سورة النساء | حـ 824 | 163 - 164| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 824 | 163 - 164| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تثبت الآيات القرآنية في سورة النساء أن أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ممتدة في التاريخ ولا تقتصر على الأمة المحمدية فقط.
  • تشير الآيات إلى وحدة الأمة الراسخة عبر التاريخ، وتقسيمها إلى أمة الإجابة وأمة الدعوة.
  • تبرز القضية الفاصلة بين المؤمنين وغير المؤمنين وهي قضية الوحي، فالمؤمن يؤمن بأن الله يوحي لأنبيائه وغير المؤمن ينكر ذلك.
  • يوضح النص أن نوحاً هو أبو البشرية الثاني بعد هلاك من في الأرض بالطوفان ونجاته مع أبنائه.
  • سمي إبراهيم بأبي الأنبياء لأن أنبياء كثيرين من نسله.
  • يبين النص سبب الصلاة على النبي محمد كما صلى على إبراهيم، لأن آل إبراهيم كانوا أنبياء.
  • يشرح النص بعض الأسماء الأعجمية للأنبياء وأصولها اللغوية.
  • يذكر عدد المرسلين بثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، وعدد الأنبياء بمائة وأربعة وعشرين ألف نبي.
  • المسلم يؤمن بجميع الرسل والأنبياء حتى من لم يعرف أسماءهم.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

تلاوة آية الوحي إلى الأنبياء من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـنَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 163-164]

دلالة الآية على امتداد الأمة المحمدية عبر التاريخ منذ بدء الخلق

في هذه الآيات المباركات يُثبت ربنا سبحانه وتعالى أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم ممتدة في التاريخ، وأن أمة النبي لا تقتصر على الأمة المحمدية فقط، بل إنها بدأت مع بدء الخلق.

وأن الله سبحانه وتعالى لمّا أرسل آدم بالتوحيد وكلّفه بعد أن شرّفه، فهذه هي الأمة المحمدية، أي صفّ الرسل عبر التاريخ على قلب واحد.

ولذلك ففي هذه الآية دلالة على الوحدة؛ وحدة الأمة، ولكن الوحدة الرئيسية الضاربة في التاريخ. بعد ذلك هناك وحدة الأمة التي جاء إليها النبي صلى الله عليه وسلم؛ منها أمة الإجابة ومنها أمة الدعوة.

سنة الله في الوحي عبر التاريخ والقضية الفاصلة بين المؤمنين وغيرهم

﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ﴾ [النساء: 163]

إذن فهذه سنة الله سبحانه وتعالى عبر التاريخ لا تتخلف أبدًا.

وهنا نلاحظ قضية كبرى هي بين المؤمنين وغير المؤمنين، القضية الفاصلة الأساسية وهي قضية الوحي. فالمؤمن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يوحي إلى أنبيائه عن طريق كتبه ويُكلّف.

وغير المؤمن إما أن ينكر وجود الله، وإما أن ينكر الوحي ويقول إن الله لا يوحي لأحد من البشر، إذن قد خلقنا وتركنا فنفعل ما نشاء.

المحك بين الإيمان والكفر هو الإيمان بأن الله لم يترك خلقه عبثًا

وهنا هو المحكّ بين الإيمان والكفر؛ المؤمن هو ذلك الذي يؤمن بالله وأنه لم يترك خلقه عبثًا أبدًا، في أي وقت من الأوقات ولا في أي مكان من الأماكن.

بل إنه أرسل الرسل تترى كثيرة متتابعة، تحمل الوحي وتُبيّن للناس ما أُنزل إليهم من ربهم.

﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـنَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]

فلم يقتصر الأمر على سيدنا نوح وهو أبو البشرية الثاني؛ لأنه مع سيدنا نوح هلك من في الأرض كلهم جميعًا بالطوفان، ونجا نوح وأبناؤه، فأصبح نوح هو الأب الثاني للبشرية الحالية الموجودة الآن. فكل منا إذا ما رفع نسبه إلى آدم فلا بد أن يظهر فيه نوح؛ لأنه هو الذي نجا مع أبنائه الثلاثة.

إبراهيم أبو الأنبياء وحديث الكريم ابن الكريم في نسب يوسف عليه السلام

﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [النساء: 163]

[إبراهيم عليه السلام] يُسمّى أبو الأنبياء؛ لأن أنبياء كثيرين من نسله، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم»

قالوا: من هذا يا رسول الله؟ قال: «هذا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»، أنبياء متتالون.

سر تشبيه الصلاة على النبي محمد بالصلاة على إبراهيم في التشهد

ولذلك وفي التحيات [التشهد في الصلاة] نقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد كما صليت، وقال: كما صليت على سيدنا إبراهيم.

قالوا له: لماذا هكذا؟ أي أن سيدنا محمدًا في درجات الأنبياء هو سيد الخلق، فكيف نُشبّه الصلاة عليه بالصلاة على سيدنا إبراهيم؟

قال: لأن آل إبراهيم كانوا أنبياء، وآل النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا بأنبياء. ولذلك عندما نصلي عليه كما صلّى على إبراهيم فهي صلاة ترجع إلى أهل البيت في مقابل أهل إبراهيم.

أتدرك ذلك؟ إذن فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في وسط أهله تُشبَّه بالصلاة على إبراهيم في وسط أهله، فالمشابهة هنا بين نبي مع أهله ونبي مع أهله: اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا [محمد] كما صليت على إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم.

اسم إبراهيم الأعجمي ومعناه وسبب إعرابه بالفتحة بدل الكسرة

﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [النساء: 163]

ويُقال إنها في لغتهم "إبراهيم"، فما هو إلا اسم أعجمي. ولذلك قلنا: أوحينا إلى إبراهيمَ، عليها فتحة.

فكيف بعد "إلى" تكون عليها فتحة وهو أصلًا ممنوع من الصرف؟ والممنوع من الصرف يُجرّ بالفتحة وليس يُجرّ بالكسرة مثل جميع الكلمات، لا يُجرّ بالفتحة [إلا الممنوع من الصرف].

طيب، إبراهيم في لغتين: أب رحيم. إبراهيم هذه كأنها صفة: أب رحيم. ما هو [أي أنه] في أنبياء لهم الاسم له معنى.

معنى اسم إسماعيل وإسحاق وإعراب الأسماء الأعجمية في الآية

إبراهيم وإسماعيل: اسمع يا الله، اللهم استجب، يعني يا رب استجب دعاءنا. إسماعيل: اسمع يا إيل، هذه من أسماء الله في اللغة العبرانية.

﴿إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ﴾ [النساء: 163]

انتبه! فهو لا يزال منصوبًا أم ليس منصوبًا؟ هو مجرور لكن عليه فتحة. لا تقل منصوبًا بل قل مفتوحًا.

﴿إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [النساء: 163]

أيضًا مفتوح، كل هذه أسماء أعجمية باللغة العبرانية.

معنى كلمة الأسباط العربية والفرق بينها وبين الأسماء الأعجمية في الآية

﴿وَٱلْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: 163]

ها قد رجعت إلى أصلها؛ لأن الأسباط كلمة عربية. السِّبط هو الحفيد أو الابن أو العائلة. فالأسباط كانوا أيضًا من النبيين.

والأسباط كلمة عربية ولذلك انكسرت [أي جُرّت بالكسرة لأنها ليست ممنوعة من الصرف].

﴿وَعِيسَىٰ﴾ [النساء: 163]

هذا [اسم أعجمي]، وموسى وعيسى وأيوب أيضًا أعجمي، ويونس وهارون وسليمان.

إعراب داود وسليمان في الآية وبيان أنها أسماء أعجمية ممنوعة من الصرف

﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]

آتينا داود هذا مفعول به إذن منصوب. لكن حتى سليمان كان يجب أن يكون ماذا؟ كل هذا مجرور، لكن نُجرّ فعلًا بالآية بالفتحة؛ لأنه من الأسماء الأعجمية [الممنوعة من الصرف].

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]

يعني أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وهناك أيضًا وحي إلى رسل كثيرة؛ ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل، ورسلًا لم نقصصهم عليك، وكلّم الله موسى تكليمًا.

عدد الأنبياء والمرسلين في حديث أبي ذر وإيمان الأمة المحمدية بجميعهم

ولذلك عُدّ في حديث أبي ذر عدد المرسلين:

قال [أبو ذر رضي الله عنه]: قال له [النبي ﷺ]: «ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولًا، وعدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي»

يعني أن هناك أناسًا كثيرين لا نعرفهم، لكن الأمة المحمدية تؤمن بجميع الرسل وتؤمن بجميع الأنبياء.

حتى قال الشيخ الباجوري: فلو جاءك شخص وقال: هل تؤمن بدانيال نبيًّا؟ أنت لم تسمع عن دانيال هذا من قبل، تقول: أؤمن به إن كان نبيًّا.

إياك أن تقول نعم؛ لأن الأمر مُحرج؛ إن كان نبيًّا فهذا مُحرج، وإن لم يكن نبيًّا فهذا مُحرج أيضًا. فتتردد وتقول هكذا: سأؤمن به إن كان نبيًّا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.