سورة النساء | حـ 823 | 163 - 164| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الإسلام نسق مفتوح ليس بينه وبين العالمين مشكلة، وإذا وجدت فهي مشكلة الآخرين مع أنفسهم ومعنا.
- •المسلمون يؤمنون بكل الرسل تفصيلاً وإجمالاً، ومستعدون للتعايش مع جميع الخلق.
- •التعايش لا يقتضي أن يترك المسلم دينه ولا أن يترك غيره معتقده، بل نعيش سوياً لعمارة الأرض وحسن الجوار.
- •عامل المسلمون أصحاب الديانات الأخرى معاملة أهل الكتاب، ما يؤكد تعايشهم دون اضطرار للأخذ من عقائدهم.
- •الإسلام هو الدين المؤهل للأخوة الإنسانية وجمع كلمة الناس للتعايش في سلام وقوة.
- •سيدنا نوح هو الأب الثاني للبشرية بعد غرق الأرض، وقد ملأ أولاده الثلاثة الأرض.
- •الآية تشير إلى ترتيب الأنبياء زمنياً، وتدل على أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق.
- •هناك خلاف بين العلماء حول هوية الذبيح، والراجح عند معظم العلماء أنه إسماعيل.
- •يمنع الاسم الأعجمي من الصرف لاحتياجه لغيره من حيث العلمية والعجمة.
افتتاح الدرس وتلاوة آيات الوحي إلى الأنبياء من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين:
﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـنَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 163-164]
الإسلام نسق مفتوح يؤمن بجميع الرسل تفصيلاً وإجمالاً
في هذه الآية أرشدنا ربنا سبحانه وتعالى، كما وضّح لنا وزاد في الإيضاح، وكرّر علينا وزاد في التكرار من أجل مصلحتنا؛ أنّ الإسلام نسقٌ مفتوح، وأنه ليس بينه وبين العالمين مشكلة.
وإذا كانت هناك مشكلة فهي مشكلة غيرنا مع أنفسهم ومعنا. فنحن نؤمن بكل الرسل تفصيلًا وإجمالًا، ونحن مستعدون أن نعيش مع جميع الخلق. ووضع لنا [ربنا سبحانه وتعالى] أسس التعايش:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
التعايش في الإسلام لا يقتضي التنازل عن الدين أو العقيدة
سبحانه وتعالى لم يأمرنا أن نصدّق بطرق الخلاص التي وضعها البشر لأنفسهم، وإنما نحن نؤمن بأن الخلاص لا يكون إلا من خلال شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقول غيرنا خلاف ذلك.
والتعايش لا يقتضي أن أترك ديني لدينه، ولا أن يترك معتقده لمعتقدي؛ إنما نعيش سويًّا لعمارة الأرض وفي حسن الجوار، على أن يكون حبّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يشملنا جميعًا.
تطبيق المسلمين لمبدأ التعايش مع المجوس والهندوس وأتباع بوذا
ولذلك لمّا عرضوا عليه [على النبي ﷺ] حال المجوس قال:
«سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب»
ولمّا دخل المسلمون الهند ووجدوا الهندوس عندهم كتاب، سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب. ولمّا جاءوا ومرّوا على بوذا سنّوا به سنّة أهل الكتاب؛ لأن أصحابه يقولون -ولو كان بعضهم- إنّ عنده إنجيلًا يُسمّى بـإنجيل بوذا، وهو الآن مترجم إلى العربية.
وهكذا، ما هذا [إلا] لأنهم كانوا في وضوح أنهم في تعايش مع الآخرين دون اضطرار.
الاعتراف بالجميع لا يعني الأخذ من عقائدهم بل تعظيم عقيدة الإسلام
وقد اعترفنا بالجميع، [لكن ليس معنى ذلك] أن نأخذ من عقائدهم أو أن نعظّمهم في عقائدهم؛ وإنما نحن نعظّم عقائدنا ونؤمن بها إيمانًا جازمًا.
إذن الإسلام هو الدين المؤهّل للأخوّة الإنسانية، لجمع كلمة الناس، للتعايش، لعمارة الأرض، وفي سلام وقوة؛ لا في ضعف ولا وهن، وإنما في قوة ووضوح.
الوحي إلى النبي مشابه لما أوحي إلى نوح أبي البشرية الثاني
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ والوحي هذا مشابه لما أوحينا به إلى نوح، هناك في زمن بعيد، زمن بعيد جدًّا، زمن الطوفان.
﴿وَٱلنَّبِيِّـنَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]
يعني من بداية الإنسانية الثانية؛ ما هو سيدنا آدم [كان بداية] الإنسانية الأولى. بعدما غرق كلّ من في الأرض وانحصر من في الأرض في نسل سيدنا نوح، أصبح نوح هو الأب الثاني للبشر.
أعمام نوح وأعمام أعمامه هلكوا ونسلهم ذهب، والباقي هو نوح بأولاده الثلاثة ملأوا الأرض مرة أخرى، فكان قد كرّر مرة أخرى ما فعله سيدنا آدم.
الإيمان بالأنبياء إجمالاً وتفصيلاً كما جاء في الآية الكريمة
من نوح والنبيّون من بعده حملوا الرسالة، وأوحينا إلى [إبراهيم وإسماعيل وإسحاق...].
يبقى إذن في إجمال وفي تفصيل، وهو هذا الذي نقول عليه: الإيمان في إجمال والإيمان في تفصيل.
﴿وَٱلنَّبِيِّـنَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]
هذا إجمال، وبعد ذلك بالتفصيل حتى لا يقول أحد كذا أو كذا:
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ﴾ [النساء: 163]
دلالة ترتيب الآية على أن إسماعيل أكبر من إسحاق وأنه الذبيح
هذه [الآية] ما تدلّ عليه أنّ إسماعيل كان أكبر من إسحاق، وأنّ هاجر عندما جاءت بابنها البكر فإنّ سارة لم تكن قد جاءت بابنها بعد، فيبقى إسماعيل هو الكبير.
يُقال أنّ هناك أربعين آية في القرآن يمكن أن تُستنبط منهم أنّ الذبيح هو إسماعيل. وهناك خلاف بين علماء المسلمين مبنيّ على كلام أهل الكتاب من أنّ الذبيح هو إسحاق، لكن كثيرًا من العلماء المسلمين يقولون إنّ الذبيح هو سيدنا إسماعيل وليس سيدنا إسحاق الذي ورد في الكتاب المقدس أنه إسحاق.
اختلاف العلماء المسلمين في هوية الذبيح بين إسماعيل وإسحاق
والعلماء المسلمون مختلفون في ذلك؛ القرطبي مثلًا يقول إنه إسحاق أخذًا من الرواية الخاصة بأهل الكتاب، لكن أغلب العلماء يقولون لك هذا إسماعيل.
فهذه آية من أربعين آية كان مشايخنا يقولون كذلك أنّ في أربعين آية تدلّ على أنّ الذبيح هو إسماعيل. من ضمنها أنه خاطب ابنه البكر، الذبيح هذا كان البكر. طيب، ما هو إسماعيل هو البكر.
طيب، من أين عرفنا هذا؟ ما هو إسماعيل وإسحاق ويعقوب، الله يرتّبهم زمنيًّا، كأنّ الآية تدلّ على أنّ إسماعيل هو الذي كان الكبير وليس إسحاق.
سعة صدر علماء المسلمين في الخلاف والدعوة إلى الوحدة
وانظر إلى سعة قلب المسلمين وعلماء المسلمين؛ ما من مانع أنهم يقولون إسحاق ويختلف آخرون معهم ويقولون إنه إسماعيل.
لكن ليس هناك خلاف [يضرّ]؛ هذا علم يحتاج إلى رسوخ، والذي يتبع فكرة الخلاف فليتركها. انظر إلى الوحدة التي يدعو إليها الإسلام.
إعراب أسماء الأنبياء الأعجمية وسبب منعها من الصرف
وإسحاق ويعقوب وكلّها كما نراها مفتوحة، لا نستطيع أن نقول عنها منصوبة؛ لأنها مجرورة ولكن مجرورة بالفتحة.
لماذا [جُرّت بالفتحة]؟ لأنه ممنوع من الصرف.
حسنًا، لماذا هو ممنوع من الصرف؟ لأنه علم أعجمي.
حسنًا، ما معنى ذلك؟ لماذا كان العلم الأعجمي ممنوعًا من الصرف؟ فقال لك: نعم، الأصل أنّ الاسم يُمنع من الصرف عندما يشابه الفعل. الصرف يعني التنوين؛ هذا الاسم عندما يشابه الفعل يُمنع من الصرف؛ لأنّ الفعل ليس مصروفًا.
بيان أن الفعل لا ينوّن وأن الاسم الشبيه به يمنع من الصرف
أكلَ، شربَ، لا يصحّ أن تقول "أكلٌ" [بالتنوين]، لا يصحّ. ولذلك الفعل ليس منوّنًا، [و] الاسم الذي مثله، إذن شبيه به، فإنه أيضًا لا يكون مصروفًا.
قال لي: فبالله هات لي عقلك، ما علاقة إبراهيم بأكلَ؟ شبيه به في ماذا؟ قال له: ألستَ منتبهًا؟ شبيه بالفعل ليس في شكله ولا في معناه، [بل] شبيهًا بالفعل في الاحتياج.
شرح مفهوم الاحتياج في الفعل من ناحية المصدر والفاعل
قال له: احتياج إلى ماذا؟ قال له: الفعل يحتاج إلى غيره. فالاسم الذي يحتاج إلى غيره يكون شبيهًا به في مسألة الاحتياج.
قال له: فالفعل هذا محتاج لغيره في ماذا؟ قال: محتاج لغيره من ناحية الظاهر، ومحتاج لغيره من ناحية الحقيقة. فالظاهر وهو الشكل أي اللفظ، والحقيقة هي المعنى.
فكيف يكون الأكل محتاجًا لغيره؟ قال: من ناحية الظاهر أي الشكل واللفظ، فهو محتاج للمصدر؛ "أكْل" حتى يُشتقّ منه "أكَلَ"، فهو محتاج لغيره من ناحية المصدر. ومحتاج لغيره أي محتاج للفاعل؛ لأنه لا يوجد "أكَلَ" إلا ويجب أن يوجد آكِل. أكلَ الولدُ الطعامَ، فيصبح محتاجًا لغيره من ناحية اللفظ ومحتاجًا لغيره من ناحية المعنى، فمحتاج إلى المصدر والفاعل.
تطبيق قاعدة الاحتياج على اسم إبراهيم وبيان سبب منعه من الصرف
ففهمنا الاحتياج [في الفعل]. إبراهيم أصبح محتاجًا لغيره في ماذا؟ قال: محتاج للعالَمية وللأعجمية.
فلمّا تقوم صفتان: واحدة من ناحية المعنى وهي العالَمية، والثانية من ناحية اللفظ وهي الأعجمية، فيصبح محتاجًا لغيره، يصبح مثل الفعل، يصبح ممنوعًا من الصرف.
فهذا ما وضّحناه من قضية المنع من الصرف. فإذا راجعتموها فلا تنسوها أبدًا: أنه ممنوع من الصرف للاحتياج.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
