتب المحترمة والمصادر الموروثة في اليهودية: إذا رجعتم إلى هذه البلاد فقد نقضتم العهد.

الظلم صفة ذميمة تسبب التشديد والعقوبة من الله تعالى

إذن هذه الصفة صفة ذميمة، هي أن نظلم الآخرين، نظلم أنفسنا. ظلم أنفسنا وظلم الآخرين سيسبب العنف والتشديد.

﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160]

انظر إلى التشديد: حرَّمنا عليهم طيبات أُحلت لهم، لكنهم لما لم يستمروا في الميثاق والعهد وخالفوه شُدِّد عليهم.

إذن ماذا نفعل؟ لا نظلم؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة. وماذا نفعل؟ نستمر في عهدنا ونحافظ عليه، ونعمل على أن نقلل من أسئلتنا ونتقن عملنا، ونعمل على ألا نصد عن سبيل الله كثيرًا.

الصد عن سبيل الله بالأحوال والأقوال وعدم التمثيل الصحيح للإسلام

جدًا مرة بأحوالنا ومرة بأقوالنا نصد عن سبيل الله بغير علم. نُظهر أنفسنا أمام العالمين ليس بالهيئة التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحجة البيضاء.

لسنا أمة وسطًا نكون شهداء على الناس ويكون الرسول علينا شهيدًا، في أخلاقنا، في تعاملنا، فنصد بذلك عن سبيل الله.

يقول لك [غير المسلم]: نعم، أليس أنت المسلم الذي تستحل دمي وعرضي ومالي؟ وهكذا، أليس أنت المسلم الذي ليس لديك الزمالة الإنسانية؟ والله أنا صاحب الأمانة الإنسانية، وأنا الذي قلت الكلام، وأنا الذي ديني يقول لي هكذا.

المسلم الحقيقي ينقذ كل إنسان بغض النظر عن دينه ولا يفرق بين الناس

يقول له [غير المسلم]: ألست مسلمًا فكيف ستشارك معنا في الإطفاء؟ نحن لا نسأل عن البيت وهو يحترق عن صاحبه؟ والله لقد شوَّهت نفسي كثيرًا.

والطبيعي أني أُطفئ الحريق؛ لأن هذا الحريق يحرق إنسانًا، وليس عندما أجده مسلمًا أنقذه وعندما أجده غير مسلم لم أنقذه. والطبيعي أيضًا أن أنزل لأنقذ الغريق وأنا لا أعرف من هو.

هكذا هو المسلم وهو الذي نشر الإسلام في العالم. فما الذي حدث؟ الذي حدث أنني صددت عن سبيل الله بإظهار نوع من أنواع الضغينة في القلب. الإسلام يقول لي: إياك أن تكون في قلبك ضغينة للناس.

وصية الإمام علي لمالك بن الأشتر في التعامل مع أهل مصر

وعندما نصح سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] مالك بن الأشتر وهو داخل إلى مصر [واليًا عليها]، قال له:

«اعلم أنك ستجد الناس صنفين: أخ لك في الدين، أو نظير لك في الإنسانية»

سيدنا مالك بن الأشتر مات قبل أن يأتي إلى مصر، مات قبل أن يأتي إلى مصر، لكن سيدنا علي سلَّمه الوصية فصارت وصية لكل القادة.

طباعة وصية مالك بن الأشتر في مصر وتعليق كبار العلماء عليها

كنا مهتمين بهذه الأمور قديمًا؛ فقد طُبعت وصية مالك بن الأشتر في مصر في أوائل القرن العشرين، أي قبل عام ألف وتسعمائة وعشرين، طُبعت في مصر وعلَّق عليها الكبار.

فقد علَّق عليها عدة أشخاص، وطُبعت عدة طبعات، وهي وصية علي بن أبي طالب لمالك بن الأشتر. وممن علَّق عليها الشيخ محمد عبده في نسخة، في تعليق للشيخ محمد عبده. الشيخ محمد عبده توفي عام ألف وتسعمائة وخمسة، ولكن كون أنها تُطبع عدة مرات بعد ذلك يعني أن الأمر كان محل اهتمام ببيان الإسلام وبيان حلاوة هذا الدين.

الدعوة إلى إعادة طباعة وصية الإمام علي لمالك بن الأشتر وأهميتها الخالدة

وأين هو؟ ليت أحدًا يسمعنا الآن ويطبع وصية علي بن أبي طالب مرة أخرى لمالك بن الأشتر الذي توفي قبل أن يصل إلى مصر.

لكن بقيت وصية الإمام [علي رضي الله عنه] تجاوزت الزمان والمكان، وأصبحت وإلى الآن دستور عمل لكيفية التعامل في المواطنة.

الصد عن سبيل الله قد يكون بغير قصد ويجب تصحيح المسار والتوبة

﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: 160]

يبقى إذن أحيانًا أنت تصد [عن سبيل الله] من غير ألا تعلم. هكذا ارجع؛ فكل ابن آدم خطَّاء، صحِّح المسار حتى لا يكون [الصد] كثيرًا.

انتبه، إن الصد عن سبيل الله قد يصدر من الإنسان عفوًا ومن غير قصد وتفكر، لكن يجب عليك المراقبة والتوبة والعودة مرة أخرى.

اتفاق الشرائع السماوية كلها على تحريم الربا وليس الإسلام فحسب

﴿وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161]

aتفقت الشرائع [السماوية] على حرمة الربا، ليس الإسلام فحسب، بل الشرائع كلها اتفقت على حرمة الربا.

أكل أموال الناس بالباطل والرشوة وبيان المثلث المتفق والمختلف في اللغة

﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ [النساء: 161]

الذي هو الرشوة، وهي مثلثة [الراء]، تقول: رَشوة، رُشوة، رِشوة، كله يصح. وكلها بمعنى واحد.

فهناك مثلث يختلف فيه المعنى وهناك مثلث يتفق فيه المعنى. فرَشوة رِشوة رُشوة هذه يتفق فيها المعنى، مثل: جَزاف جِزاف جُزاف، دَلالة دِلالة دُلالة، كلها معناها واحد.

ولكن هناك أشياء تختلف: سَلام سِلام سُلام، حَمام حِمام حُمام، تختلف كل واحدة من هذه لها معنى مختلف عن الأخرى. فيقول لك المثلث المتفق والمثلث المختلف.

لعن الله آكل الرشوة من أي ملة وأثر ذلك على المجتمع البشري

فأكل المال بالباطل، هذا أكل أموال الناس بالباطل، هذه التي هي الرشوة، وهم يأخذون رشوة. ليس ضروريًا أن أهل هذا الزمان يأخذوا [فقط]، لكن الله يلعن من يأخذ الرشوة يهوديًا كان أم مسيحيًا أم مسلمًا أم ملحدًا.

فهذا من مفاسد الأرض، والمجتمع البشري من أمراضه أن الحق لا يصل إلى صاحبه إلا ببذل مالٍ هو غير راضٍ عنه؛ ولذلك أنت أكلته أيها المرتشي بالباطل.

إنصاف القرآن في وصف الكافرين منهم والتحذير من اتباع سلوكهم

﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 161]

انظر الإنصاف [في القرآن الكريم]، ليس أنهم كافرون [جميعًا]، ولكن مَن يُراكم هذه الصفات السيئة فقد كفر بنعمة الله. فيقول: الكافرين منهم، يعني في جزء منهم كفر.

احذروا أن تفعلوا ذلك مثلهم؛ لأن عاقبته عذابًا أليمًا.

فاللهم نجِّنا يا أرحم الراحمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.