سورة النساء | حـ 821 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يوضح القرآن الكريم معالم الطريق إلى الله من خلال تجارب الأمم السابقة، مع بيان العلاقة بين القرآن والكتب السماوية السابقة.
- •يشتمل القرآن على قصص ذُكرت في الكتب السابقة كقصص آدم وموسى وفرعون، إضافة إلى أحكام ومعانٍ جديدة لم ترد فيها.
- •قسّم الله القرآن إلى آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرى متشابهات، فالمحكمات هي الأصل المقصود من الرسالة.
- •القرآن الكريم كله محكم من أوله إلى آخره، لكن بعضه لم يرد من قبل ويسمى أم الكتاب، وبعضه ورد من قبل ويسمى المتشابهات.
- •الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، كمن يستفسرون عن حاجة النبي محمد إلى الرسالة.
- •يتميز القرآن بأنه يصحح المفاهيم الخاطئة في الكتب السابقة، مثل مسألة مسؤولية آدم وحواء في الخطيئة فقد نسبها القرآن للاثنين.
- •الراسخون في العلم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إلى النبي وما أنزل من قبله، ويفهمون حكمة التشابه والاختلاف.
مقدمة سورة النساء ومعالم الطريق إلى الله من تجارب الأمم السابقة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يضع الله سبحانه وتعالى لنا معالم الطريق إليه، وذلك من خلال تجربة الأمم السابقة علينا؛ تدريبًا لنا وإقرارًا وتثبيتًا لقلوبنا، فيقول:
﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: 162]
هذا [يعني أن] هناك وحي نزل من قبلنا على موسى وعيسى وإبراهيم وداود وكتب، وهناك وحي نزل على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الوحي النازل على سيدنا محمد مهيمنًا ومصدقًا لما بين يديه مما نزل من قبل.
دائرتا التشابه والاختلاف بين القرآن والكتب السماوية السابقة
وهنا نشأت دائرتان: دائرة فيها مشابهة بين ما ذُكر في القرآن وما ذُكر في الكتب السابقة؛ فالقرآن يتحدث عن آدم والكتب السابقة تتحدث عن آدم، القرآن يتحدث عن موسى والكتب السابقة تتحدث عن موسى، القرآن يتحدث عن فرعون والكتب السابقة أيضًا تتحدث عن فرعون، وهكذا.
إذن فهناك في القرآن ما يشابه ما هو موجود في الكتب السماوية الأخرى، لكن هناك في القرآن ما لا يوجد في الكتب الأخرى.
شبهة أهل الكتاب حول تشابه القرآن مع كتبهم وعدم الحاجة إليه
الذي يوجد من القرآن مشابهًا للكتب السماوية السابقة كان محل سؤال بعض أهل الكتاب لسيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم]: يا محمد وأنت جئت بأي شيء جديد؟ تكلمت عن آدم ونحن أيضًا متكلمون عن آدم، عن موسى نحن أيضًا، عيسى نحن، كل شيء أنا هنا في تشابه، فما حاجتك إذن؟ ما الذي جئت لتفعله؟
النقطة الثانية: أنت تتحدث عن آدم في آيات بسيطة هكذا، عشر أو خمس عشرة أو عشرين آية، لكننا تحدثنا عن آدم كلامًا عجيبًا غريبًا، فنحن أوسع، فأنت إذن تعمل مختصرًا للتوراة مثلًا. نحن تحدثنا بالتفصيل فلا لزوم أن كنت تأتي بكتابك الجديد. هذه هي وجهة نظر [أهل الكتاب]: أن كلامك الذي هنا [في القرآن] هو كلامك الذي هناك [في الكتب السابقة].
رد الله على أهل الكتاب ببيان أم الكتاب والآيات المحكمات في القرآن
فالله سبحانه وتعالى بيّن لهم أنهم ليسوا من الراسخين في العلم أبدًا، وليس لهم علاقة بالرسوخ في العلم، وقال [سبحانه]:
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]
إذن أم الكتاب لا توجد إلا في القرآن، وسمّاها أم الكتاب لأنها هي المقصودة بالذات من الرسالة. هذه الرسالة لا تعارض التي قبلها، لا تكرّ على التي قبلها بالبطلان، لا تقول إن موسى وعيسى لم يكونا نبيين، لا تقول هيا نكفر بالأديان، لا تقول لا.
بل هذه الرسالة مصدقة لما بين يديه من الكتاب، ولكن أيضًا فيها زيادة، وزيادة مهمة تصلح للعالمين إلى يوم الدين.
معنى أم الكتاب والمتشابهات وأن جميع آيات القرآن محكمة
إذا كان سيدنا عيسى لما جاء قال:
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]
فهنا يوجد شيء يسمى أم الكتاب، وآخر متشابهات، وآخرين مثل الذين كانوا موجودين في الأول.
كل الكتاب يا إخواننا محكم، كل القرآن محكم من أوله إلى آخره. كم آية؟ ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون برواية حفص عن عاصم، ستة آلاف لكي نحفظ، برواية حمزة الزيات عنده ستة آلاف آية هكذا هو مقفل هكذا هو.
ولكنه يقول لك يعني هاتان الآيتان ماذا؟ أم يعني هذا شيء تقسيمي هكذا في التلاوة، ستة آلاف آية، ما رأيك؟ الستة آلاف آية محكمة من أولها إلى آخرها، ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية كلها محكمة.
التفريق بين أم الكتاب والمتشابهات واتباع أهل الزيغ للمتشابه
بعضها [أي بعض الآيات] لم يرد من قبل [في الكتب السابقة] وهذا يسمى أم الكتاب، وبعضها ورد من قبل وهذا يسمى المتشابهات.
حسنًا:
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7]
رقم واحد، وابتغاء تأويله رقم اثنين.
الفتنة: أنت يا محمد ما فائدتك؟ ما هو هذا الكلام قد قيل من قبل، ما فائدتك؟
وتأويله [أي] تفسيره: فآدم كان طوله ستين ذراعًا، ليس لدينا هذا، ليس في القرآن أنه ستون ذراعًا. والشجرة التي أكل منها هي شجرة الحنطة، لكن ليس لدينا هذا، لم يقل [القرآن] شجرة الحنطة. وإبليس صنع حية ليدخل إليهما، هذه ليست عندنا.
الفرق بين القرآن والكتب السابقة في قصة آدم وحواء والمساواة في التكليف
هذه [التفاصيل المذكورة في الكتب السابقة] نحن عندنا:
﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]
نحن عندنا بالمجمل، كذلك والإغراء منها أن المرأة والرجل على حد سواء في التكليف، فأزلهما الشيطان.
هناك [في الكتب السابقة] يقول لك: لا، هذه المرأة هي التي أغوت الرجل، فالمرأة هذه شيطانة. أي ليس لديّ هكذا، أنا لديّ أن الاثنين رأس برأس مكلفان مشرفان.
هناك [في تلك الكتب] يقول ماذا؟ يقول: لا، المرأة هذه إبليسة هي التي خدعت الرجل. وحتى اليوم ونحن نسخر بالنساء ولا نعرف، نهين النساء، نقعد نأخذ بالروايات هذه أن هي التي أضلت الرجل وهي التي أخرجتنا من الجنة.
من الذي كان هذا؟ ربنا يقول غير ذلك، هذا ربنا يقول: فأزلهما الشيطان، هي وهو اللذان أخطآ.
معنى المتشابه وأم الكتاب ودلالة كلمة أم في اللغة العربية
طيب، يبقى إذن المتشابه معناه من تشابه معهم [أي مع الكتب السابقة]، وأم الكتاب معناها المهيمن والزيادة.
وأم تعني ماذا؟ تعني الشيء الأصلي. أم رأسه، أم رأسه يعني لو ضُرب فيها يموت.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 9-11]
أمه يعني رأسه؛ لأنه لو أُزيلت الرأس انتهى الأمر وضاعت. فأم الكتاب، أم الكتاب يعني ما هو الشيء المقصود من الكتاب.
الحكمة من ذكر المتشابه في القرآن وهيمنته على الكتب السابقة
فلماذا إذن تقول لهم الكلام الآخر المشابه [للكتب السابقة]؟ لأنه مهيمن عليه، ولأنه يعطي بعض الأحكام التي قد تُفهم خطأ عند تلاوة ما بين أيدينا مما وصل [من الكتب السابقة]، يصدّقه ويجعلك ترتدي النظارة التي تعرف تفسيرها بها.
فمن هو المهيمن؟ هو القرآن. أفله داعٍ أم لا داعي له؟ أم نظل هكذا نتخبط فيما بيننا؟ لا، بل له داعٍ.
هذا ابتغاء الفتنة وإنكار النبي [صلى الله عليه وسلم]، وابتغاء تأويله والرجوع إلى السابق دون معيار ودون منظار.
إعراب الراسخون والمؤمنون والفرق بين لكنَّ ولكنِ في النحو العربي
وهنا:
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 162]
طيب، يقول: والمؤمنون، الراسخون والمؤمنون مرفوعة. أهي ما هي هذه؟ جمع مذكر سالم، وجمع المذكر السالم يُرفع بالواو: الراسخون، المؤمنون، مرفوعة.
حقها الرافعة لماذا؟ ما هي "لكن" هذه زيادة، أليس "لكنّ" هذه تنصب؟ قال: لا، هذه هكذا "لكنِ".
الله، هو يوجد فرق بين "لكنِ" وبين "ولكنَّ". قال: آه يوجد فرق. انظر كيف هذه مشددة، فكأن فيها "أنّ" التي تنصب؛ لأن: إنّ، أنّ، ليت، ولكنّ، لعلّ.
كان عكس ما كان من عمل [إنّ وأخواتها]، هناك يقول لك: ترفع [إنّ وأخواتها] كان المبتدأ اسمًا والخبر تنصبه، ككان سيدًا عمرًا. أنّ بقيت تعمل عكسه: تنصب وبعدين ترفع، تنصب المبتدأ وترفع الخبر. قم هناك كان لا ترفع وبعد ذلك تنصب، عكس إنّ. ولكنّ من أخوات إنّ.
إعراب المقيمين الصلاة والرد على من يدعي الخطأ في القرآن الكريم
حسنًا، ولكنِ [المخففة] لا، هذه ليست من أخوات إنّ.
﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 162]
أيضًا مرفوع، وبعد ذلك جاء وقال: والمقيمين الصلاة. قام واحد يقول لك: يا الله حسنًا، وهذه معطوفة على ماذا؟ حسنًا ما هي معطوفة على [ما قبلها].
لكي تفهم اللغة العربية: لا، ما يمكن أن يكون خطأ، يمكن أن يكون خطأ؟! هذا ليس هو، هذا الذي يخطئ! هذا القرآن هو لا يخطئ، هذا أنت الذي مخطئ يا مخطئ!
وفي حلقة أخرى نبيّن فيها الفرق بين المقيمين والمقيمين والمخطئ والمتعب والعالم، وهكذا.
نستودعكم الله، والسلام.
